فهرس الكتاب

الصفحة 984 من 2431

والثالث: في قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ} [المدثر: 50] .

وهذه الآية وصفت الكفار المعرضين بأنه كالحمر المستنفرة.

ووردت اثنان منها بلفظ المفرد.

الأول: في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5] .

في الآية السابقة جعل الله تعالى مثل علماء اليهود الذين لم يحملوا التوراة، ولم يقوموا بما حملوا به، أنهم لا فضيلة لهم، وأنهم كمثل الحمار الذي يحمل فوق ظهره أسفارًا من كتب العلم، فالحمار لا يستفيد من تلك الكتب التي فوق ظهره، وليس له حظ منها إلا حملها فقط 85.

والثاني: في قوله تعالى: {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} [البقرة: 259] .

والمعنى: أن الله سبحانه أمر العزير أن ينظر إلى حماره كيف تفرقت عظامه، ونخرت، وكان له حمار قد ربطه، ويجوز أن يكون المعنى: أن ينظر إليه سالمًا في مكانه كما ربطته، وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة عام من غير علف، ولا ماء 86.

4.الفيل.

جاء ذكر الفيل في القرآن الكريم في موضع واحد، وهو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] .

قال ابن كثير في معنى هذه الآية: «هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة. وكانوا قومًا نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالًا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإرهاص، والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم» 87.

ومما سبق يتبين أن الله سبحانه وتعالى ذلل الحيوانات المركوبة للإنسان لينتفع بها، يركب علها ويقوم على مصالحه، وهذه نعم من نعمه تستحق الشكر منه عز وجل.

ثالثًا: السباع:

كان الحديث في المطلب السابق عن الحيوانات المركوبة، وذكرت في القرآن الكريم بعض السباع من الحيوانات، وهي:

1.السبع.

وردت هذه اللفظة في موضع واحد من القرآن الكريم عند ذكر الحيوانات المحرم أكلها.

قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} [المائدة: 3] .

والسبع: اسم يقع على ما له ناب، ويعدو على الإنسان، والدواب، ويفترسها، مثل الأسد وما دونه 88.

وقيل: إن لفظة قسورة تعني الأسد 89 في قوله تعالى: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 51] .

2.الذئب.

ذكر الذئب في القرآن في قصة يوسف عليه السلام.

قال تعالى: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} [يوسف: 13 - 14] .

وقال تعالى: {قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) } [يوسف: 17] .

والمعنى: أنه تعالى يقول مخبرًا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء: إنه يشق عليّ مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع؛ وذلك لفرط محبته له، لما يتوسم فيه من الخير العظيم، وشمائل النبوة، والكمال في الخلق والخلق، صلوات الله وسلامه عليه، وقال لهم أبوهم: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم، ورعيتكم فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين عنها في الساعة الراهنة: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، ونحن جماعة، إنا إذًا لهالكون عاجزون 90.

وقالوا معتذرين عما زعموا: إنا ذهبنا نتسابق ونترامى بالنبال، وتركنا يوسف عند ثيابنا وأمتعتنا، حارسًا لها، فأكله الذئب، وهذا الذي كان قد جزع منه أبوهم، وحذر عليه، ونحن نعلم أنك لا تصدقنا- والحالة هذه- لو كنا صادقين موثوقين عندك، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك؟! وأنت معذور في هذا لغرابة ما وقع، وعجيب ما حدث 91.

3.الكلب.

جاءت لفظة الكلب في القرآن الكريم في موضعين:

الأول: في قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] .

قال الرازي رحمه الله: «واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وأخس الحيوانات هو الكلب، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن آتاه الله العلم، والدين فمال إلى الدنيا، وأخلد إلى الأرض، كان مشبهًا بأخس الحيوانات، وهو الكلب اللاهث» 92.

والثاني: في قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: 22] .

جاء ذكر الكلب في هذه الآية مع عدة أصحاب الكهف، قال السعدي رحمه الله: «يخبر الله تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف، اختلافًا صادرًا عن رجمهم بالغيب، وتقولهم بما لا يعلمون، وأنهم فيهم على ثلاثة أقوال: منهم من يقول: ثلاثة، رابعهم كلبهم، ومنهم من يقول: خمسة، سادسهم كلبهم. وهذان القولان ذكر الله بعدهما أن هذا رجم منهم بالغيب، فدل على بطلانهما، ومنهم من يقول: سبعة، وثامنهم كلبهم، وهذا -والله أعلم- الصواب؛ لأن الله أبطل الأولين، ولم يبطله، فدل على صحته، وهذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة للناس، دينية ولا دنيوية» 93.

