فهرس الكتاب

الصفحة 2301 من 2431

ومعلوم أن في كتاب الله تعالى العقيدة الصافية، والتشريع، والأخلاق، والقيم، وهو كتاب الهداية والنور، من تمسك به، وبهدي النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الظلمات إلى النور، وهُدِيَ إلى صراط مستقيم.

قال الله سبحانه تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 - 16] .

يلاحظ مما تقدم أن من أسباب الهداية إلى الطريق المستقيم التمسك بالقرآن الكريم، وتدبر آياته، وإن الذي يوفق إلى الهداية من اهتدى بهدي القرآن في الدنيا حتى ينال السعادة في الآخرة، وبالله التوفيق.

ثالثًا: اتباع الرسول عليه السلام:

لقد أكرم الله سبحانه وتعالى هذه الأمة الإسلامية، وأرسل إليها خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وأمر بطاعته، وجعل اتباعه سببًا من أسباب الهداية.

قال الله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] .

وليس ذلك فحسب بل إن الذي يطيع الرسول يطيع الله تعالى.

قال سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] .

والله عز وجل قرن طاعة الرسول بطاعته، وأن في ذلك الفوز العظيم، وهذا في قوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71] .

حتى إن الله جعل القرآن هداية لمن يشاء من عباده، وأثبت الهداية للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .

واتباعه صلى الله عليه وسلم علامة من علامات حب الله تعالى للعبد، ومغفرة الذنوب، قال سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31] .

والذي يطيع الله والرسول صلى الله عليه وسلم يكون من الذين أنعم الله عليهم {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .

حتى إن أعمال العباد لا تقبل إلا باتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) 92.

وطاعته صلى الله عليه وسلم سبب في دخول الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى، قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) 93.

والحاصل أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه من أسباب الهداية التي فيها محبة الله عز وجل للعبد، وفيها مغفرة الذنوب، وقبول الأعمال، والفوز والفلاح، ودخول الجنة.

رابعًا: الدعاء:

لقد أرشد الحق سبحانه وتعالى عباده إلى طلب الهداية والتوفيق منه جل وعلا وجاء ذلك في أول سورة من سور القرآن الكريم في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] .

قال السعدي: «أي: دلنا وأرشدنا، ووفقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط، واهدنا في الصراط، فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا، فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد، ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك» 94.

والله سبحانه وتعالى أمرنا بطلب الهداية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) 95.

وقد جاء في صحيح مسلم أن الذي يسأل الله عز وجل الهداية يستجيب له، ويعطيه مسألته، قال رسول الله، قال الله تعالى: (فإذا قال العبد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] . قال الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) 96.

ولا بد من طلب الدعاء من الله سبحانه وتعالى من أجل تحقيق هداية التوفيق، والاهتداء والسير على منهج الحق والعدل، والالتزام بطريق الاستقامة، والنجاة في الدنيا والآخرة.

وسؤال الهداية فيه التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث إنه قال: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) 97.

وقد أرشدنا الله تعالى إلى طلب الهداية منه؛ ليكون عونًا لنا، وينصرنا على أهوائنا، وشهواتنا بعد أن نبذل ما نستطيع من الجهد في معرفة أحكام الشريعة، ونكلف أنفسنا الجري على سننها؛ لنحصل على خيري الدنيا والآخرة 98.

والمسلم عليه إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، والاستعانة، والدعاء، والإرشاد، وطلب العون للوصول إلى الهداية، وإلى الدين الحق، والصراط المستقيم 99.

والذين آمنوا يدعون الله عز وجل، ويسألونه الهداية، فإذا أعطوها دعوا ربهم عز وجل أن يثبتهم عليها، ويسلمهم من الزيغ والضلال، قال سبحانه: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] .

ويتبين من الأدلة السابقة أن الدعاء سبب من أسباب الهداية، فلا بد من طلبها، وسؤال الله تعالى الثبات على الهداية التي تنجي صاحبها من الزيغ والضلال، والسلامة لا يعدلها شيء.

خامسًا: الجهاد:

لقد شرع الجهاد في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَمِيَّةً، ويقاتل رياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) 100.

قال النووي في شرح هذا الحديث: «فيه بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل الله يختصُّ بمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا» 101.

ومن فضائل الجهاد في سبيل الله أنه سبب في الهداية، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] .

قال ابن عطية في تفسير الآية: «والذين جاهدوا في الهجرة لنهدينهم سبل الثبوت على الإيمان،

والسبل هاهنا يحتمل أن تكون طرق الجنة ومسالكها، ويحتمل أن تكون سبل الأعمال المؤدية إلى الجنة والعقائد النيرة» 102.

قيل: إن معنى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} : أي: من جاهد في الطاعة هداه سبل الجنة. وقيل: نظروا في دلائلنا ليحصل فيهم العلم بنا 103، والمعنى: نبصرهم سبلنا، أي: طرقنا في الدنيا والآخرة 104.

وقال الشوكاني «أي: جاهدوا في شأن الله لطلب مرضاته، ورجاء ما عنده من الخير {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} : أي: الطريق الموصل إلينا» 105.

وقيل: الذين جاهدوا فينا بالثبات على الإيمان لنهدينهم إلى ما لم يعلموا 106، وقيل: لنهدينهم سبل السير إلينا، والوصول إلى جنابنا، أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير 107.

وقال ابن عطية: «وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته» 108، وهذا يدل على أن الجهاد في الآية لا يقتصر على القتال.

وقال القرطبي: «قال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وعِظَمُهُ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وهو الجهاد الأكبر» 109.

وهذا يعني أن الذين جاهدوا وثبتوا على الإيمان سيهديهم الله تعالى سبل السير إليه، أي: إن المجاهد سيهتدي إلى سبيل كل خير، ومن ذلك الهداية ودخول الجنة، قال سبحانه: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 4 - 6] .

وجاء في سورة الفتح ما يدل على أن الجهاد سبب من الأسباب المؤدية إلى الهداية.

وهذه الهداية للذين جاهدوا سواء قتلوا، أو لم يقتلوا، والدليل قراءة: (قاتلوا) بزيادة ألف بعد القاف، وتاء مفتوحة، وهي قراءة سبعية متواترة 110.

والفتح المبين لمكة المكرمة، ولغيرها من البلاد كان بالجهاد، وذكر الله تعالى من فضائله: أن فيه المغفرة، وإتمام النعمة، وأنه من أسباب الهداية، والنصر العزيز، قال الله عز وجل: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: 1 - 3] .

أي: إن الله تعالى أتم النعمة بإعلاء الدين، وانتشار الإسلام، وفتوح البلاد شرقًا وغربًا، ورفع شأن النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وليرشده إلى الطريق القويم بما يشرعه له من الشرع العظيم، ويثبته على الهدى، ولينصره الله على أعدائه نصرًا غالبًا منيعًا، لا يتبعه ذلٌّ، أو هو عزيز المنال فريد المثال 111.

من خلال ما سبق يظهر أن الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا سبب من الأسباب المؤدية إلى سبل الخير، ومنها الهداية، ودخول الجنة.

سادسًا: الاقتداء بأهل الهدى:

لقد دعا الإسلام للاقتداء بأهل الإيمان والصلاح والتقوى، والله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء قبله، وجعل في ذلك الهداية.

قال الله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} 112 [الأنعام: 90] .

قال الثعالبي في تفسير هذه الآية: «الظاهر في الإشارة {أُولَئِكَ} إلى المذكورين قبل من الأنبياء، ومن معهم من المؤمنين المهديين، ومعنى الاقتداء: اتباع الأثر في القول، والفعل، والسيرة، وإنما يصح اقتداؤه صلى الله عليه وسلم بجمعيهم في العقود والإيمان، والتوحيد الذي ليس بينهم فيه اختلاف، وأما أعمال الشرائع فمختلفة، وقد قال عز و جل: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] .

وأعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو وغيره مخاطب بشرع من قبله في العقود والإيمان والتوحيد، فإن آدم عليه السلام فمن بعده دعا إلى توحيد الله عز وجل دعاء عامًّا» 113.

وقد دل قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} على إبطال الشرك، وإثبات التوحيد، كما دل قوله: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} على وجوب اتباع هدي الأنبياء المشترك، وهو أصل التوحيد، وعبادة الله، والفضائل والأخلاق الشريفة، وجميع الصفات الحميدة، واحتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الله أمره بأن يقتدي بهم بأسرهم 114.

والمعنى أن الله تعالى يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء، والسير على طريقتهم في الإيمان بالله، وتوحيده، والأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية، والصفات الرفيعة 115.

وقال الشوكاني في معنى الآية: «إن الإشارة إلى الأنبياء المذكورين لا إلى المهاجرين والأنصار؛ إذ لا يصح أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم، وتقديم {فَبِهُدَاهُمُ} على الفعل يفيد تخصيص هداهم بالاقتداء، والاقتداء طلب موافقة الغير في فعله، وقيل: المعنى: اصبر كما صبروا، وقيل: اقتد بهم في التوحيد، وإن كانت جزئيات الشرائع مختلفة، وفيها دلالة على أنه مأمور بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء» 116.

وقال الألوسي في معنى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} ، أي: «هديناهم إلى الحق والصراط المستقيم والالتفات إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الهداية، وحفظ المهدي إليه اعتمادًا على غاية ظهوره {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ، أي: اجعل هداهم منفردًا بالاقتداء، واجعل الاقتداء مقصورًا عليه، والمراد بهداهم عند جمع طريقهم في الإيمان بالله تعالى، وتوحيده، وأصول الدين» 117.

ويتضح من ذلك أن الله تعالى ذكر الأنبياء، وأمر النبي أن يقتدي بهم، وأمره صلى الله عليه وسلم أمر لنا؛ لأنه قدوتنا؛ ولأن الله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] 118.

والله سبحانه وتعالى أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) } [الأعراف: 158] .

هذا أمر من الله تعالى بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، وصبره ومصابرته، ومجاهدته وانتظار الفرج من ربه عز وجل، والمعنى: لقد كان لكم أيها المؤمنون قدوة صالحة، ومثل أعلى يحتذى به، فهلا اقتديتم، وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم، فهو مثل أعلى يقتدى به، إذا كنتم تريدون ثواب الله وفضله، وتخشون الله وحسابه فعليكم باتباعه صلى الله عليه وسلم؛ لأن في ذلك الهداية 119.

ومما سبق يتضح وجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة الكرام، وأهل العلم، والصالحين من هذه الأمة، وأن ذلك من أسباب الهداية، وجاء في أبواب الحديث باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقيل: يا رسول الله: وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد، فقال: عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًّا، وسترون من بعدي اختلافًا شديدًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة) 120.

وخلاصة القول: إن الاقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، والاهتداء بهديهم سبب من الأسباب التي تحقق الهداية التي يسعى العبد للوصول إليها.

سابعًا: التفكر في الكون:

إن في خلق السموات والأرض، وما بث الله سبحانه وتعالى فيهما من الآيات الكونية، والمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار تدلُّ على وجود الله تعالى، وتوحيده، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، ولم يخلق الله ذلك إلا لحكمة، ومصلحة للإنسان، وقد ورد في القرآن الكريم الكثير من الآيات الكونية، مثل: رفع السماء بغير عمد، ومد الأرض، وجعل الجبال الرواسي فيها، وتسخير الشمس والقمر، وما فيهما من فوائد، وهذه الآيات، وغيرها فيها علامات قاطعة على أن الله تبارك وتعالى خالقها، وهو الرب المعبود وحده، وفي معرفة ذلك هداية الإنسان، وصلاح أموره في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 2 - 3] .

لقد ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيتين السابقتين من الآيات الكونية ما يدعو الإنسان للتدبر، والتفكر، واليقين حتى يميز الحق من الباطل، وأن الذي يتفكر في هذه المخلوقات يعلم أن الله عز وجل خالقها، ولا يكون ذلك إلا من أصحاب العقول السليمة التي لا تحيد عن الحق، قال الله سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:190 - 191] .

وهذه الآيات الكونية، وغيرها فيها الهداية، قال الله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 15 - 16] .

والمعنى: أن ما على سطح الأرض من المخلوقات العظيمة التي في وجودها لطف، وهداية للإنسان، وهذه المخلوقات لما كانت مجعولة كالتكملة للأرض، وموضوعة على ظاهر سطحها عبر عن خلقها، ووصفها بالإلقاء الذي هو رمي شيء على الأرض، ولعل خلقها كان متأخرًا عن خلق الأرض، إذ لعل الجبال انبثقت باضطرابات أرضية كالزلزال العظيم، ثم حدثت الأنهار بتهاطل الأمطار، وأما السبل والعلامات فتأخر وجودها ظاهر، فصار خلق الأرض، والرواسي، والأنهار، والسبل شبيهًا بإلقاء شيء في شيء بعد تمامه، والعلامات: الأمارات التي ألهم الله الناس أن يضعوها أو يتعارفوها لتكون دلالة على المسافات، والمسالك المأمونة في البر والبحر فتتبعها السابلة.

والله سبحانه وتعالى هدى الإنسان بالنجم، وهذه منة بالاهتداء في الليل؛ لأن السبيل والعلامات إنما تهدي في النهار، وقد يضطر السالك إلى السير ليلًا؛ فمواقع النجوم علامات لاهتداء الناس السائرين ليلًا تعرف بها السموات، وأخصُّ من يهتدي بها البحارة؛ لأنهم لا يستطيعون الإرساء في كل ليلة فهم مضطرون إلى السير ليلًا، وهي هداية عظيمة في وقت ارتباك الطريق على السائر، والمقصود بذلك النجوم التي تعارفها الناس للاهتداء كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97] 121.

والله سبحانه وتعالى ألقى في الأرض الجبال العظام؛ لأجل عباده؛ لئلا تميد بهم، وتضطرب بالخلق فيتمكنون من حرث الأرض، والبناء، والسير عليها، ومن رحمته تعالى أن جعل فيها أنهارًا على وجه الأرض يسوقها من أرض بعيدة إلى أرض مضطرة إليها؛ لسقيهم وسقي مواشيهم وحروثهم، وجعل أيضًا أنهارًا في بطنها يستخرجون الماء منها بحفرها بما سخر الله لهم من الأدوات، والآلات، ونحوها، ومن رحمته أن جعل في الأرض سبلًا، أي: طرقًا توصل إلى الديار المتنائية، حتى إنك تجد أرضًا مشتبكة بالجبال مسلسلة فيها، وقد جعل الله فيما بينها منافذ ومسالك للسالكين، وهذا كله من لطف الله، وهدايته 122.

ثانيًا: الظلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت