وقال الماوردي: «قوله عز وجل {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} أي: لقراءته. {وَأَنْصِتُوا} أي: لا تقابلوه بكلام ولا إعراض {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} . واختلفوا في موضع هذا الإنصات على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها نزلت في المأموم خلف الإمام ينصت ولا يقرأ، قاله مجاهد.
والثاني: أنها نزلت في خطبة الجمعة ينصت الحاضر لاستماعها ولا يتكلم، قالته عائشة، وعطاء.
والثالث: ما قاله ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة: سلام على فلان، سلام على فلان، فجاء القرآن من {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} » 99.
وأما القرطبي فرغم تمسكه بالعموم في الرد على كل من زعم قصر الآية على موضع مخصوص فقال: «قال بعضهم في قوله: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} : كان هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصًّا ليعيه عنه أصحابه. قلت: هذا فيه بعد، والصحيح: القول بالعموم؛ لقوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} والتخصيص يحتاج إلى دليل 100.
وقال أيضًا: «وذكر الطبري عن سعيد بن جبير أيضًا أن هذا في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام فهو عام. وهو الصحيح؛ لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات. قال النقاش: أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة» 101.
بل وذكر أنه يفيد (في اللغة) ما هو أعم من ذلك، فنقل عن النحاس: أنه «في اللغة يجب أن يكون في كل شيء، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء» 102، إلا أنه لم يصرح -بل ولم يناقش ولم يطرح مطلقًا- مسألة وجوب الإنصات خارج الصلاة.
وقد ذكر الخازن في تفسيره أن الحسن والظاهرية أجروا الأمر على ظاهره، فقال: «وظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبين وللعلماء في ذلك أقوال:
القول الأول: وهو قول الحسن وأهل الظاهر أن تجري هذه الآيات على العموم، ففي أي وقت وأي موضع قرئ القرآن يجب على كل أحد الاستماع له والسكوت.
والقول الثاني: إنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة.
القول الثالث: إنها نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام» 103.
قال ابن عاشور: «هذه الآية مجملة في معنى الاستماع والإنصات، وفي مقتضى الأمر من قوله: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} ، يبين بعض إجمالها سياق الكلام والحمل على ما يفسر سببها من قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} ، ويحال بيان مجملها فيما زاد على ذلك على أدلة أخرى.
وقد اتفق علماء الأمة على أن ظاهر الآية بمجرده في صور كثيرة مؤول، فلا يقول أحد منهم بأنه يجب على كل مسلم إذا سمع أحدًا يقرأ القرآن أن يشتغل بالاستماع وينصت، إذ قد يكون القارئ يقرأ بمحضر صانع في صنعته، فلو وجب عليه الاستماع لأمر بترك عمله، ولكنهم اختلفوا في محمل تأويلها:
فمنهم من خصها بسبب رأوا أنه سبب نزولها، فنزلت هذه الآية في أمر الناس بالاستماع لقراءة الإمام. وهؤلاء قصروا أمر الاستماع على قراءة خاصة دل عليها سبب النزول عندهم على نحو يقرب من تخصيص العام بخصوص سببه، عند من يخصص به، وهذا تأويل ضعيف؛ لأن نزول الآية على هذا السبب لم يصح، ولا هو مما يساعد عليه نظم الآية التي معها، وما قالوه في ذلك إنما هو تفسير وتأويل، وليس فيه شيء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنهم من أبقى أمر الاستماع على إطلاقه القريب من العموم، ولكنهم تأولوه على أمر الندب، وهذا الذي يؤخذ من كلام فقهاء المالكية، ولو قالوا: المراد من قوله: {قُرِئَ} قراءة خاصة، وهي أن يقرأه الرسول -عليه الصلاة والسلام- على الناس لعلم ما فيه والعمل به للكافر والمسلم، لكان أحسن تأويلًا» 104. لكن هذا الذي يستحسنه قد اعترض عليه القرطبي -أيضًا- بعموم اللفظ كما تقدم.
وبعيدًا عن الحكم الفقهي فإن الآية قد جاءت بأمر معلل تضمن أدبًا أُدب به المؤمنون:
فأما الأدب فهو الاستماع للقرآن الكريم إذا تلي والإنصات له: {وَإِذَا قُرِئَ} عليكم أيها المؤمنون {الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} يعني: أصغوا إليه بأسماعكم؛ لتفهموا معانيه وتتدبروا مواعظه، {وَأَنْصِتُوا} يعني: عند قراءته، والإنصات السكوت للاستماع. يقال: نَصَتَ وأَنْصَتَ وانْتَصَتَ بمعنى واحد 105.
وأما العلة: فهي رجاء المستمع المنصت أن تشمله رحمة منزله سبحانه وتعالى، وذلك حاصل من تدبر ما تضمنته آياته من معانٍ ودلائل ووصايا وأوامر ونواهٍ «فالاستماع والإنصات المأمور بهما هما المؤديان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم المقضي إلى الإيمان به، ولما جاء به من إصلاح النفوس، فالأمر بالاستماع مقصود به التبليغ واستدعاء النظر والعمل بما فيه، فالاستماع والإنصات مراتب بحسب مراتب المستمعين» 106.
فإذا استبعدنا التفكير الفقهي الذي يربط المسألة بالإيجاب أو الندب، فإن محل الاتفاق أن الإنصات إلى آيات الذكر إذا تليت ليس أقل من أن يكون أدبًا عظيمًا يتأدب به العبد الراجي؛ لأن يكون من المشمولين برحمة منزله الرحمن الرحيم.
ثالثًا: أدبهم مع دلالاته ومعانيه:
في سياق مدحه لأوليائه، وصف الرحمن عباده المنسوبين تشريفًا إلى جلاله بأنهم إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًّا وعميانًا فقال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] .
ثم قال سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73] .
عن قتادة قال: «لم يصموا عن الحق ولم يعموا عنه، هم قوم عقلوا عن الله فانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله. وقال مجاهد: كم من قارئ يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم أعمى» 107.
والمعنى: أنهم استمعوا إلى ما فيها من المواعظ وانتفعوا بها، قال أبو السعود: « {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} المنطوية على المواعظ والأحكام {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} أي: أكبوا عليها سامعين بآذانٍ واعيةٍ مجلين لها بعيون راعية، وإنما عبر عن ذلك بنفي الضد تعريضًا بما يفعله الكفرة والمنافقون» 108.
ومقصد الآية أن تثبت لهم الاتعاظ والانتفاع بعد حسن الإنصات والاستماع، فلما نفت ضده عنهم أضافت إلى ذلك معنى زائدًا، صورته الموازنة بين حالهم وحال المخذولين على جهة الترغيب في هذا، ونصبه في مقام القدوة، والترهيب من ذاك وبيان قبحه وتصويره في صورة النقيصة، «وإذا كان الكلام مقيدًا بقيد كما هنا، فإن النفي ينصب على ذلك القيد في غالب الاستعمال العربي. ونظيره: ما رأيت زيدًا راكبًا، نفيًا للركوب لا للرؤية. ولا يلقاني مُسلِّمًا نفيًا للسلام لا للقاء. فلم ينف عنهم الخرور، وإنما نفى عنهم الصمم والعمى عند الخرور» 109. على أنه قد تقدم «وصفهم [هم أنفسهم] . فيما تقدم بإعراضهم عن الباطل، ومجانبتهم لأهله، وبعدهم عنه.
ثم وصفهم هنا بإقبالهم على الحق، وإكبابهم عليه، متفهمين مستبصرين» 110.
فأما (الخرور) : فـ «هو السقوط كسقوط الساجد» 111، و «هاهنا أمران: ذكر الخرور، وتسليط النفي عليه. وهل هو خرور القلب أو خرور البدن للسجود؟ وهل المعنى: لم يكن خرورهم عن صمم وعمه. فلهم عليها خرور بالقلب خضوعًا، أو بالبدن سجودًا أو ليس هناك خرور، وعبر به عن القعود؟» 112 كلٌّ محتمل. وبناء على اختيار أحد المعنيين يكون حمل الخرور على وقوع السجود منهم حقيقة، أو وقوع الهيبة والشعور بعظمة منزل هذه الآيات في القلب، ولا ريب أن الأمرين واقعان، يقع منهم هذا مرة، ويقع هذا منهم أخرى، وقد يجتمعان معا.
و « (الأصم) : فاقد حاسة السمع، أو الذي لا يتدبر ما يسمع فلا ينتفع به، وهو المراد هنا.
و (الأعمى) : فاقد حاسة البصر، أو الذي لا يعتبر فيما يبصر فلا ينتفع به، ويكون الأعمى بمعنى فاقد الإدراك القلبي، وهو عمى البصيرة، وما هنا يحتمل الوجهين الأخيرين.
وعبر بـ (إذا) ؛ لأن التذكير مما هو واقع محقق، كالذي يسمع من القرآن في الصلاة ومن الخطب في الجمع. وبنى الفعل للنائب؛ لأن التذكير بالآيات يجب قبوله من أي مذكر كان» 113.
وعلى هذا فهؤلاء الموصوفون -على جهة المدح والتشريف- بأنهم عباد الرحمن من صفاتهم التي استحقوا بها المنزلة والثناء «أنهم إذا ذكرهم مذكر بآية ربهم التي أنزلها على نبيهم - صلى الله عليه وآله وسلم- بما فيها من ذكر مخلوقاته وإنعاماته، وأيامه في أوليائه وأعدائه، ووعده ووعيده، وترغيبه وترهيبه- أقبلوا عليها، وأكبوا على سماعها، بآذان واعية، وأبصار راعية، وقلوب حاضرة، وعقول متدبرة. لا كمن يقبلون عليها ويكبون على سماعها، ولكنهم لا يسمعون ولا يبصرون؛ لأنهم لا يعقلون ولا يتدبرون» 114.
وعليه يكون الاتعاظ والانتفاع، والمبادرة والاستجابة والإسراع، من بعد حسن الإنصات والاستماع من أوجب الآداب التي يتأدب بها الطامع في رحمة ربه الراجي لها.
هذا وقد ذكر كثير من المفسرين أن قوله جل وعلا في السورة نفسها: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] .
شامل لتارك التدبر والنظر في آيات الله. أي: {وَقَالَ الرَّسُولُ} مناديًا لربه وشاكيًا له إعراض قومه عما جاء به، ومتأسفًا على ذلك منهم: {يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي} الذي أرسلتني لهدايتهم وتبليغهم، {اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} أي: قد أعرضوا عنه وهجروه وتركوه مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال على أحكامه، والمشي خلفه، قال الله مسليًا لرسوله ومخبرًا أن هؤلاء الخلق لهم سلف صنعوا كصنيعهم فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} أي: من الذين لا يصلحون للخير ولا يزكون عليه يعارضونهم ويردون عليهم ويجادلونهم بالباطل 115.
وقد ذكر ابن كثير لهذا الهجر صورًا ومراتب فقال: «يقول تعالى مخبرًا عن رسوله ونبيه محمد -صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين- أنه قال: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} ، وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يسمعونه، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} ، وكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره، حتى لا يسمعوه. فهذا من هجرانه، وترك علمه وحفظه أيضًا من هجرانه، وترك الإيمان به وتصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره -من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره -من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يخلصنا مما يسخطه، ويستعملنا فيما يرضيه، من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار، على الوجه الذي يحبه ويرضاه، إنه كريم وهاب» 116.
وبناء على ما قال فلا يخرج العبد عن أن يعد في أهل هذه الشكوى حتى يكون تاليًا متفهمًا متدبرًا لآيات الكتاب مستأنسًا بها مؤثرًا لها على غيرها.
قال ابن باديس تحت عنوان (تحذير وتنبيه) : «قد صورت الآية حالة المؤمن بالقرآن الذي ينكب عليه، ويتلقاه بالقبول، ثم لا يتفهمه ولا يتدبره، بحالة الأصم الأعمى في عدم انتفاعه بما انكب عليه؛ تقبيحًا لعدم التفهم والتدبر من المؤمن للآيات، وتحذيرًا منه، وتنبيهًا على أن الانتفاع بالقرآن الذي تتفتح به البصائر، وتتسع به المدارك، وتتهذب به الأخلاق، وتتزكى به النفوس، وتتقوم به الأعمال، وتستقيم به الأحوال؛ إنما يكون بتفهمه، وتدبره، دون مجرد الانكباب عليه بلا تفهم ولا تدبر» 117.
وحينئذ فإن «الناس عند تلاوة آيات القرآن على قسمين: معرضين، ومقبلين.
فالمعرضون غير المؤمنين.
والمقبلون على قسمين: مقبلين بظاهرهم دون باطنهم، ومقبلين بظاهرهم وباطنهم.
فالمقبلون بظاهرهم دون باطنهم هم المنافقون.
والمقبلون بظاهرهم وباطنهم على قسمين: مستمعين، مستبصرين، حاضرين، متدبرين. وغافلين غير متدبرين غير سامعين ولا مبصرين.