وهذه السباع أعطاها الله سبحانه من القدرة على افتراس الفريسة وتتمكن من أكلها حتى تستطيع الاستمرار في الحياة، فسبحان الله {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .

رابعًا: حيوانات أخرى:

وهناك حيوانات أخرى ورد ذكرها في القرآن الكريم، ومنها: الخنزير، والقردة.

ومن المواضع التي جاء ذكر الخنزير فيها قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173] .

والمعنى: أن الله سبحانه حرّم أكل الميتة، والانتفاع بها، وهي التي ماتت على غير ذكاة، وحرّم أيضًا الدم، ولحم الخنزير إنما خص لحمه مع أن سائر أجزائه أيضًا في حكمه؛ لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان، وسائر أجزائه بمنزلة التابع له 94.

ومن المواضع التي ذكرت فيها القردة قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] .

والمعنى: أن اليهود تجاوزوا الحد، وصادوا السمك في يوم السبت مع أن ذلك محرم، فجعلهم الله تعالى كالقردة في الخسة والحقارة.

قال الزحيلي في تفسير الآية: «لقد علمتم شأن آبائكم الذين تجاوزوا الحد بصيد السمك يوم السبت، وكان محرمًا فيه لقصره على العبادة، فإن موسى عليه السّلام حظر عليهم العمل في هذا اليوم، وفرض عليهم فيه طاعة ربهم، وأباح لهم العمل في بقية أيام الأسبوع، وكان جزاؤهم أنهم أصبحوا في مرتبة الحيوان، يعيشون من دون عقل ووعي وتفكير، ويتخبطون في أهوائهم، كالقردة في نزواتها، والخنازير في شهواتها، يأتون المنكرات علانية، بعيدين عن الفضائل الإنسانية، حتى احتقرهم الناس، ولم يروهم أهلًا للمعاشرة والمعاملة، فمعنى صيرورتهم قردة خاسئين: تصييرهم مبعدين عن الخير أذلاء صاغرين» 95.

وجاءت لفظة القردة مقترنة بالخنازير في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60] .

فالقردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى عليه السلام 96.

وخلاصة القول: إن الناظر في الحيوانات يجد أن منها ما يستخدم للزينة، ومنها ما يستخدم للثروة، ومنها للركوب ومنها للأكل، حتى إن منها السباع، وغير ذلك، وهذا يدل الإنسان على كمال قدرة الله تعالى.

الحيوانات المحرّم أكلها

لقد ورد في القرآن الكريم ذكر بعض الحيوانات المحرّمة، وفي هذا المبحث إن شاء الله تعالى سنتتبع الآيات التي ذكرت فيها، مع بيان حكمة تحريمها.

قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173] .

وقال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3] .

وقال تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 145 - 146] .

وقال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 115] .

الملاحظ أن الآيات السابقة ذكرت أنواعًا من الحيوانات المحرّم أكلها، وهي:

1.الميتة.

ويراد بها عرفًا ما مات حتف أنفه، ويراد بها في عرف الشرع: ما مات، ولم يذكه الإنسان لأجل أكله 97.

والحكمة في التحريم: احتباس الدم فيها، وتوقع التضرر بها، لفساد لحمها، وتلوثه بالأمراض غالبًا.

فهي محرمة لاستقذار الطباع السليمة لها ولما فيها من ضرر، وتكون سببًا في إزهاق الروح 98.

2.الدم.

والمراد به: الدم المسفوح {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] .

أي: المائع الذي يسفح، ويراق من الحيوان، وإن جمد بعد ذلك، بخلاف المتجمد طبيعة كالطحال والكبد وما يتخلل اللحم عادة فإنه لا يسمى مسفوحًا 99.

وحكمة تحريم الدم؛ لأنه ضارّ، وتأباه النفوس الطيبة، فهو حرام لقذارته وضرره 100.

والدم كثير الضرر؛ لأنه عسر الهضم جدّ العسر، ويحمل كثيرًا من الموادّ العفنة التي تنحلّ من الجسم، وهي فضلات لفظتها الطبيعة كما تلفظ البراز ونحوه، واستعاضت عنها بموادّ جديدة من الدم، وقد يكون فيه جراثيم بعض الأمراض المعدية، وهي تكون فيه أكثر مما تكون في اللحم، ومن أجل هذا اتفق الأطباء على وجوب غلي اللبن قبل شربه، لقتل ما عسى أن يكون قد علق به من جراثيم الأمراض المعدية 101.

3.الخنزير.

وهو حيوان قذر لا يأكل غالبًا إلا من القاذورات والنجاسات 102، وأكل لحمه حرام.

وحكمة التحريم: لأنه ضارّ، ولأن النفوس الطيبة تأباه؛، ولأن فيه ضررًا لحملة جراثيم شديدة الفتك؛ ولأن فيه كثيرًا من الطباع الخبيثة، وولوع بالنواحي الجنسية، ولا يغار على أنثاه، وكسول بطبعه، والمتغذي يتأثر بتلك الطبائع، وتنتقل إليه بيوض الدودة الوحيدة الحلزونية التي قد تكون في خلايا عضلات جسمه، ولو تربى في أنظف الحظائر 103.

4.ما أهلّ لغير اللّه به.

قال المراغي: «والمراد به: ما ذبح على ذكر غير اللّه تعالى من المخلوقات التي يعظمها الناس تعظيمًا دينيًّا، ويتقربون إليها بالذبائح، وكانوا يذبحون لأصنامهم فيرفعون أصواتهم بقولهم: باسم اللات، أو باسم العزّى، ويدخل في ذلك ما ذكر عند ذبحه اسم نبي أو وليّ، كما يفعل بعض أهل الكتاب، وجهلة المسلمين الذين اتبعوا من قبلهم، وساروا على نهجهم باعًا فباعًا وذراعًا فذراعًا» 104.

وحكمة التحريم: حرّم الشرع أكل ما ذبح على ذكر غير اللّه تعالى؛ لمساسه بالعقيدة، وتعظيم غير اللّه، ومشاركة المشركين، والكفار في عبادة غير اللّه، والتقرب لآلهتهم بالذبائح 105.

5.المنخنقة.

وهي التي تختنق، إما في وثاقها، وإما بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه، فتختنق حتى تموت 106.

والحكمة من تحريمها: لأنها نوع من أنواع الميتة، وحكمها حكم الميتة، وضررها ضرر الميتة؛ لأنها لا تذبح، والتذكية الشرعية شرط لحلّ المذبوح 107.

6.الموقوذة.

وهي التي ضربت إلى أن ماتت، يقال: وقذها، وأوقذها: إذا ضربها إلى أن ماتت، ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات 108.

وحكمة التحريم: لأنها ماتت بلا ذكاة شرعية، وكانوا يأكلونها في الجاهلية، والوقذ يحرم في الإسلام؛ لأنه تعذيب للحيوان شديد، وليست معه ذكاة، ومن هنا حرمت 109؛ لأن حكمها حكم الميتة.

7.المتردّية.

هي ما سقطت من مكان عال كجبال، أو هوت في بئر بسبب ذلك هي كالميتة 110، ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم، وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله؛ لأنه لا يعلم أنه مات بالتردي، أو بالسهم 111.

والحكمة من تحريمها: لأنها من الميتة، وماتت، وما سال منها الدم 112، ولا يحل أكلها بدون تذكية؛ ولأن الإنسان لم يكن له عمل في إماتتها، ولا قصد به إلى أكلها 113.

8.النطيحة.

وهي التي تنطحها بهيمة أخرى فتموت من النّطاح من غير أن يكون للإنسان عمل في أماتتها 114.

وسبب تحريمها: أنها من الميتة، وموتها بدون تذكية.

9.ما أكل السبع.

السبع: اسم يقع على ما له ناب، ويعدو على الإنسان، والدواب، ويفترسها مثل: الأسد وما دونه 115، ويدخل في ذلك الذئب، والنمر، والفهد 116، والكلب.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير 117.

وأكل السباع من الفريسة ليس بشرط للتحريم، إذ يكفي فرسه إياه وقتله في تحريمه 118.

