فهرس الكتاب

الصفحة 2010 من 2431

المسارعة

أولًا: المعنى اللغوي:

السين والراء والعين أصل صحيح يدل على خلاف البطء، وسرعان الناس: أوائلهم الذين يتقدمون سراعا، وتقول العرب، لسرعان ما صنعت كذا، أي ما أسرع ما صنعته 1.

والسرعة: نقيض البطء، والمتسرع: المبادر إلى الشر، وجاء سرعا: أي سريعا، والفرق بين السرعة والإسراع أن الإسراع فيه طلب وتكلف، وأما السرعة فكأنها غريزة، يقال: أسرع أي طلب ذلك من نفسه وتكلفه كأنه أسرع المشي أي عجله، وأما سرع فلان، فالمعنى أن السرعة فيه طبع وسجية.

وأسرع الرجل: سرعت دابته، أي: أخف، إذا كانت دابته خفيفة، وسرعان الخيل: أوائلها 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

المسارعة: هي المبادرة إلى الطاعات والسبق إليها والاستعجال في أدائها وعدم الإبطاء فيها أو تأخيرها» 3.

ونجتهد في تحديد نوعي المسارعة المحمودة والمذمومة وذلك فيما يأتي:

المسارعة الممدوحة: هي المبادرة إلى فعل الخيرات والإسراع في ذلك، لنيل الأجر والثواب، والشعور بالسعادة والطمأنينة.

المسارعة المذمومة: هي المبادرة إلى فعل المنكرات والإكثار منها رغبة فيها، دون الخوف والخشية من عقاب الله وسخطه.

ورد مادة (سر ع) في القرآن الكريم (23) مرة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 8 ... {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90]

فعل الأمر ... 1 ... {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران:133]

اسم تفضيل ... 2 ... {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) } [الأنعام:62]

صيغة مبالغة ... 12 ... {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) } [البقرة:202]

وجاءت المسارعة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو المبادرة والعجلة، نقيض البطء 5.

المسابقة:

المسابقة لغةً:

«السين والباء والقاف أصل واحد صحيح يدل على التقديم، يقال سبق يسبق سبقا، فأما السبق فهو الخطر الذي يأخذه السابق» 6.

المسابقة اصطلاحًا:

هي تسابق وتنافس بين شخصين أو عدة أشخاص للفوز أو للحصول على علو المرتبة.

وقيل: (التقدم والمبادرة وبذل غاية الجهد والطاقة بين متسابقين أو أكثر في أمر من الأمور الدنيوية أو الأخروية لتحصيل السبق والفوز على الآخر) 7.

الصلة بين المسابقة والمسارعة:

يفرق بينهما بعدة أمور:

أن المسابقة متقدمة على المسارعة، وسابقة عليها؛ حيث إن أي سباق مهما كان نوعه ومسافته لا بد له من مرحلتين: الأولى: مرحلة السباق والانطلاق، والثانية: مرحلة الإسراع في السباق، فمثلًا السباق في الجري، عندما يبدأ الشوط الأول يتسابقون، وبعد فترة يسارعون في السباق، بأن يضاعف المتسابقون سرعتهم، ويتحولوا من مجرد مسابقة إلى المسارعة في المسابقة، وسنجد أن بعض المتسابقين قد يسقط في الطريق، ويخرج من السباق، ولا يصل إلى مرحلة المسارعة إلا أصحاب الطاقات والهمم والسرعات والعزائم، أولئك الذين لديهم زاد قوي يعينهم على إكمال أشواط المسارعة.

المسارعة أسمى درجة من المسابقة؛ حيث إن المسابقة تقتضي وجود قرين يسابق، فيجتهد المتسابق لتحصيل السبق، فيكون وجود القرين المسابق المخالف دافعًا لمزيد من بذل الجهد والسبق، أما المسارعة فتتعلق بذات العامل نفسه بقطع النظر عمن ينافسه في ذلك، فهو يجد ويجتهد أبلغ الاجتهاد لذاته، يحركه ما يراه من واجب عليه في ذات الأمر وهذا لا يكون إلا لمن علت همته وسمت اهتماماته 8.

كما يلحظ في المسارعة خشية فوات الفرصة، كما يظهر فيها جانب ضيق الوقت خشية عدم إدراكه، فهو يسارع لذلك، وفي المقابل يلحظ في المسابقة ظهور النتيجة، وهي مادية واضحة 9.

(ج) يقول البقاعي مفرقًا بين فعلي «سابقوا» و «سارعوا» : (سابقوا: فعل من يسابق شخصًا فهو يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قرينًا بطيئًا فسار هوينًا، أما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف) 10.

وبهذا تتضح العلاقة بين المصطلحين، وإن كان كل منهما يفيد في مجمله المبادرة، وبذل قصارى الجد والاجتهاد في تحصيل أمر من الأمور، والله أعلم.

المبادرة:

المبادرة لغةً:

الباء والدال والراء، أصلان: أحدهما كمال الشيء وامتلاؤه، والآخر الإسراع إلى الشيء، أما الأول فهو قولهم لكل شيء تم: بدر، وبدر، موضع يذكر ويؤنث، والأصل الآخر: قولهم بدرت إلى الشيء وبادرت، وإنما سمي الخطاء بادرة؛ لأنها تبدر من الإنسان عند حدة وغضب 11.

المبادرة اصطلاحًا:

هي الإسراع إلى فعل الأشياء من تلقاء نفسه لتحقيق الهدف المنشود.

وقيل: هي (انطلاقة المؤمن ومسارعته إلى عمل صالح بحافز ذاتي من نفسه، بعد أن يتوافر في نفسه الميزان الأمين ليحدد العمل الصالح من سواه، وليطمئن إلى أنه لا يتجاوز حدوده، ولا يعتدي على غيره، ولا يدخل في فتنة تغضب الله تعالى) 12.

الصلة بين المسارعة والمبادرة:

المسارعة: اندفاع من الشخص اتجاه الشيء وقد يكون ذلك بدافع ذاتي أو عن منافسة، أما المبادرة: فقيام الشخص بفعل الشيء ولا يكون إلا بدافع ذاتي.

المنافسة:

المنافسة لغة:

مأخوذة من الفعل «نافس» يقال: نافس في الشيء منافسةً إذا رغب فيه على وجه المباراة في الكرم، وتنافسوا فيه أي رغبوا 13 أو مشتقة من النفاسة، يقال: شيءٌ نفيسٌ، أي ذو نفاسةٍ وخطر يتنافس به، والتنافس: أن يبرز كل واحدٍ من المتبارزين قوة نفسه 14.

المنافسة اصطلاحًا:

هي قمة الاندفاع والمباراة بقوة بين الأشخاص للوصول إلى أعلى المراتب.

وقيل: مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل، واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على أحد 15.

الصلة بين المسارعة والمنافسة:

المسارعة: الغالب فيها أنها تكون ظاهرة من قبل الشخص للإسراع إلى فعل الشيء، المنافسة: تكون ظاهرة وخفية من قبل الشخص للوصول إلى الشيء.

العجلة:

العجلة لغةً:

العين والجيم واللام أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الإسراع، والآخر على بعض الحيوان، والجمع عجل وعجلات، والعجل والعجلة: خلاف البطء 16.

العجلة اصطلاحًا:

«هي طلب الشيء وتحريه قبل أوانه» 17.

وقال المناوي: «العجلة: فعل الشيء قبل وقته اللائق به» 18.

الصلة بين المسارعة والعجلة:

المسارعة: «التقدم في ما ينبغي أن يتقدم فيه وهي محمودة ونقيضها مذموم وهو الإبطاء، والعجلة: التقدم في ما لا ينبغي أن يتقدم فيه وهي مذمومة ونقيضها محمود وهو الأناة» 19.

عند تأمل الآيات القرآنية التي تحدثت عن المسارعة لفظًا ومعنًا، نجدها ذكرت نوعين رئيسين:

أولًا: المسارعة الممدوحة:

جماع المسارعة الممدوحة يتمثل في المسارعة إلى كل ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه من الإيمان والتقوى، والأعمال الصالحة

«مع العلم أن المؤمنين في المسارعة على أقسام:

-العابدون يسارعون بقدمهم في الطاعات.

-والعارفون يسارعون بهممهم في القربات.

-والعاصون يسارعون بندمهم بتجرع الحسرات.

-فمن سارع بقدمه وجد مثوبته، ومن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته» 20.

وقد ذكر القرآن الكريم صورًا من المسارعة الممدوحة، ومن ذلك:

-المسارعة في الخيرات بعمومها.

-المسارعة إلى الاستغفار والتوبة.

-المسارعة للاستجابة والطاعة لأمر الله عز وجل.

-المسارعة إلى أداء العبادات؛ كالصلاة والزكاة وغيرها.

-ويتم الحديث عن كل صورة من هذه الصور، وذلك على النحو التالي:

1.أمرنا الله سبحانه وتعالى للمسارعة إلى فعل الصالحات، والمسابقة في عمل الخيرات.

قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) } [البقرة:148] .

وكذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على المبادرة والمسارعة في عمل الخير، قبل أن تتغير النفوس وتتقلب القلوب، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسى كافرًاو يمسى مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أحدهم دينه بعرضٍ من الدنيا) 21.

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في المسارعةوالمبادرة وعدم التسويف، فعن عقبة قال: (صليت وراء النًبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، العصر، فسلم، ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ذكرت شيئًا من تبرٍ عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته) 22.

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) 23.

وكذلك من سبقه من الأنبياء والرسل الصالحين الذين تحدث القرآن الكريم عن مسارعتهم إلى الخيرات، ومسارعتهم إلى تنفيذ الأمر الإلهي، وذلك ما قاله الله عز وجل في حق إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) } [الصافات:102] .

وعندما عجل موسى عليه السلام من أجل لقاء ربه سبحانه وتعالى طمعا في رضاه لقوله تعالى: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) } [طه:83 - 84] .

وقوله تعالى أيضًا: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء:89 - 90] .

وقال فخر الدين الرازي في معنى قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} أراد بها زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعضٍ من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به؛ لأنه يدل على حرصٍ عظيمٍ على الطاعة.

وقوله: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} والمعنى: أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين: أحدهما: الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه، والثاني: الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفا من الإثم 24.

وقيل: أي: «يبادرون في الطاعات، يعني: زكريا وامرأته ويحيى - عليهما السلام -ويقال: الأنبياء الذين سبق ذكرهم، وقوله: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} ، يعني: رغبة فيما عند الله من الثواب وهو الجنة، ورهبًا أي فزعا من عذاب الله تعالى، وكانوا لنا خاشعين، يعني: مطيعين، ويقال: متواضعين» 25.

ووصف الله عز وجل المؤمنين الصالحين المتقين بأنهم هم الذين يسارعون في الخيرات ويتسابقون إلى فعلها دون تردد، ويستجيبون لأمره، ووصفه لهم في كتابه العزيز بمنزلة مدح وثناء عليهم، لقوله تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } [المؤمنون:61] .

وقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد:21] .

وقوله تعالى أيضًا: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) } [آل عمران:133] .

والمعنى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: سارعوا إلى التوبة من الربا، وقيل: وسارعوا بالأعمال الصالحة التي هي مغفرة لذنوبكم وإلى الجنة، وقيل: يعني سارعوا إلى النجاء الأكبر إلى الصف المقدم في الصلاة، وإلى الصف المقدم في القتال، وقيل: وسارعوا حتى لا تفوتكم تكبيرة الافتتاح 26.

بينما ذكر فخر الدين الرازي في كتابه أن الآية فيها مسائل:

المسألة الأولى: أطيعوا الله والرسول وسارعوا.

المسألة الثانية: وسارعوا إلى ما يوجب مغفرةً من ربكم، وللمفسرين فيه أقوال:

الأول: عن ابن عباسٍ قال: هو الإسلام

الثاني: عن علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أنه قال: هو أداء الفرائض.

الثالث: عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه الإخلاص.

الرابع: عن أبي العالية قال: هو الهجرة.

الخامس: عن الضحاك ومحمد بن إسحاق: أنه الجهاد.

السادس: عن سعيد بن جبيرٍ: إنها التكبيرة الأولى.

السابع: قال عثمان رضي الله عنه: إنها الصلوات الخمس.

الثامن: قال عكرمة: إنها جميع الطاعات.

التاسع: قال الأصم: سارعوا، أي بادروا إلى التوبة من الربا والذنوب، والوجه فيه أنه تعالى نهى أولًا عن الربا، ثم قال: وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم فهذا يدل على أن المراد منه المسارعة في ترك ما تقدم النهي عنه، والأولى ما تقدم من وجوب حمله على أداء الواجبات والتوبة عن جميع المحظورات، لأن اللفظ عامٌ فلا وجه في تخصيصه 27.

فكان مدلول هذه الآيات الكريمة محركًا للمسارعة عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس بن مالك في قصة غزوة بدر: لما دنا المشركون قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) فقال: عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: (نعم) قال: بخ بخ (كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك بخ بخ) ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءَ أن أكون من أهلها قال: (فإنك من أهلها) ، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل 28.

فالمداومة على الأعمال الصالحة كلها تقوي الإيمان بالله سبحانه وتعالى فلا بد من الإكثار منها 29.

المسارعة إلى الاستغفار والتوبة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) } [آل عمران:135] .

فعلى الإنسان أن يسارع إلى ما فيه مغفرة الذنوب؛ من الاستغفار، كقوله: أستغفر الله، أو اللهم اغفر لي، أو اللهم إني أستغفرك، وما أشبه ذلك، وكذلك أيضًا: الإسراع إلى ما فيه المغفرة، مثل الوضوء، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان.

فكان الصحابة الأجلاء ممن يسارعون إلى طلب المغفرة والإكثار منها، وتجنب الذنوب خوفًا من فقدان رحمة الله ورضوانه، فلا بد أن نكون مثلهم في ذلك؛ لكثرة المغريات والملهيات من حولنا، فالحذر ثم الحذر.

المسارعة للاستجابة والطاعة لأمر الله عز وجل.

فغاية العبد نيل رضى الله عز وجل ومحبته، ولن تتحقق المحبة إلا بطاعة الله والاستجابة لأوامره.

قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] .

والمعنى: {تُحِبُّونَ اللَّهَ} «أي تقصدون طاعته وترضون بشرائعه والمحبة على ضروب، فالمحبة من جهة الملاذ في المطعم والمشرب والنساء، والمحبة من الله لخلقه عفوه عنهم وإنعامه عليهم برحمته ومغفرته وحسن الثناء عليهم، ومحبة الإنسان لله ولرسوله طاعته لهما ورضاه بما أمر الله به، وأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم» 30.

فمثلًا عندما دعاهم الله سبحانه وتعالى إلى الانفاق في سبيله، سارعوا إلى الإنفاق في سبيله.

قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) } [آل عمران:134] .

والله سبحانه وتعالى لم يبين في هذه الآية المقدار من الانفاق، ولكن في آيات أخرى بين ذلك في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة:219] .

والمعنى: «لقد سألوا مرة: ماذا ينفقون؟ فكان الجواب في آية سابقة عن النوع والجهة، فأما هنا فجاء الجواب عن المقدار والدرجة، والعفو: الفضل والزيادة، فكل ما زاد على النفقة الشخصية في غير ترف ولا مخيلة فهو محل للإنفاق» 31.

وعندما دعاهم إلى الجهاد، سارعوا للجهاد في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) } [التوبة:111] .

وقد ضرب لنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في المسارعة الى الجهاد في سبيله، متمثلًا في موقف الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: (أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال:(في الجنة) ، فألقى تمرات كن في يده، ثم قاتل حتى قتل) 32.

هؤلاء هم الصحابة الأجلاء لا يلهيهم متاع الدنيا وشهواتها، بل يسعون إلى ما هو أفضل وأحسن ألا وهي الجنان 33.

المسارعة إلى أداء العبادات من صلاة وزكاة وغيرها الكثير.

مما يدلل أن ديننا له سبله المتنوعة وطرقه المتشعبة والمتعددة أمام عباد الله، لنيل ما يتمنونه من الثواب الجزيل، مثلًا من وجد شخصًا يريد أن يحمل على دابته شيئًا، فساعده على حمله، أو أمسك دابته فهو صدقة، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الطيبة تشمل كل قول يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى به، فالأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، وبكل تسبيحة أو تكبيرة أو تهليلة صدقة، وتعليم العلم النافع صدقة، وابتداء السلام ورده صدقة، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم بكل خطوة يخطوها العبد إلى الصلاة صدقة، وكلما بعدت طريق الصلاة كانت الصدقات أكثر، وهذا من أكبر فضائل صلاة الجماعة في المساجد، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم إزالة الأذى عن الطريق صدقة، فمن عزل حجرًا أو شوكةً أو عظمًا عن طريق الناس، فذلك صدقة يثاب عليها ويؤجر.

فمن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة) 34، وفي رواية: (لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة أي: يروح فيها ويجيء كما شاء، من شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس) 35.

وفي رواية: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره، فشكر الله له، فغفر له) 36.

ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله والإحسان إلى عباد الله، فسوف يلقى الذكر الطيب في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة إن شاء الله، لقوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } [النساء:114] .37.

إذًا طرق الخير والنفع كثيرةٌ متاحةٌ للجميع، ولكن أين السالكون؟ وأين السائرون؟

وأبواب البر متعددةٌ، ولكن أين المتسارعون إليها؟ وأين الطارقون لها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت