اقتضت حكمة الله تعالى في عباده أن يبعث في كل أمة رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وترك عبادة ما سواه، فانقسم الناس إلى فريقين، منهم من آمن وصدق، ومنهم من ضل وكفر، ومن ضلالهم وكفرهم أن طلبوا من أنبيائهم نزول الملائكة؛ ليثبتوا صحة ما جاءوا به، أو أن يكون الرسول من الملائكة زاعمين أن الرسول لا يصح أن يكون من البشر، وأن الله تعالى لو أراد دعوة الخلق لأنزل ملائكة، وبما أن الملائكة عالم غيبي لا نراه ولا نسمعه، ضل هؤلاء المشركون في عبادتهم لهذه المخلوقات العظيمة زاعمين أن الله راض بهذه العبادة، وسوف نتحدث عن هذه الأمور بشيء من التفصيل فيما يلي:
أولًا: عبادتهم:
انقسم الكفار في اعتقادهم في الملائكة إلى ثلاث فرق، وقد بين الله ذلك في كتابه، وهم على النحو التالي:
1.فرقة أشركتهم مع الله بالعبادة.
2.فرقة والت بعضهم وعادت بعضهم.
3.فرقة كفرت بهم وأنكرتهم.
فالأول: هو موقف بعض مشركي العرب، ولقد جادل القرآن الكريم هؤلاء المشركين في عدة مواضع، وألزمهم بالحجة البالغة، وبين سخافاتهم الوثنية، فمن عجيب كفرهم وصنعهم أنهم ينسبون لله البنات، وهم يكرهون البنات، وعندما يبشر أحدهم أنه رزق بنتًا يظل وجهه مسودًا وهو كظيم، وقد يتوارى من الناس خجلًا من سوء ما بشر به: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَ?نِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) [الزخرف:17] .
وفي هذه الآيات التالية تحكي هذه الخرافة وتناقش أصحابها: (فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ?148? فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ?149? أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ?150? أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ?151? وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ?152? أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ?153? مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ?154? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ?155? أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ) [الصافات:149 - 156] .
قال ابن كثير عند هذه الآية: ذكر الله عن المشركين في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب:
فأولًا: جعلوهم بنات الله، فجعلوا لله ولدًا.
وثانيًا: جعلوا ذلك الولد أنثى.
ثالثًا: ثم عبدوهم من دون الله. وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم 139.
وقد جعل الله قولهم هذا شهادة سيحاسبهم عليها، فإن من أعظم الذنوب القول على الله بغير علم: (ے وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَ?نِ إِنَاثًا ? أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ? سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) [الزخرف:19] 140.
وقوله تعالى: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ? إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ(15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَ?نِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَ?نِ إِنَاثًا ? أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ? سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19 ) ) [الزخرف:15 - 19] .
فهذه الآيات الكريمة هي على شاكلة الآية السابقة في معالجة مفتريات المشركين في نسب الأنوثة للملائكة بالأدلة العقلية، ومناقشتهم بمنطق الحجة والبرهان.
والآيات الكريمة تناقشهم فيما يلي 141:
قال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم:21 - 22] .
أي: قسمة جائرة، وغير عادلة.
وقد بينت الآيات أن الأنثى محل نقص في الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه، ليجبر من نقصها 142.
ثم أتبعها بصفة نقص أخرى فقال: {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف:18] .
يعني: أن الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبين حجتها لنقص عقلها، وقلما تجد امرأة إلا تفسد الكلام وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله من يتصف بهذه النقائص 143.
ولقد افترى هؤلاء أنهم يعبدون الملائكة على حسب زعمهم، وحاشا وكلا أن ترضى ملائكة الرحمن بأن تعبد من دون الله، فضلًا عن أن تدعو إلى ذلك، وقد تبرؤوا منهم ومن عبادتهم يوم القيامة، وبينوا حقيقية عبادة هؤلاء وأنهم ما عبدوا إلا المردة من الشياطين.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «ومن تلاعبه-أي: الشيطان-بهم أن زين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم بزعمهم، ولم تكن عبادتهم في الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين، فعبدوا أقبح خلق الله، وأحقهم باللعن والذم.
قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ:40 - 41] .
وقال تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [النساء:117] » 144.
ثانيًا: موالاة بعضهم ومعادة البعض:
وهذا موقف اليهود فقد زعموا أن لهم أولياء وأعداء من الملائكة، وزعموا أن جبريل عدو لهم، وميكائيل ولي لهم، فأكذبهم الله تعالى-في مدعاهم-وأخبر أن الملائكة لا يختلفون فيما بينهم: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:97 - 98] .
فأخبر سبحانه أن الملائكة كلهم جماعة واحدة، فمن عادى واحدًا منهم فقد عادى الله وجميع الملائكة، وهذه المقولة التي حكاها القرآن عن اليهود عذر واهٍ عللوا به عدم إيمانهم، فزعموا أن جبريل عدوهم؛ لأنه يأتي بالحرب والدمار، ولو كان الذي يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ميكائيل لتابعوه 145.
وجاء في سبب نزول الآية السابقة أنه: حضرت عصابة من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه فأجابهم ثم قالوا: (وأنت الآن حدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه. قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: فما منعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا. فأنزل الله عز وجل: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} إلى قوله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(102) } [البقرة:103] ) 146.
وقال عبد الله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم: إن جبريل عليه السلام عدو اليهود من الملائكة 147.
قال ابن حجر: «حكى الثعلبي عن ابن عباس أن سبب عداوة اليهود لجبريل أن نبيهم أخبرهم أن بختنصر سيخرب بيت المقدس، فبعثوا رجلًا ليقتله فوجده شابًا ضعيفًا، فمنعه جبريل من قتله وقال له: إن كان الله أراد هلاككم على يده فلن تسلط عليه، وإن كان غيره فعلى أي حق تقتله؟! فتركه فكبر بختنصر وغزا بيت المقدس فقتلهم وخربه فصاروا يكرهون جبريل لذلك» 148.
وهذا كذب وافتراء، وإنما أصابهم ما أصابهم من قبل أنفسهم؛ بسبب كفرهم بالله وقتلهم أنبيائه.
ثالثًا: الكفر بهم وإنكارهم:
وهذا موقف بعض المشركين والملحدين من الفلاسفة والدهريين ومن شاكلهم من الغلاة.
قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:136] .
فقد زعموا أنها مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة ولا وجود لها في الخارج، فلا الله موجود حقيقة، ولا نبوة ولا نبي على التحقيق، ولا ملائكة، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور.
قال ابن القيم: وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة، ولا يؤمنون بهم. وإنما الملائكة عندهم-أي: الفلاسفة-هي مجردات ليست داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوق السموات ولا تحتها، ولا هي أشخاص تتحرك، ولا تصعد، ولا تنزل، ولا تدبر شيئًا، ولا تتكلم، ولا تكتب أعمال العبد، ولا لها إحساس ولا حركة البتة، ولا تنتقل من مكان إلى مكان، ولا تصف عند ربها، ولا تصلي، ولا لها تصرف في أمر العالم البتة، فلا تقبض نفس العبد، ولا تكتب رزقه وأجله وعمله، ولا عن اليمين وعن الشمال قعيد، كل هذا لا حقيقة له عندهم البتة.
وربما تقرب بعضهم إلى الإسلام، فقال: الملائكة هي القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد، والشياطين هي القوى الشريرة الرديئة، هذا إذا تقربوا إلى الإسلام وإلى الرسل 149.
رابعًا: طلب نزولها لتصديق الرسول:
لقد ذكر الله جل وعلا مطالب هؤلاء الكفرة في كتابه الكريم في أكثر من آية، منها:
ما ذكره عن فرعون حيث كان من مطالبه نزول الملائكة؛ ليشهدوا بصدق موسى عليه السلام فيما يقول، حيث قال تعالى: {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) } [الزخرف:53] .
وهذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقًا لجاء معه الملائكة، يمشون معه، يشهدون له بصدقه ويعينونه على أمره، فيكون ذلك أهيب في القلوب، فأوهم اللعين قومه أن الرسل لا بد أن يكونوا على هيئة الجبابرة، ومحفوفين بالملائكة، وقد أتى موسى عليه السلام من الآيات بما فيه دلالة على صدق نبوته، وكانت أبلغ من أن يكون له أسورة أو ملائكة، وليس يلزم هذا؛ لأن الإعجاز كاف، وقد كان في الجائز أن يكذب مع مجيء الملائكة، كما كذب مع ظهور الآيات، وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ موسى؛ لأنه لا يؤمن بالملائكة من لا يعرف خالقهم 150.
وكذلك طلب نزولها كفار قريش.
قال تعالى: {لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) } [الحجر:7] .
قال ابن الجوزي: «قال المفسرون: إنما سألوا الملائكة ليشهدوا له بصدقه، وأن الله أرسله، فأجابهم الله تعالى بقوله: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) } [الحجر:8] » 151.
قال البغوي: «إلا بالحق أي: بالعذاب ولو نزلت يعني: الملائكة- لعجلوا بالعذاب، وما كانوا إذا منظرين أي: مؤخرين، وقد كان الكفار يطلبون إنزال الملائكة عيانًا فأجابهم الله تعالى بهذا، ومعناه: إنهم لو نزلوا عيانًا لزال عن الكفار الإمهال وعذبوا في الحال» 152.
وقد ذكر الله جل وعلا في موضع آخر أنه لو أنزل الملائكة كما طلبوا لما آمنوا.
قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) } [الأنعام:111] .
وسبب نزول هذه الآية: أن المستهزئين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من أهل مكة، فقالوا له: ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم: أحق ما تقول أم باطل؟ أو أرنا الملائكة يشهدون لك أنك رسول الله، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلًا 153، قال الخازن: وقوله: {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} أي: ما آمنوا إلا أن يشاء الله الإيمان منهم، فأخبر الله أن الإيمان بمشيئة الله لا كما ظنوا أنهم متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا لم يؤمنوا، وفيه دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله تعالى حتى الإيمان والكفر، وموضع المعجزة أن الأشياء المحشورة منها ناطق ومنها صامت، فإذا أنطق الله الكل حتى يشهدوا له بصحة ما يقول كان ذلك في غاية الإعجاز 154.
خامسًا: طلب أن يكون الرسول منهم:
ذكر الله تعالى في محكم كتابه حال الأمم المكذبة لرسلها كعاد وثمود، وعدم استجابتها لدعوتهم، مستنكرين أن يكون الرسول من البشر، فلو أراد الله دعوة الخلق لعبادته، لأرسل ملائكة تدعوهم إلى ذلك.
قال تعالى: {إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) } [فصلت:14] .
قال المراغي في تفسير هذه الآية: «أي: قالوا: إنا لا نصدق برسالتكم فما أرسل الله بشرًا، ولو أرسل رسلًا لأنزل ملائكة، وإذًا فلا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا، وقوله: {بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} ليس إقرارا منهم بكونهم رسلًا، بل ذكروه استهزاءً بهم، كما قال فرعون: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) } [الشعراء:27] » 155.
فعدم استجابتهم كون الرسل من جنسهم وهذه شبهة، قال السعدي: «وهذه الشبهة لم تزل متوارثة بين المكذبين من الأمم، وهي من أوهى الشبه، فإنه ليس من شرط الإرسال أن يكون المرسل ملكًا، وإنما شرط الرسالة أن يأتي الرسول بما يدل على صدقه، فليقدحوا إن استطاعوا بصدقهم، بقادح عقلي أو شرعي، ولن يستطيعوا إلى ذلك سبيلا» 156.
وقد قالها من قبلهم قوم نوح.
قال تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) } [المؤمنون:24] .
قال ابن كثير في هذه الآية: « {فَقَالَ الْمَلَأُ} وهم السادة والأكابر منهم {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي: يترفع عليكم ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم، فكيف أوحي إليه دونكم؟! {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} أي: لو أراد أن يبعث نبيًا؛ لبعث ملكًا من عنده، ولم يكن بشرًا! {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا} أي: ببعثة البشر في آبائنا الأولين، يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم والأمم الماضية» 157.
وكذلك كان حال كفار قريش مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فرد الله عليهم بقوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) } [الإسراء:95] .
قال الطبري في هذه الآية: «قل يا محمد لهؤلاء الذين أبوا الإيمان بك، استنكارًا لأن يبعث الله رسولًا من البشر: لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكًا رسولًا؛ لأن الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة، ومن خصه الله من بني آدم برؤيتها، فأما غيرهم فلا يقدرون على رؤيتها، فكيف يبعث إليهم من الملائكة الرسل، وهم لا يقدرون على رؤيتهم، وهم بهيئاتهم التي خلقهم الله بها، وإنما يرسل إلى البشر الرسول منهم، كما لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، ثم أرسلنا إليهم رسولًا لكان ملكًا مثلهم» 158.
وفي الآية إعلام من الله سبحانه بأن الرسل ينبغي أن تكون من جنس المرسل إليهم، فكأنه سبحانه اعتبر في تنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين:
الأول: كون سكان الأرض ملائكة.
والثاني: كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا إليها، وسمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه، فلا يكون في بعثة الملائكة إليهم فائدة 159.
ولو كان الرسل من الملائكة لما استطاع الناس التخاطب معهم، ولما تمكنوا من الفهم منهم، فلزم أن يكون بشرًا حتى يستطيعوا أداء الرسالة، كما قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) } [الأنعام:9] .160.
سيكون الحديث في هذا المبحث عن وظائف الملائكة في الآخرة، وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: شفاعتها للمؤمنين:
وحقيقة هذه الشفاعة أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد، فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذي أذن له أن يشفع 161، ورضاه عنه، وللملائكة نصيب منها.
قال الله عن ملائكته: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) } [النجم:26] .
قال الطبري: وفي الآية توبيخ من الله لعبدة الأوثان، والملأ من قريش، وغيرهم الذين كانوا يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] .
فقال الله جل ذكره لهم: ما تنفع شفاعة ملائكتي الذين هم عندي لمن شفعوا له، إلا من بعد إذني لهم بالشفاعة له ورضاي، فكيف بشفاعة من دونهم، فأعلمهم أن شفاعة ما يعبدون من دونه لا تنفع 162.
فالملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له، قال الأخفش: الملك واحد ومعناه جمع، وهو كقوله تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) } [الحاقة:47] .
وقيل: إنما ذكر ملكًا واحدًا؛ لأن (كم) تدل على الجمع 163.
وقال أبو الطيب: «والشفاعة مشروط فيها بحسب نصوص القرآن الكريم بالإذن والرضا، والله لا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأذن في الشفاعة لهم، ولا يأذن للنبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة لأهل الكبائر لخروجهم من النار إلا بعد أن تمسهم النار بذنوبهم وتطهرهم من أوزارهم، ويبقى إيمانهم وهو موضع رضا الكريم سبحانه، فشفاعة الأنبياء والصالحين لا تكون إلا بعد الإذن والرضا، وإذًا فتكون للمؤمنين لا لغيرهم، والله تعالى قد جعل هذه الشفاعات ثوابًا للإيمان وصالح العمل، فهؤلاء الذين يشفع لهم الأنبياء والصالحون في حقيقة الأمر وواقعه منتفعون بإيمانهم وأعمالهم وسعيهم وكسبهم، ولولا ذلك ما شفع لهم شافع ولا نفعتهم شفاعة الشافعين» 164.
ونحو هذه الآية، قوله تعالى: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) } [الأنبياء:27 - 28] .
قال السعدي: «أنهم لا يشفعون لأحد بدون إذنه ورضاه، فإذا أذن لهم وارتضى من يشفعون فيه شفعوا فيه، ولكنه تعالى لا يرضى من القول والعمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، متبعًا فيه الرسول، وهذه الآية من أدلة إثبات الشفاعة، وأن الملائكة يشفعون» 165.
ثانيًا: التسليم على المؤمنين في الجنة:
تستقبل الملائكة المؤمنين على أبواب الجنة بأحسن استقبال، يهنئونهم بسلامة الوصول، وبما هم قادمون عليه، فلا تخيفهم أهوال يوم القيامة.
قال تعالى: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء:103] .
ثم ينعم المؤمنون بتسليم الملائكة عليهم وترحيبهم بهم.
قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:23 - 24] .
قال ابن كثير: تدخل عليهم الملائكة من هاهنا وهاهنا للتهنئة بدخول الجنة، فعند دخولهم إياها تفدم عليهم الملائكة مسلمين مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام، والإقامة في دار السلام، في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام 166.
وهذا الاحتفاء والترحيب والتحية من الملائكة لهم كله بما صبروا في الدنيا على طاعة الله وعبادته وعلى مشقة الجهاد والثغور، وصبروا عن الشرك و المعاصي، وصبروا على أقدار الله من فقر وترك للأوطان، ورضوا بما قسم الله لهم، فيموت أحدهم وفي صدره حاجة لا يستطيع لها قضاء.
وأما قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر:73] .