والأقسام كلها مذمومة إلا قسم المقبلين بظواهرهم وبواطنهم، المستمعين المستبصرين. وهذا القسم هو الذي وصف به عباد الرحمن، فكانوا مباينين لأهل الإعراض من الكافرين والمنافقين، ولأهل الغفلة، وعدم التدبر من المؤمنين» 118.
قد ورد أنه لو قدر لكلام أن يخلع الجبال عن أماكنها، ويقطع الأرض، أو أن يكلم الموتى في قبورهم به لكان هذا القرآن، وأن لآياته عظمة حقيقة بأن تخشع لها الجبال وتتصدع.
قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [الرعد: 31] .
فلعظمة القرآن وإعجازه كاد يحدث هذا الأثر العجيب في ما هو شديد من المخلوقات كالجبال، ومع ذلك فقد كفر به خلق وصدوا عنه.
قال ابن كثير: «يقول تعالى مادحًا للقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، ومفضلًا له على سائر الكتب المنزلة قبله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك؛ لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له» 119.
فقد كادت آيات القرآن تخلع الجبال، وكذا فإنه لو أنزل عليها لتصدعت وخشعت مع أن قلوب البشر لا تفعل، قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] .
فتضمنت الآية تعظيمًا لأمره، وتبيينًا لعلو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه؛ لما فيه من الوعد والوعيد الأكيد: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أي: فإن كان الجبل في غلظته وقساوته، لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه، لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع، وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه؟
ولهذا قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} 120، فمن تفكر علم أن في قلوب بعض الناس قسوة تفوق قسوة الجبال.
وبناء على ما سبق، فإنه يفترض حصول الخشوع في قلوب الناس عند سماع القرآن الكريم، كما نصت على ذلك الآية التي اشتملت على أمر غير مباشر بتحقيق هذا الخشوع، فعن ابن عباس قال: يقول تعالى: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر الله -عز وجل- الناس إذا أنزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، قال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} 121.
ونص على ذلك القرطبي أيضًا فقال: «قوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا} حث على تأمل مواعظ القرآن، وبين أنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها، لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة، أي: متشققة من خشية الله. والخاشع: الذليل. والمتصدع: المتشقق» 122.
وهذا الخشوع أولى بأن يكون أثرًا في قلب المؤمن، وقد وصف القرآن الكريم حالة تحصل في نفس المؤمن تصاحب الخشوع سماها: (شرح الصدر) في قوله عز وجل: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 22 - 23] .
ودل سياق الآيات على أن حالة الانشراح هذه مصاحبة للخشوع: فقد قابلتها الآية بصورة القلب القاسي، قال ابن كثير: «وقوله: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق؟! كقوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] ؛ ولهذا قال: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} أي: فلا تلين عند ذكره، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم، {أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} 123، ثم أعقبت ذلك ببيان أثر القرآن على الجلود والقلوب.
ومعنى الآية: «أفمن فسح الله قلبه لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} يقول: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين، بتنوير الحق في قلبه، فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه، كمن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيقه عن استماع الحق، واتباع الهدى، والعمل بالصواب؟
وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه، وجواب الاستفهام اجتزاء بمعرفة السامعين المراد من الكلام، إذ ذكر أحد الصنفين، وجعل مكان ذكر الصنف الآخر الخبر عنه بقوله: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت، يعني عن القرآن الذي أنزله تعالى ذكره، مذكرًا به عباده، فلم يؤمن به، ولم يصدق بما فيه.
وقيل: {مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} والمعنى: عن ذكر الله، فوضعت (من) مكان (عن) ، كما يقال في الكلام: أُتخمت من طعام أكلته، وعن طعام أكلته بمعنى واحد، هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر الله في ضلال مبين، لمن تأمله وتدبره بفهم أنه في ضلال عن الحق جائر» 124.
ومقابلة صورتي (منشرح الصدر مقشعر الجلد) و (قاسي القلب) تدل على أن هذا الانشراح مرتبط بالخشوع.
وكما نصت الآية على انشراح الصدر نصت أيضًا على لين القلب: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} . «واللين: ضد الخشونة، وقوله: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} فإشارة إلى إذعانهم للحق وقبولهم له بعد تأبيهم منه» 125.
وقد يكون هذا اللين هو المنصوص عليه في قوله عز وجل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] : أي: «تسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله» 126.
«و (طمأنينة القلوب) هي الاستكانة، والسرور بذكر الله، والسكون به كمالًا به. ورضى بالثواب عليه وجودة اليقين» 127.