الحكمة من تحريم السباع: كان العرب في الجاهلية يأكلون بعض فرائس السباع، ولكنه مما تأنفه أكثر الطباع، وأكثر الناس يعدّ أكله ذلة ومهانة، وإن كانوا لا يخشون منه ضررًا 119.

قال المراغي رحمه الله: «ولا يحرم عليكم ما ذكيتموه بفعلكم مما يقبل التذكية، ويكفي في صحة إدراك ذكاة ما ذكر أن يكون فيه رمق من الحياة بأن يطرف بعينه، أو يضرب بذنبه» 120.

10.ما ذبح على النصب.

وهى حجارة كانت حول الكعبة عددها ثلاثمائة وستون حجرًا 121، وفيها وجهان: أحدهما: وما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، والثاني: وما ذبح للنصب 122.

والحكمة من التحريم: كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويعدون ذلك قربة، ومن هذا يعلم أن ما ذبح على النصب هو من جنس ما أهلّ به لغير اللّه من حيث إنه يذبح بقصد العبادة لغير اللّه تعالى، وخص بالذكر لإزالة وهم من يتوهم أنه قد يحل لقصد تعظيم البيت الحرام إذا لم يذكر اسم غير اللّه عليه، وهو من خرافات الجاهلية التي جاء الإسلام بمحوها 123.

11.القرد والكلب والفيل.

قال القرطبي في تفسيره: «قال أبو عمر يعني: ابن عبد البر: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله، ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه ... ، وقال: والكلب والفيل، وذو الناب كله عندي مثل القرد» 124.

ويضاف إلى هذه المحرمات ما حرمه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من أكل لحوم البغال، ولحوم الحمير الإنسية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، فعن جابر رضي الله عنه. قال: (حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني يوم خيبر- الحمر، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير) 125.

قال القرطبي رحمه الله: «وقد قيل: إن الحمار لا يؤكل؛ لأنه أبدى جوهره الخبيث حيث نزا على ذكر وتلوّط؛ فسمي رجسًا، قال محمد بن سيرين: ليس شيء من الدواب يعمل عمل لوط إلا الخنزير والحمار» 126.

وأما بالنسبة للحمر الأهلية، ولحوم الخيل فقد روي عن جابر بن عبد اللّه أنه قال: (نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل) 127.

قال الصنعاني: «قالت الشافعية: ويحرم ما ندب قتله كحية، وعقرب، وغراب أبقع، وحدأة وفأرة، وكل سبع ضار، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفارة والكلب العقور والحديا) 128.

وقالوا: ولأن هذه مستخبثات شرعًا وطبعًا، وفي دلالة الأمر بقتلها على تحريم أكلها نظر» 129.

ومن الحيوانات ما ليس له دم أصلًا: كالجراد، والذباب، والنمل، والنحل، والدود، والخنفساء، والصرصار، والعقرب، وذوات السموم، ونحوها، لا يحل أكلها إلا الجراد خاصة؛ لأنها من الخبائث غير المستطابة، لاستبعاد الطباع السليمة إياها، وقد قال الله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] .

واشترط المالكية تذكية الجراد، أما الجراد الميت فهو حرام عندهم 130.

وخلاصة القول: إن الله تعالى خلق الحيوانات، وبيّن للإنسان الحلال منها والحرام، ويجب على العبد امتثال أمر ربه عز وجل في تحليل ما أحل الله، وتحريم ما حرّم الله، ولا يفعل فعلة المشركين الذين ابتدعوا تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام بآرائهم الفاسدة، وتحريم الحيوانات ورد في كتاب الله تعالى، وفي السنة المطهرة.

قال تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145] .

يتبين من الآية السابقة أن الله سبحانه أمر اللّه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر المشركين أنه لا يجد فيما أوحاه اللّه إليه محرّمًا، وإنّما حرّم أربعة أشياء هي: الميتة، والدّم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير اللّه به، وغير ذلك من المحرمات التي ورد ذكرها في الكتاب والسنة لما فيها من الضّرر المادي؛ لأن لحومها خبيثة، أو المعنوي الذي يمسّ العقيدة، وعبادة اللّه.

ويجوز للمسلم عند الضرورة أن يأكل الميتة إذا غلب على ظنه الهلاك، جاء ذلك في مواضع عدة من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت