إن إبراهيم عليه السلام لما دعا قومه إلى توحيد الله عز وجل، وإفراده بالعبادة دون ما كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان، فقابلوا هذه الدعوة بالسخرية والاستهزاء؛ بل هموا بقتله وحرقه، فلما ألقوه في النار نجاه الله تعالى منها، وما زال قومه مستمرين في عنادهم وغيهم وضلالهم، ولم يؤمن معه إلا لوط عليه السلام.
فقال تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) } [العنكبوت:26] .
ثم قرر إبراهيم عليه السلام ترك هذه الأرض السوء التي عليها قومه، وأن يهاجر إلى الأرض المباركة في الشام، وعلل هجرته بقوله: {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، أي إنه سبحانه وتعالى العزيز القادر على هدايتهم، والحكيم بتدبير شؤون خلقه.
وعليه فإن العزة التي كان يتمتع بها إبراهيم عليه السلام جعلته يثبت على الحق الذي آتاه الله تعالى إياه، فلم يجزع لما لاقاه من قومه في طريق دعوتهم إلى الحق؛ بل صبر وتحمل في سبيل الله تعالى الكثير والكثير، ومع ذلك لم يذكر الله تعالى لنا أنه دعا على قومه، ولم يذكر أيضًا أنه تعالى أهلك قومه بعذاب مستأصل كبقية الأقوام السابقة التي أهلكها الله تعالى بالاستئصال، ولكنه تعالى ذكر اعتزال إبراهيم عليه السلام لقومه، وهجرته من بين أظهرهم ثابتًا على الحق، صابرًا لما لاقاه من أذى قومه له، ولما سيلاقيه من شدائد بعد ذلك.
3.التمسك بهدايات القرآن الكريم والسنة النبوية.
إن الله تعالى ذكر حال المهتدين الموفقين من عباده، وهم أهل العلم، فقال عز وجل فيهم: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) } [سبأ:6] .
فإنهم يرون فيما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم، وما اشتمل عليه من الأخبار أنه الحق، وما سواه مما خالفه أو ناقضه فهو باطل، كما أنهم يرون في أوامره ونواهيه أنه يهدي إلى صراط العزيز الحميد، قال السعدي: «وذلك أنهم جزموا بصدق ما أخبر به من وجوه كثيرة ويرون في الأوامر والنواهي، أنها تهدي إلى الصراط المستقيم، المتضمن للأمر بكل صفة تزكي النفس، وتنمي الأجر، وتفيد العامل وغيره، كالصدق والإخلاص وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى عموم الخلق، ونحو ذلك. وتنهى عن كل صفة قبيحة، تدنس النفس، وتحبط الأجر، وتوجب الإثم والوزر، من الشرك، والزنا، والربا، والظلم في الدماء والأموال، والأعراض.
وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة، وعلامة لهم، وأنه كلما كان العبد أعظم علمًا وتصديقًا بأخبار ما جاء به الرسول، وأعظم معرفة بحكم أوامره ونواهيه، كان من أهل العلم الذين جعلهم الله حجة على ما جاء به الرسول، احتج الله بهم على المكذبين المعاندين» 84.
وعليه فإن العزة التي يتمتع بها المؤمنون جعلتهم يزيدون تمسكًا بهدايات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
4.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.
ذكر الله تعالى أن العزة التي يتمتع بها المؤمنون في الدنيا جعلتهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون فيه لومة لائم.
فقال سبحانه وتعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) } [التوبة:71] .
والمعروف هو اسم جامع لكل ما عرف حسنه من برٍ وخير، من العقيدة الحسنة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، وإن أول ما يأمرون به أنفسهم، والمنكر هو كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة المزيفة، والأعمال الخبيثة والأخلاق الرذيلة، كما أنهم يطيعون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يزالون ملازمين لطاعة الله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم على الدوام 85.
قال سيد قطب عن طبيعة المؤمنين أنهم «يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض، فلا يكون لهم هوى غير أمر الله وأمر رسوله، ولا يكون لهم دستور إلا شريعة الله ورسوله، ولا يكون لهم منهج إلا دين الله ورسوله، ولا يكون لهم الخيرة إذا قضى الله ورسوله، وبذلك يوحدون نهجهم ويوحدون هدفهم ويوحدون طريقتهم، فلا تتفرق بهم السبل عن الطريق الواحد الواصل المستقيم» 86.
ويقول الله تعالى عنهم في موضع آخر:. {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) } [الحج:40 - 41] .
ومن آثار هذه العزة في الدنيا أيضًا الجهاد في سبيل الله عز وجل حيث قال تعالى عنهم: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) } [الحديد:25] .
فإن من جملة ما أنعم الله تعالى به على عباده خلقه الحديد، إذ علم الله تعالى الناس صنعته، وجعله رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد أن أقام عليه الحجة، كما أن فيه منافع للناس في كثير من أمور حياتهم، ومنها صناعة أدوات الحرب من آلات وأسلحة وغير ذلك؛ لتكون قوة رادعة يستخدمها المسلمون في تنفيذ أحكام الشريعة فيما بينهم، ولجهاد الأعداء الذين يعتدون على حرمات الدين والبلاد، ويعرقلون انتشار الإسلام على وجه الأرض.
قال الزحيلي: «إنما فعل الله ذلك ليعلم علم مشاهدة ووجود من ينصر دينه وينصر رسله بإخلاص ونية صالحة، باستعمال الحديد، في أسلحة الجهاد ومقاومة الأعداء، إن الله قوي قادر عزيز قاهر غالب، يستطيع دفع عدوان الظالمين، وينصر رسله والمؤمنين من غير حاجة إليهم، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به وبثوابه، ويحققوا لأنفسهم العزة والمنعة والهيبة في قلوب الناس، فإن حماية القيم والمبادئ تحتاج دائما إلى حماة أشداء، ذوي بأس وإباء» 87.
وقد ورد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم) 88.
ويفهم من هذا أن العزة والكرامة جعلت لمن اتبع أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وسار على هداه، واقتفى أثره، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وجاهد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة التوحيد.
تظهر آثار العزة المحمودة في الآخرة من خلال النقاط الآتية:
1.مغفرة الذنوب.
يقول الله عز وجل: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) } [الفتح:5] .
وهذه الآية ضمن مجموعة من الآيات التي تتحدث عن صلح الحديبية، وقد سماه الله تعالى فتحًا مبينًا، فهو سبحانه قد فتح على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بهذا الفتح العظيم؛ ليشكروه بالطاعة والجهاد والصبر، وقد أتم الله تعالى لهم ذلك؛ ليدخلهم الجنة، ويغفر لهم ذنوبهم، ويكفر عنهم سيئاتهم، فيفوزوا بهذا الفوز العظيم 89.
2.استحقاق رضوان الله تعالى.
يقول الله عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) } [التوبة:71 - 72] .
فهؤلاء المؤمنون الذين يتصفون بالعزة المحمودة، ويتصفون بالأوصاف الواردة في الآية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فأولئك يستحقون الرحمة من الله تعالى، كما أنه عز وجل وعدهم -ووعده حق منجز لا محالة- بجنات تجري من تحتها الأنهار، ومنازل يسكنونها من الدر والياقوت، كما أنهم يستحقون رضوان الله تعالى، فرضوانٌ يسيرٌ منه عز وجل أكبر من كل الذي أعطاهم إياهم من نعم في الآخرة، فذلك هو الفوز العظيم 90.
فلذلك أتى بكلمة «رضوان» نكرة؛ ليبين أن القليل من رضوان الله تعالى أفضل وأعظم من كل ما منحهم من نعيم وملذات، وبذلك يكون المؤمنون قد استحقوا هذا الرضوان فمنحهم الله تعالى إياه في الآخرة.
3.جنات الخلد والنعيم المقيم.
يقول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) } [لقمان:8 - 9] .
فذكر الله تعالى نعيم المؤمنين في الآخرة، حيث أعد لهم جنات النعيم الخالد الدائم الذي لا ينتهي، فهذا وعد الله جل جلاله النافذ لا محالة، وكان قد وعدهم به في الدنيا، وها هو سبحانه في الآخرة ينفذ لهم ما وعد به، فهو العزيز الحكيم كامل القدرة يعذب المعرض، ويثيب المقبل، كامل العلم، يفعل الأفعال كما ينبغي، فلا يعذب من يؤمن، ولا يثيب من كفر، فهو حكيم يضع الفعل المناسب اللائق في مكانه المناسب 91.
وهكذا تظهر آثار العزة المحمودة في الآخرة من مغفرة الذنوب، واستحقاق رضوان الله تعالى، والفوز بجنات الخلد والنعيم المقيم.
ثالثًا: عواقب العزة المذمومة في الدنيا:
تتجلى عواقب العزة المذمومة في القرآن الكريم من خلال النقاط الآتية:
1.اتباع الهوى والشهوات.
يقول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) } [البقرة:208 - 209] .
وهذه الآية نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، فأمرهم الله تعالى أن يؤمنوا كذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويدخلوا في دين الإسلام، ونهاهم عن السير في الطريق الذي يدعوهم إليه الشيطان؛ لأنه عدوٌ مبينٌ ظاهر العداوة، ثم توعدهم الله تعالى بأنهم إن تنحوا عن طريق الحق والاستقامة من بعد ما جاءتهم الآيات من التعريف بمحمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم، فإن الله تعالى عزيز لا يمتنع عليه ما يريده من إنزال العقوبة بهم، وحكيم فيما يفعله.
وقد يكون هذا الخطاب موجهًا إلى المؤمنين أيضًا، ويكون المعنى: أن الله تعالى يأمرهم بالتمسك بالإسلام، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، ويحذرهم من تتبع خطوات الشيطان، فعداوته لهم ظاهرة وواضحة، ثم توعدهم بأنهم إن تنحوا عن طريق الاستقامة من بعد ما جاءتهم المعجزات وآيات القرآن الكريم، فإن الله تعالى عزيز لا يمتنع عليه ما يريده من إنزال العقوبة لهم في الدنيا والآخرة، وحكيم فيما يفعل 92.
وذكر القرطبي أن الآية فيها دليلٌ على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به 93.
وعليه فإن من كانت عزته لغير الله تعالى، فعزته مذمومة ينتج عنها أنه سوف يكون عرضةً لاتباع الهوى والشيطان.
2.الفرقة والتنازع والفشل.
ذكرنا فيما سبق أن من دوافع عزة الكفار الكبر والعناد والاستعلاء على الحق رغم معرفتهم به وتأكدهم منه، فلما اجتمعوا على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لقتالهم في غزوة الأحزاب، فوجئوا بأمر لم تعهده العرب من قبل في الحروب، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد حفروا خندقًا، واستعانوا بالمنافقين واليهود على حرب المؤمنين، فعسكروا حول الخندق يحاصرون المسلمين، ولم يحدث بينهما قتال، فهزم الله تعالى جموع المشركين بوسيلتين لا دخل للمسلمين فيهما، وهما:
الأولى: عندما أتى نعيم بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه بين يديه، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنما أنت رجل واحد فينا، ولكن خذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة، فخرج نعيم، وأوقع العداوة والبغضاء بين المشركين واليهود، فصار كل منهما يظن بالآخر سوءًا، فتألب بعضهم على بعض، وأصبح كل منهما يتهم الآخر بالغدر والخيانة، واختفت بينهم الثقة، فأشار أبو سفيان قائد المشركين على جيشه بالانسحاب.
الثانية: الريح الهوجاء التي أرسلها الله تعالى على المشركين فاقتلعت خيامهم، وقلبت قدورهم، وذلك بعد بضعة عشر يومًا من المحاصرة التي ضربها المشركون على المسلمين 94.
فرد الله تعالى الكفار من قريش واليهود بغيظهم، ولم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا من هذه الحرب، وكفى الله عز وجل المؤمنين في هذه الحرب، وأمدهم بنصر من عنده عز وجل بالملائكة والريح، وكان الله تعالى قويًا في ملكه، عزيزًا في انتقامه من الأحزاب 95.
فقال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) } [الأحزاب:25] .
فالعزة والأنفة التي كان يتمتع بها المشركون استكبارًا وعنادًا عن قبول الحق قادت بهم إلى الفرقة والنزاع والفشل.
رابعًا: عواقب العزة المذمومة في الآخرة:
تبرز أهم عواقب العزة المذمومة في الآخرة من خلال ما يأتي:
1.استحقاق غضب الله.
يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) } [القمر:41 - 42] .
فإن الله عز وجل يقسم أنه أنذر فرعون وقومه، حيث أرسل لهم موسى عليه السلام، وأيده بالمعجزات المادية التسعة المعروفة الدالة على صدق رسالته ونبوته، ومع ذلك كذبوا وأنكروا هذه الآيات، وكذبوا الرسول الذي أرسله الله تعالى من عنده عز وجل المستحق وحده أن يفرد بالعبادة دون غيره، فأغرقهم الله تعالى في البحر، ثم أدخلهم النار، فهو العزيز الغالب الذي لا يغلب، مقتدر على الانتقام، ولا يعجزه ما أراد، كما لا يمنعه شيء عما أراد 96.
ففرعون وقومه لما كذبوا نبيهم موسى عليه السلام والآيات التي أيده الله تعالى بها، استحقوا بذلك غضب الله تعالى عليهم، فأهلكهم في الدنيا، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما أنه تعالى سوف يدخلهم النار في الآخرة.
2.العذاب الشديد.
يقول الله عز وجل: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) } [آل عمران:3 - 4] .
فالله سبحانه وتعالى أنزل القرآن والتوراة والإنجيل لإخراج الناس مما هم عليه من ضلال، فَمَنْ قَبِلَ هدى الله تعالى فهو المهتدي، ومن لم يقبل بقي على غيه وضلاله، كما أنه سبحانه أنزل الحجج والبراهين القاطعات الدالة على جميع المقاصد، وفسر كل ما يحتاج إليه الخلق، فأصبحت الأحكام من شدة الظهور والوضوح ما لا يقوى أحد على ردها إلا عنادًا واستكبارًا، وهذا ما فعله المشركون إذ لم يبق لهم عذر ولا حجة على عدم إيمانهم.
ولهذا توعد الله عز وجل الذين كفروا-بعدما بين الآيات ووضحها، فلم يبق عليها لبس أو إشكال-بالعذاب الشديد الذي لا يقدر قدره، ولا يدرك وصفه، فهو سبحانه قوي لا يعجزه شيء، وهو ذو انتقام ممن عصاه 97.
3.الخلود في نار جهنم.
يقول الله جل جلاله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) } [النساء:56] .
فالله تعالى قد أعد لمن جحد آياته التي أيد بها أنبياءه ورسله نارًا مستعرة تشويهم وتحرق أجسامهم إلى درجة تفقدها الحس والإدراك، وكلما وصلت إلى هذه المرحلة بدلهم الله تعالى جلودًا حية غيرها؛ ليحسوا بالعذاب ويشعروا بالألم، فيستمر الألم بلا انقطاع، ويذوقوا العذاب الأليم 98، فهو سبحانه له العزة التي تتأتى بها تمام القدرة في عقاب المجترئين على الله عز وجل، وله الحكمة التي تتأتى بها الكيفية في إصلائهم النار 99.
4.الخوف والتخاذل والانهيار عند الشدائد.
أخبر الله تعالى أن المشركين اتخذوا الأصنام والأوثان لتعزهم وتقويهم وتنصرهم وتمدهم بالمال والولد والنعم في الدنيا، ولتكون لهم منعةً من عذاب الله تعالى في الآخرة، فقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) } [مريم:81] .
فرد الله تعالى عليهم بقوله: {كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) } [مريم:82] .
أي: لن تكون لهم هذه الأصنام منعة في الآخرة؛ بل إن هذه الآلهة نفسها التي كانوا يعبدونها في الدنيا ستجحد عبادتهم لها في الآخرة، وستكون عونًا عليهم في العذاب، فهؤلاء المشركون عبدوا الآلهة لتكون عزًّا لهم في الآخرة، فصارت عونًا عليهم في العذاب، فوجدوا عكس ما طلبوا 100.
هذا وقد أكد الله تعالى في موضع آخر على سبب اتخاذهم الأصنام آلهة من دونه عز وجل لأجل أن تكون مودة بينهم في الحياة الدنيا، وليست مودة تدوم؛ بل ستصير يوم القيامة عداوةً وبغضًا لهم، فقال: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) } [العنكبوت:25] .
ومعلومٌ أنه في يوم القيامة سيتبرأ المتبوع من الأتباع، وكذلك الأصنام ستتبرأ منهم، وستكفرهم وتلعنهم، وحينئذٍ يكون مصير الكل ومأواه النار، وما لهم من ناصر ينصرهم من عذاب الله عز وجل، أو يدفع عنهم العذاب 101.
وهكذا يكون في هذا اليوم العصيب، حيث يظن المشركون أنهم سيجدون من ينصرهم من عذاب الله تعالى، فيعتريهم الخوف الشديد، فَيُفَاجَؤوا بتبرؤ الآلهة منهم وخذلانها لهم، فيصيبهم الانهيار الشديد.
ونخلص من هذا إلى أن العزة المذمومة قادت أصحابها إلى أمورٍ لا تحمد عقباها في الآخرة من استحقاقهم لغضب الله عز وجل، والعذاب الشديد المؤلم، بالإضافة إلى خلودهم في النار أبد الآبدين.
موضوعات ذات صلة:
الاستكبار، التواضع، الذل، الغرور
1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 41، لسان العرب، ابن منظور 5/ 374.
2 المفردات ص 563.
3 مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص 203.
4 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/ 129.
5 العزة مصادرها، أسبابها، مواقف وأحداث ص 5.
6 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الظاء، ص 762 - 764.