ونظير ذلك من قبيل المناظرة التي تهدف إلى إظهار الحق، وإقامة البرهان على صحته، وهي الطريقة التي يشتمل عليها جدل القرآن في هداية الكافرين وإلزام المعاندين، بخلاف مجادلة أهل الأهواء فإنها منازعة باطلة، قوله عز وجل: (? ? ? ? ? چچ چ چ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 56] .
فهنا أيضًا يجادل الذين كفروا رسلهم بالجدال الباطل، ليزيلوا به الحق الذي جاء به هؤلاء الرسل ويدحضوه ويبطلوه، والله سبحانه وتعالى متم نوره ولو كره الكافرون، فإن الباطل مهما طال فإن مصيره إلى الاضمحلال والزوال 34.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «ويستفاد من الآية أن كل إنسان يجادل من أجل أن يدحض الحق فإن له نصيبًا من هذه الآية، يعني: أن فيه نصيبًا من الكفر والعياذ بالله؛ لأن الكافرين هم الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق» 35.
ثالثًا: حل الخلافات:
الحوار الهادئ مفتاح للقلوب وطريق إلى النفوس الطيبة وسبيل مضمون لحل الخلافات.
قال تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ) [النحل: 125] .
فالحوار المشتمل على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها والتي تساعد في حل المشكلات، ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألد إلى استعمال المعارضة والمناقضة ونحو ذلك من الجدل، ولهذا قال سبحانه وتعالى: (ے ے ? ) [النحل: 125] ، أي: بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة، وإنما أمر الله عز وجل بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقًّا وغرضه صحيحًا، وكان خصمه مبطلًا وغرضه فاسدًا، والغرض الرئيس من ذلك الجدال الحسن هو السير قدمًا نحو الأفضل 36.
فمن ثمرات الحوار تضييق هوة الخلاف، وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حل وسط يرضي الأطراف في زمن كثر فيه التباغض والتناحر.
ومن ضمن المشكلات التي تحل بالحوار من أجل تقارب وجهات النظر ومحاولة إيجاد حلول مرضية المشاكل الزوجة، ولنا في القرآن الكريم أسوة حسنة في الحوار الجاد من أجل إنقاذ بيت الزوجية.
فعن عروة، قال: قالت عائشة رضي الله عنها: (تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت عائشة: فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات(? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [المجادلة: 1] ، قال: وزوجها أوس بن الصامت 37.
نلاحظ هنا:
- «أن المرأة المسلمة وقفت أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم تجادله وتحاوره وتبادله الحجة بالحجة، حتى إن القرآن يستدل في شأنها، ويستجيب الحق لندائها، وتكون قضيتها صدر سورة من كتاب الله خالدة ما بقيت السماوات والأرض» 38.
-بيان لما جبلت عليه المرأة المسلمة من شريف الخلال، ونبيل الخصال، وكريم الأخلاق، فهي في هذه القصة: مؤمنة تقية قوية الإيمان، عظيمة التقوى لله، تمنع نفسها زوجها حتى تعلم حكم الله ورسوله، وتلجأ إلى الله وحده في حرارة ورجاء أمل؛ تسأله أن ينزل تفريج كربها وحل لمشكلتها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم 39.
-وهي فقيهة ذكية الفؤاد تقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل، وتراها وفيّة لزوجها، أمينة على صحبته، حفيظة على حقوق عشرته، وتراها مربية فاضلة تقدر حياة الأسرة قدرها وتحافظ على كيانها، وتعلم أن الأسرة المبتورة لا خير فيها 40.
-هذه الصورة للجدال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تدلّ على حضور الله سبحانه وتعالى مع الناس، وما يصيبهم من مشكلات، وتدلّ على رعايته وتوجيهه لكل حدث في الأرض، صغير أو كبير، وأن تشعر جماعة من الناس أن الله هكذا معها، حاضر شؤونها، جليلها وصغيرها، معنيّ بمشكلاتها اليومية، مستجيب لأزماتها العادية، فالحوار من أمثل الطرق التي تؤدي إلى حل لهذه المشاكل بين الناس 41.
ثم يقرر أصل القضية، وحقيقة الوضع فيها والحل الجذري لمثل هذه المشاكل، فالحوار البناء الهادف هو الذي تنتج عنه الحلول، فكان الحل من رب السموات والأرض.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 3 - 4] .
فهو علاج للقضية من أساسها إن هذا الظهار قائم على غير أصل، فالزوجة ليست أما حتى تكون محرمة كالأم، فالأم هي التي ولدت، ولا يمكن أن تستحيل الزوجة أما بكلمة تقال، إنها كلمة منكرة ينكرها الواقع 42.
ونلاحظ أن الخلافات بين الناس قد لا تحل نهائيًّا ولا تحسم القضية فيها، لكن الحوار على الأقل قد يزيل بعض ما في الصدور، حتى تجمع بين المختلفين على الأقل ليخف شيء من الشحناء إذن قد تكون غاية الحوار ليست بالضرورة أن تصل إلى ما تريد في هذه المرحلة، إنما تكون الغاية إيجاد حل وسط يرضي الأطراف، فأحيانًا يكون مقصود المحاور التعرف على وجهات نظر الأطراف الأخرى.
أما وقوع الخلاف بين الناس فقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى أن الخلاف موجود، كما أن الله جعل الناس مختلفين في صورهم ومختلفين في أشكالهم؛ قال جل جلاله: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم:22] .
نبه سبحانه وتعالى على خلق السماوات والأرض واختلاف اللغات والألوان واختلاف ضروب بني آدم وأنواعهم 43.
هذا الاختلاف الخلقي يترتب عليه اختلاف في الرؤى، واختلاف في التصورات، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في مقام آخر: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود:118 - 119] ، فالخلاف موجود، ولا يمكن أن تنفك الدنيا عن الخلاف، ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون الناس جماعة واحدة في دينها وتقواها واتزان عقولها، بحيث لا يقع من أحد منهم كفر ولا إفساد، لو أراد الله عز وجل ذلك لوقع، ولكنه لم ولا يزال الناس مختلفين، بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، بعضهم يستعمل عقله، ويسترشد مما رسمه له الرسل فيهتدى، وبعضهم لا ينتفع بذلك، بل يتبع هواه فيضل ويغوى 44.
ومن أروع نماذج الحوار الهادف لحل المشكلات في السنة المطهرة حوار عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على الحوار حتى في أحلك الظروف وفي المواقف التي تستدعي أناة وترويًّا، ومثاله ما كان يوم الحديبية لما كتب الصلح ورأى بعض المسلمين فيها إجحافًا، وقع حوار بين بعضهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقًّا.
قال: (بلى) .
قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل.
قال: (بلى) .
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟
قال: (إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري) .
قلت: أَوَ ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟
قال: (بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام) .
قال: قلت: لا.
قال: (فإنك آتيه ومطوف به) .
قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا؟
قال: بلى.
قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال: بلى.
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟
قال: أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه 45، فوالله إنه على الحق.
قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟
قلت: لا.
قال: فإنك آتيه ومطوف به) 46.
لقد استخدم القرآن الكريم أسلوب الحوار، كأحد أهم الأساليب لإيصال دعوة التوحيد لكافة المكلفين، فكان منها الحوار العقدي، والذي يهدف لترسيخ العقيدة الصحيحة، والحوار الدعوي، والحوار العتابي، والحوار الإصلاحي، والحوار العلمي، وفيما يأتي تفصيل ذلك.
أولًا: الحوار العقدي:
إرساء العقيدة الصحيحة هو الأساس المتين الذي يقوم عليه صرح الإسلام العظيم؛ لذا فقد اهتم القرآن الكريم في إرساء تلك القواعد والمفاهيم من خلال أساليب كثيرة، والتي كان أبرزها أسلوب الحوار العقدي، والذي كان فيه الأنبياء وأقوامهم هم طرفي الحوار، وفيما يأتي بعضًا من تلك النماذج.
1.حوار نوح عليه السلام مع قومه.
أخبرنا الله عز وجل أنه بعث نوحًا رسولًا إلى قومه، حيث قال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) } [الأعراف:59] .
ونرى بأن حواره صيغ بصياغة واضحة بألفاظ دقيقة ومحددة الدلالات؛ لأن الكلمات الفضفاضة والتعابير المطاطة تلقى بالناس في متاهات لا صلة لها بالواقع.
قال تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [هود:27 - 29] .
فلما دعا سيدنا نوح عليه السلام قومه إلى عبادة الله كان ردّهم: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود:27] ، قال الطبري: قال الكبراء من قوم نوح وأشرافهم الذين كفروا بالله وجحدوا نبوة نبيهم نوح عليه السلام: ما نراك يا نوح إلا بشرًا مثلنا، يعنون بذلك أنه آدمي مثلهم في الخلق والصّورة والجنس، كأنهم كانوا منكرين أن يكون الله يرسل من البشر رسولًا إلى خلقه 47.
بعد أن سمعهم سيدنا نوح عليه السلام وتأمل في أدلتهم وما اشتملت عليه من شبهات، رد عليهم بأسلوب رقيق وجذاب بأدلة تفنّد مزاعمهم: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [هود:28 - 29] 48.
قال المراغي: بعد أن ذكر مقالتهم وطعنهم في نوح عليه السلام بتلك الشبه السالفة، قفى على ذلك بدحض نوح لها، ورد شبهات أخرى قد تكون صدرت منهم ولم يحكها، لعلها من الرد عليها، وربما لم يقولوها وإن كان كلامهم يستلزمها، وهذا من خواصّ أسلوب الكتاب الكريم، وسرّ من أسرار بلاغته 49.
فلقد ردّ نوح على كل شبهة على حده، وحاول أن يرجعهم إلى الموضوع الرئيسي وهو عبادة الله.
2.حوار إبراهيم عليه السلام مع قومه.
حاور إبراهيم عليه السلام أبيه وقومه وعلى رأسهم الطاغية النمرود حوارات متعددة، وذلك لإرساء قواعد العقيدة الصحيحة، وكانت حواراته كلها مفعمة بأدب الحوار، وتبيين ذلك فيما يلي:
أولًا: في كلامه الموجّه إلى رب العالمين والذي يظهر في قوله تعالى: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:79 - 80] ، أسند المرض إلى نفسه تأدبًا في كلامه الموجّه إلى الله، وأسند الشفاء إلى الله، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين 50.
ثانيًا: في حواره مع أبيه آزر حينما قال له: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم:46] ، تهديد من الأب بالرجم والهجر الطويل، فما كان من نوح إلا أن قال: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم:47] ، إنه أدب الحوار، وردّ نية الإساءة بالإحسان، قال الرازي: «واعلم أن إبراهيم عليه السلام رتب هذا الكلام في غاية الحسن؛ لأنه نبه أولًا على ما يدل على المنع من عبادة الأوثان، ثم أمره باتباعه في النظر والاستدلال وترك التقليد، ثم نبه على أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي، ثم إنه عليه السلام أورد هذا الكلام الحسن مقرونًا باللطف والرفق، فإن قوله في مقدمة كل كلام: {يَاأَبَتِ} دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب، وختم الكلام بقوله: {إِنِّي أَخَافُ} وذلك يدل على شدة تعلق قلبه بمصالحه» 51.
ثالثًا: حتى في حواره مع الملائكة مع جهله بحقيقتهم في بداية الأمر فقد ظنهم ضيوفًا، وذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود:69] .
يبيّن أدب المعاملة وكرم الضيافة حتى مع الأغراب فقد قالوا له سلامًا، فرد عليهم بقوله: سلامٌ، أي: عليكم، قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيّوه به؛ لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام 52.
رابعًا: في حواره مع أبنائه عندما وصّاهم بالتمسك بالدين في قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132] .
ويظهر ما في لهجته مع أبنائه من تحبب وتقرب يدلان على أدب رفيع في الحوار مع الآخرين، متلازمًا مع غرز عقيدة الإسلام الصحيحة؛ والتي تمثلت بالتمسك بالإسلام الذي هو الشق العقدي من رسالة الأنبياء جميعًا، وقضية الموت عليه؛ فقوله: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} : إيجاز بليغ، وذلك أنّ المقصود من أمرهم بالإسلام الدوام عليه، فأتى بلفظ موجزٍ يقتضي المقصود، ويتضمّن وعظًا وتذكيرًا بالموت، وذلك أن المرء يتحقّق أنه يموت، ولا يدري متى، فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلاّ وهو عليه، فقد توجّه من وقت الأمر دائبًا لازمًا.
خامسًا: في حواره مع الكفار والنمرود الذي ادّعى الألوهية وهو واحد منهم؛ ويتضح ذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258] .
وفي هذا الحوار أيضًا تناول قضية الربوبية والتي تمثلت في قضية الإحياء والإماتة، وقضية التحكم بالشمس التي جزء من الكون الفسيح؛ قال السمعاني: «كانت تلك المحاجة في الربوبية من نظر الملك وطغيانه» 53.
وبعد هذا، فليس غريبًا أن يقول الله سبحانه وتعالى في سيدنا إبراهيم عليه السلام: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120] ، وقد امتزج إرساء قواعد العقيدة بالأدب الحواري الجم.
3.حوار شعيب عليه السلام مع قومه.
أرسل الله تعالى نبيه شعيبًا عليه السلام إلى أصحاب الأيكة، وهم مدين؛ {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف:85] .
وقد اشتملت قصته مع قومه على أفضل الأساليب في الحوار مع الطرف الآخر، لتبليغ دعوة الله، حيث اشتمل حواره على الجانبين: جانب العقيدة، وجانب الحياة، وقد برع وأبدع في حواره حيث لون في الخطاب، ورغب ورهب، وفيما يلي بيان ذلك:
قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:85 - 89] .
عند تحليل حوار شعيب مع قومه نقف على براعة الحوار وقوة الأسلوب لتحقيق الأهداف، ويظهر ذلك فيما يأتي 54:
1.بدأ شعيب عليه السلام دعوة قومه بالتوحيد، وهي الدعوة التي جاء بها جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام؛ لأن الخصم إذا آمن بالله وحده، واستسلم له، فإنه يمتثل لكل ما أمر الله به ونهى عنه، (? ? ? چ) ، وفي العنكبوت: (? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ?) [العنكبوت:36] ؛ فوحدانية الله هي القاعدة التي يعلم أن منها تنبثق كل مناهج الحياة، وكل أوضاعها، كما أن منها تنبثق قواعد السلوك والخلق والتعامل، ولا تستقيم كلها إلا إذا استقامت هذه العقيدة. ولقد جرت سنة الأنبياء أن يبدأوا بدعوة أقوامهم إلى التوحيد، ثم علاج المشكلات القائمة عندهم 55.
2.استعمال الألفاظ المحببة: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 65] .
3.استعمال الفصاحة والبيان والبلاغة: فشعيب عليه السلام هو خطيب الأنبياء، وحواره مع قومه كان حوارًا فصيحًا بليغًا، بعيدًا عن الغموض والتشدق، والمقصود أن يتكلم المحاور عندما يحاور الآخرين، بكلام واضح مفهوم، ليس فيه غموض ولا لبس.
4.تلوين الخطاب في الحوار: للنهي عن المخالفات الخطيرة التي يفعلها قومه بأكثر من أسلوب، فبعد أن نهى شعيب عليه السلام قومه عن الشرك، ودعاهم للتوحيد، وجههم إلى الالتزام بطاعة الله، حذرهم من معاصي خطيرة تهدد وجودهم ومصيرهم، ومن أبرز ذلك: لا شك أن أعظم مخالفة كان يفعلها قوم شعيب بعد الشرك، هي: التطفيف في الكيل والميزان، وبخس الناس أشياءهم.