أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس رحمه الله في مادة «عبد» : «العين والباء والدال أصلان صحيحان، كأنهما متضادان، فالأول يدل على لين وذل، والآخر على شدة وغلظ» 1.
وقال ابن سيده: «أصل العبادة في اللغة: التذليل، من قولهم: «طريق معبد» أي: مذلل، ومنه أخذ «العبد» لذلته لمولاه، والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع والبصر» 2.
وقال الأزهري: ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع» 3.
وقد استخلص ابن عاشور من كلام أهل اللغة معنى العبادة فقال: «إنها إظهار الخضوع للمعبود، واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضره ملكًا ذاتيًا مستمرًا، فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون: {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون:47] » 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تعريف العبادة: «والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة» 5.
وقال ابن كثير رحمه الله: «والعبادة في الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف» 6؛ لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب، والانقياد له، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له 7.
وقال ابن عاشور: «والعبادة في الشرع تعرف بأنها فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال واجتناب، أو هي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه» 8، فصارت في الشرع اسمًا لكل طاعة لله، أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم 9.
وقال الرازي: «العبادة تعظيم أمر الله والشفقة على الخلق، وهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه الشرائع وإن اختلفوا في الوضع والهيئة والقلة والكثرة» 10.
فهي بهذا التفسير تشمل الامتثال لأحكام الشريعة كلها 11، فهي في مفهومها العام تعني: «التذلل لله محبة وتعظيمًا، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، على الوجه الذي جاءت به شرائعه» 12.
وتعريف شيخ الاسلام ابن تيمية أدق وأشمل، فالدين كله داخل في العبادة، ومن خلال تعريف العلماء للعبادة في الاصطلاح الشرعي تبين أن لفظ العبادة يدور حول معنى الذل التام والخشوع الكامل لله تعالى، والالتزام بما شرعه، والانتهاء عما نهى عنه تعالى، والتمسك بكل ما يرضى الله تعالى، قولًا وعملًا وتركًا، وكل هذه التعريفات للعبادة معناها واحد ولا تختلف عن المعنى اللغوي.
وردت مادة (عبد) في القرآن الكريم (275) مرة 13.
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 5 ... {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [النحل:35]
الفعل المضارع ... 81 ... {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [الأعراف:70]
فعل الأمر ... 37 ... {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [الأعراف:70]
اسم فاعل ... 12 ... {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) } [الكافرون:4]
اسم (مفرد، مثنى، جمع) ... 131 ... {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) } [سبأ:9]
مصدر ... 9 ... {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) } [الكهف:110]
وجاءت (العبادة) في الاستعمال القرآني على وجهين 14:
أحدهما: التوحيد: ومنه قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء:36] أي: وحدوه.
الثاني: الطاعة: ومنه قوله تعالى: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس:60] أي: أن لا تعبدوا الشيطان فتطيعوه في معصية الله 15.
الطاعة:
الطاعة لغةً:
من طوع بمعنى الانقياد 16.
الطاعة اصطلاحًا:
امتثال أمر الله طوعًا 17.
الصلة بين الطاعة والعبادة:
قال الكفوي: «والطاعة أعم من العبادة؛ لأن العبادة غلب استعمالها في تعظيم الله غاية التعظيم، والطاعة تستعمل لموافقة أمر الله وأمر غيره، وتجوز الطاعة لغير الله في غير المعصية، ولا تجوز العبادة لغير الله تعالى» 18.
النسك:
النسك لغة:
قال الراغب: «النسك: العبادة، واختص بأعمال الحج» 19.
وقال الزبيدي: «والنسك: العبادة والطاعة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، ومنه قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) } [الأنعام:162] 20.
النسك اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين النسك والعبادة:
جاءت لفظة النسك في القرآن الكريم بمعنى العبادة مطلقًا، كما جاءت بمعنى الذبائح التي يتقرب بها إلى الله سبحانه، وشعائر الحج، والأماكن التي تؤدى بها شعائر الحج، و «الموضع» الذي تقدم به الذبائح تقربًا إلى الله تعالى.
أولًا: حكمة اقتران العبادة بالاستعانة:
ذكر أهل العلم رحمهم الله تعالى الحكمة من اقتران العبادة بالاستعانة، وتقديم العبادة على الاستعانة، وذلك في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة:5] .
ومن هذه الحكم ما ذكره أبو حيان حيث قال: «وقرنت الاستعانة بالعبادة للجمع بين ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى، وبين ما يطلبه من جهته» 21؛ وليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله وتوفيقه، ولا ينهض بها إلا بالتوكل عليه، فهو إقرار بالعجز عن حمل هذه الأمانة الثقيلة، إذا لم يعنه الله على ذلك، فالاستعانة بالله علاج لغرور الإنسان وكبريائه، وهما داءان قتالان 22.
ثانيًا: تقديم العبادة على الاستعانة:
ولتقديم العبادة على الاستعانة أسباب عديدة أشار إليها ابن القيم رحمه الله حيث قال: وتقديم العبادة على الاستعانة لما يلي:
1.العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، فكان ذلك من قبيل تقديم الغايات على الوسائل.
2.قوله: (إِيَّاكَ. نَعْبُدُ) متعلق بألوهيته سبحانه (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) متعلق بربوبيته.
3.تقديم العبادة على الاستعانة يتناسب مع تقديم اسم «الله» على لفظ «الرب» المذكورين في أول السورة، حيث إن (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قسم الرب، فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قسم العبد فكان من الشطر الذي له وهو (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) إلى آخر السورة.
4.العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله عبودية تامة مستعين، ولا ينعكس الأمر؛ لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم؛ ولهذا كان قسم الرب.
5.الاستعانة جزء من العبادة من غير عكس فقدم الكل على الجزء.
6.العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص، ومن غير مخلص.
7.العبادة حق الله الذي أوجبه على العبد والاستعانة طلب العون على العبادة؛ فكان حق الله أولى بالتقديم.
8.العبادة شكر لنعمته عليك، والله يحب أن يشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك، فإن التزمت عبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة له من الله أعظم.
9.قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لله، (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) به، والذي له مقدم على ما به؛ لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه والذي يكون به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) على (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) 23.
وتضمنت هذه الآية إثبات مذهب أهل السنة والجماعة في القدر، وأن جميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وأن العبد فاعل حقيقة، ليس مجبورًا على أفعاله، فلولا أن مشيئة العبد مضطر فيها إلى إعانة ربه وتوفيقه لم يسأل الاستعانة 24.
فائدة:
قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل، وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود:123] .
وقال تعالى: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الملك:29] .
وقال تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) } [المزمل:9] 25.
للعبادة معانٍ بحسب ما يتعلق بها، فالعبادة من حيث تعلقها بعموم الخلق وخصوصهم تنقسم إلى نوعين:
أولًا: عبادة عامة:
وهي عبودية أهل السماوات والأرض، قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) } [مريم:93] .
قال ابن القيم: «فالعبودية العامة: عبودية أهل السماوات والأرض كلهم لله، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، فهذه عبودية القهر والملك، ويدخل فيه مؤمنهم وكافرهم» 26.
وتسمى كذلك بالعبادة الكونية.
قال ابن عثيمين: «فالعبادة الكونية: وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني، وهذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد، فهي شاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاجر» 27.
فكل من في السماوات والأرض فهو خاضع لله سبحانه وتعالى كونا فلا يمكن أبدًا أن يضاد الله أو يعارضه فيما أراد سبحانه وتعالى بالإرادة الكونية، والعابدون بالعبودية الكونية لا يثابون عليها؛ لأنهم خاضعون لله تعالى شاؤوا أم أبوا، فالإنسان يمرض، ويفقر، ويفقد محبوبه من غير أن يكون مريدًا لذلك بل هو كاره لذلك لكن هذا خضوع لله عز وجل خضوعًا كونيًا 28، فالخلق كلهم عبيد ربوبيته.
وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:
فالأول: إما منكرًا، كقوله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) } [مريم:93] .
والثاني: معرفًا باللام، كقوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر:31] .
وكقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} [غافر:48] .
الثالث: مقيدًا بالإشارة أو نحوها، كقوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ} [الفرقان:17] .
الرابع: أن يذكروا في عموم عباده، فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر، كقوله تعالى: {أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الزمر:46] .
الخامس: أن يذكروا موصوفين بفعلهم، كقوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر:53] .
وقد يقال: إنما سماهم عباده إذ لم يقنطوا من رحمته، وأنابوا إليه، واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فيكونوا من عبيد الإلهية والطاعة 29.
ثانيًا: عبادة خاصة:
وهي عبودية الطاعة والمحبة، وهي خاصة بالمؤمنين القائمين بأمره سبحانه وتعالى.
قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) } [الفرقان:63] .
قال ابن القيم: «فالعبودية الخاصة: هي عبودية الطاعة والمحبة، واتباع الأوامر.
قال تعالى: {يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) } [الزخرف:68] .
وقال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر:17 - 18] .
وقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) } [الفرقان:63] .
وقال تعالى عن إبليس: {وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) } [الحجر:39 - 40] .
فقال تعالى عنهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42] .
وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته، ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء» 30.
وتسمى كذلك بالعبادة الشرعية.
قال ابن عثيمين: «وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي، وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى، واتبع ما جاءت به الرسل مثل قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63] » 31.
فهي التذلل له سبحانه وتعالى شرعا فهذه خاصة بالمؤمنين بالله سبحانه وتعالى القائمين بأمره، ثم إن منها ما هو خاص أخص كعبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، مثل قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1] .
وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23] .
وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [ص:45] .
وغير ذلك من وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام بالعبودية 32.
أوجد الله سبحانه وتعالى الخلق لغاية سامية، وهي عبادته جل شأنه، فأرسل الرسل وأنزل الكتب، لدعوة الناس إلى عبادته وحده لا شريك له، فالعبادة شرف عظيم، من انتسب إليها أصبح من عباده المتقين.
وقد تحدث القرآن الكريم عن بعض مظاهر مكانة العبادة، نوجزها في النقاط الآتية:
أولًا: العبادة غاية الخلق:
والعبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات:56] .
قال السعدي في هذه الآية: «هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله» 33 وقال ابن كثير: «ومعنى الآية: أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب» 34.
وقال ابن عاشور: «وفي هذه الآية خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خلقوا عليها، فخالفوا سنتها اتباعا لتضليل المضلين، والجن: جنس من المخلوقات مستتر عن أعين الناس، وهو جنس شامل للشياطين، قال تعالى عن إبليس: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف:50] .
والإنس: اسم جمع واحده إنسي بياء النسبة إلى اسم جمعه» 35.
وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشركين بأن الجن غير خارجين عن العبودية لله تعالى، وقد حكى الله عن الجن في سورة الجن قول قائلهم: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) } [الجن:4] .
وتقديم الجن في الذكر في قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن؛ ليعلموا أن الجن عباد لله تعالى، فهو نظير قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) } [الأنبياء:26] 36.
وقال الشوكاني: «ووجه تقديم الجن على الإنس ها هنا تقدم وجودهم» 37.
وفي اختصاص الجن والإنس من بين المخلوقات بالذكر إشارة إلى أنهما هما المخلوقان اللذان لهما إرادة عاملة، وهما بهذه الإرادة يعملان فيؤمنان أو يكفران، ويطيعان أو يعصيان، ومن هنا وقع عليهما التكليف، وحق عليهما الحساب والجزاء، بمقتضى ما يعملان من خير أو شر 38.
ثانيًا: العبادة رسالة الرسل:
فكما أن الله خلق الخلق لعبادته كذلك أرسل الرسل أيضًا لعبادته سبحانه وتعالى.
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36] .
قال الرازي في هذه الآية: «فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت» 39.
وأن شغل الأنبياء منحصر في أمرين: عبادة الله وهداية الخلق 40.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59] .
وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم» 41.
فغايتهم العظمى، ووظيفتهم الكبرى، وهدفهم الأسمى: دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وخلع عبادة ما سواه 42، وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله تعالى 43.
وقال السعدي: «يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولا وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} » 44.
والآية تضمنت التصريح بأن الله أمر جميع عباده بعبادته، واجتناب الشيطان، وكل ما يدعو إلى الضلال على ألسنة الرسل عليهم السلام.
ثالثًا: العبادة تشريف:
فالعبادة ذروة الشرف، ومقام عظيم، حيث جاءت تشريفًا لعباده المرسلين.
قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) } [الصافات:171] .
قال ابن عثيمين: «فوصفهم الله بالعبودية قبل الرسالة مع أن الرسالة شرف عظيم، لكن كونهم عبادًا لله عز وجل أشرف وأعظم، وأشرف وصف له وأحق وصف به» 45.
وقال ابن القيم رحمه الله: «والله تعالى جعل العبودية وصفًا لأكمل خلقه، وأقربهم إليه، فقال تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} [ص:17] .
وقال تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} [ص:41] .
وقال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [ص:45] .
وقال عن سليمان: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:30] .
وقال عن المسيح: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف:59] .
فجعل غايته العبودية لا الإلهية، كما يقول أعداؤه النصارى» 46.
وجاءت كذلك تشريفًا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال ابن كثير رحمه الله: «والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى، كما قال بعضهم:
لا تدعني إلا بيا عبدها
فإنه أشرف أسمائي
وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته، فقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف:1] .
{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن:19] .
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء:1] .
فسماه عبدًا عند إنزاله عليه، وقيامه في الدعوة، وإسرائه به» 47.
وقال ابن عاشور في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} : «و (عبد) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم كما هو مصطلح القرآن والإضافة إضافة تشريف» 48.
وقال سيد قطب في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة:23] : «ويبدأ هذا التحدي بلفتة لها قيمتها في هذا المجال يصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبودية لله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} ولهذا الوصف في هذا الموضع دلالات منوعة متكاملة:
فهو أولًا: تشريف للنبي وتقريب بإضافة عبوديته لله تعالى، دلالة على أن مقام العبودية لله هو أسمى مقام يدعى إليه بشر ويدعى به كذلك.
وهو ثانيًا: تقرير لمعنى العبودية، في مقام دعوة الناس كافة إلى عبادة ربهم وحده، واطراح الأنداد كلها من دونه، فها هو ذا النبي في مقام الوحي -وهو أعلى مقام- يدعى بالعبودية لله، ويشرف بهذه النسبة في هذا المقام» 49.
وقد جاءت تشريفًا للمؤمنين المتقين: