وقبل أن ننهي الكلام على ملك سليمان عليه السلام وما اختصه الله تعالى به من خصائص نذكر مسألتين لهما به ارتباط:
المسألة الأولى: كم كان عمر سليمان عليه السلام حينما أصبح ملكًا؟
يذكر المؤرخون في ذلك قولين:
الأول: إنه آل إليه الملك، وهو ابن اثنتي عشرة سنة 47.
الثاني: كان عمره اثنتين وعشرين سنة 48.
المسألة الثانية: إلى أي البلاد وصل ملك سليمان عليه السلام وما هي حدود مملكته؟
فالذي يمكن أن نجزم به أن هذا الملك كان على بني إسرائيل في فلسطين والشام إذ هي الأرض المباركة 49، والذي قد كان ورثه عن أبيه، وهذا ظاهر من قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 81] .
ووجه الاستدلال: أن حرف الجر (إلى) هنا لانتهاء الغاية في المكان 50، ويلزم من ذلك أن يوجد مكان هو ابتداء الجري منه، فتكون فلسطين هي مبدأ الرحلة والشام نهايتها، والفعل المضارع يدل على التجدد والحدوث 51، فليس هذه رحلة واحدة بل هي متكررة، ولا يمكن لملك عظيم حازم فضلًا عن نبي مؤيد بالوحي أن تكون رحلاته متجددة في التنزه، بل هي بتفقد الملك أليق وبه ألصق، فإذا تقرر ما سبق فقد امتاز ملكه عليه السلام بتسخير الريح والجن والشياطين وغير ذلك مما ذكرناه سابقًا، لا بعظم رقعة الأرض.
أما ما يذكر من أنه عليه السلام ملك الأرض كلها، فهذا قول لا دليل عليه، وظاهر قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ يرده؛ إذ كيف يكون تحت ملكه من لا يعرف خبره إلا من هدهد مع سعة مملكة سبأ وعظمها وقربها النسبي، والله أعلم.
بعد أن تكلمنا على خصائص ملك سليمان عليه السلام نذكر ثلاثة مواقف من سيرته في النقاط الآتية:
أولًا: قصة سليمان عليه السلام مع النملة:
ركب سليمان عليه السلام في تواضع لله سبحانه وجموع كثيرة من الإنس، وكانوا هم الذين يلونه، والجن بعدهم في المنزلة، أما الطير فتكون فوق رأسه، فإن كان حَرًّا أظلته منه بأجنحتها، وقد جعل لكل صنف من جنده من يكف أولهم على آخرهم؛ لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له 52.
قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] .
ثم انطلق بهذا الجيش العظيم، ولم يبين لنا سبحانه أين مقصدهم ولا جهتهم التي يقصدون؛ إذ القصة مسوقة لبيان العبرة من قصة النملة فحسب.
واصل الجيش بقيادة نبي الله سليمان سيره حتى مر بمن معه من الجن والإنس والطير على وادي النمل.
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ} [النمل: 18] .
وهذا الوادي قيل: إنه في الطائف، وقيل: إنه بالشام 53.
والذي يظهر من إضافة الوادي إلى النمل، أن هذا الوادي كثير النمل حتى كأنه مستحق للنمل دون غيرهم مما يعيش فيه 54.
وكما هي عادة النمل في النهار الانتشار لجلب رزقها، وقد جعلن لهن من يحرسهن عن أن يصل إليهن ما يضرهن؛ إذ الغالب في الوادي أن يكون مسلوكًا كما يظهر من حراسة النملة لقومها، وهنا أحست هذه النملة، فقد أدركت مجيء الجيش، وأنه لسليمان وجنوده وأدركت كثرتهم، وأن عليها وعلى النمل أن يتجنبوا الطريق، ويدخلوا مساكنهم 55.
وهنا نادت، فقالت: {يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] .
فجمعت في هذه العبارة الوجيزة أحد عشر جنسًا من صنوف الكلام.
قال الزركشي: «فجمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسًا من الكلام نادت وكنت ونبهت وسمعت وأمرت وقصت وحذرت وخصت وعمت وأشارت وعذرت؛ فالنداء: (يا) والكناية: (أي) ، والتنبيه: (ها) ، والتسمية: (النمل) ، والأمر: (ادخلوا) ، والقصص: (مساكنكم) ، والتحذير: (لا يحطمنكم) ، والتخصيص: (سليمان) ، والتعميم: (جنوده) ، والإشارة: (وهم) ، والعذر: (لا يشعرون) » 56.
فلما سمع نبي الله سليمان هذا النداء تبسم، قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} [النمل: 19] .
فإن قيل: لم تبسم نبي الله سليمان من قولها؟
ذكر المفسرون وجهين في ذلك:
الأول: إنما تبسم سرورًا بما ألهمت من حسن حاله وحال جنوده في باب التقوى والشفقة، وابتهاجًا بما خصه الله تعالى به من إدراك ما هو همس بالنسبة إلى البشر وفهم مرادها منه.
الثاني: أن يكون ذلك تعجبًا من حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى تدبير مصالحها ومصالح بني نوعها.
ورجح الألوسي الوجه الأول لمناسبته لما بعده من الدعاء الذي سأل فيه ربه أن يوفقه لشكر نعمته 57.
وبعد تبسمه عليه السلام قال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] .
قال ابن كثير: «أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي، من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك، {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} [النمل: 19] أي: عملًا تحبه وترضاه، {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] أي: إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك» 58.
وقال أبو السعود: «أي: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي واكفّه وأرتبطه بحيث لا ينفلت عنّي حتّى لا أنفكّ عن شكرك أصلًا» 59.
ثانيًا: قصة سليمان عليه السلام مع الهدهد:
تبدأ أحداث هذه القصة حينما ذهب سليمان عليه السلام يتفقد الطير؛ ليعرف من هو موجود منها ومن هو غائب، فلم ير الهدهد، فسأل عنه: لماذا لا أرى الهدهد؟ أهناك شيء يستره مما هو أكبر منه حجمًا أم هو غائب؟ 60.
قال تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل: 20] .
فلما تيقن سليمان عليه السلام من غياب الهدهد، وكان غيابًا بلا إذن كما هو ظاهر السياق توعده قائلًا: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل: 21] .
فأقسم على أن يعذبه عذابًا شديدًا، وكان تعذيبه للطير فيما ذكر نتف ريشه 61، أو ليقتلنه أو ليأتينه بسلطان بين وحجة واضحة في عذره 62.
لم يمض على الهدهد زمان طويل في غيبته، بل جاء على وجه السرعة إلى سليمان عليه السلام 63.
قال تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [النمل: 22] . فعاتبه على مغيبه، فقال معتذرًا: {فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل: 22] 64.
أي: عندي من العلم علم ما أحطت به على علمك الواسع وعلى درجتك فيه، وابتداء كلامه بذلك لترويجه عنده عليه السلام، وترغيبه في الإصغاء إلى اعتذاره واستمالة قلبه، قال: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22] .
أي: القبيلة المعروفة في اليمن بخبر خطير متيقن وشأن كبير 65، فأعلم سليمان ما لم يكن يعلمه، ودفع عن نفسه ما توعده من العذاب والذبح 66.
ثم بدأ يفصل ما أجمل فقال: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} [النمل: 23] .
أي: تتصرف بهم ولا يعترض عليها أحد 67.
وقال ابن عاشور: «وتنكير امرأة وهو مفعول أول لـ (وجدت) له حكم المبتدأ فهو كالابتداء بالنكرة إذا أريد بالنكرة التعجب من جنسها كقولهم: بقرة تكلمت، لأن المراد حكاية أمر عجيب عندهم أن تكون امرأة ملكة على قوم، ولذلك لم يقل: وجدتهم تملكهم امرأة» 68.
وقال: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] ؛ أي: وأوتيت من كل شيء يؤتاه الملوك في عاجل الدنيا مما يكون عندهم من العتاد والآلة 69.
وقال: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] أي: سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ 70.
ولكن لماذا استعظم الهدهد عرش بلقيس مع ما يشاهده من ملك سليمان؟
قال الألوسي: «واستعظام الهدهد لعرشها مع ما كان يشاهده من ملك سليمان عليه السلام إما بالنسبة إلى حالها أو إلى عروش أمثالها من الملوك، وجوز أن يكون ذلك، لأنه لم يكن لسليمان عليه السلام مثله وإن كان عظيم الملك فإنه قد يوجد لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون للملك الذي هم تحت طاعته. وأيًّا ما كان فوصفه بذلك بين يديه عليه السلام لما ذكر أولًا من ترغيبه عليه السلام في الإصغاء إلى حديثه، وفيه توجيه لعزيمته عليه السلام نحو تسخيرهًا ولذلك عقبه بما يوجب غزوها من كفرها وكفر قومها» 71.
ثم قال: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24] .
قال أبو السعود: «أي: يعبدونها متجاوزين عبادة الله تعالى، وزين لهم الشيطان أعمالهم التي هي عبادة الشمس ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي، فصدهم بسبب ذلك عن سبيل الحق والصواب؛ فإن تزيين أعمالهم لا يتصور بدون تقويم طرق كفرهم وضلالهم، ومن ضرورته نسبة طريق الحق إلى العوج، فهم بسبب ذلك لا يهتدون إليه» 72.
ثم قال: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ} [النمل: 25] .
أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من شيء من الكواكب وغيرها 73.
وقال: {الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النمل: 25] .
قال السعدي: «يعلم الخفي الخبيء في أقطار السماوات وأنحاء الأرض، من صغار المخلوقات وبذور النباتات وخفايا الصدور، ويخرج خبء الأرض والسماء بإنزال المطر وإنبات النباتات، ويخرج خبء الأرض عند النفخ في الصور وإخراج الأموات من الأرض ليجازيهم بأعمالهم» 74.
وقال: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] ؛ أي: يعلم ما يخفيه العباد، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال 75.
وقال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [النمل: 26] .
أي: لا تنبغي العبادة والإنابة والذل والحب إلا له؛ لأنه المألوه لما له من الصفات الكاملة والنعم الموجبة لذلك؛ {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] .
الذي هو سقف المخلوقات ووسع الأرض والسماوات، فهذا الملك عظيم السلطان كبير الشأن هو الذي يذل له ويخضع ويسجد له ويركع، فسلم الهدهد حين ألقى إليه هذا النبأ العظيم وتعجب سليمان كيف خفي عليه 76.
وقال الخازن: «والمقصود من هذا الكلام الرد على من يعبد الشمس وغيرها، من دون الله؛ لأنه لا يستحق العبادة إلا من هو قادر على من في السموات والأرض، عالم بجميع المعلومات، {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] أي: هو المستحق للعبادة والسجود لا غيره» 77.
وقد أحسن الهدهد في انتقاله من خبر إلى خبر، وكان سرده لذلك في غاية الترابط.
قال أبو حيان: «وما أحسن انتقالات هذه الأخبار بعد تهدد الهدهد وعلمه بذلك:
أخبر أولًا: باطلاعه على ما لم يطلع عليه سليمان، تحصنا من العقوبة بزينة العلم الذي حصل له، فتشوف السامع إلى علم ذلك.
ثم أخبر ثانيًا: بتعلق ذلك العلم، وهو أنه من سبأ، وأنه أمر متيقن لا شك فيه، فزاد تشوف السامع إلى سماع ذلك النبأ.
ثم أخبر ثالثًا: عن الملك الذي أوتيته امرأة، وكان سليمان عليه السلام قد سأل الله أن يؤتيه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده.
ثم أخبر رابعًا: ما ظاهره الاشتراك بينه وبين هذه المرأة التي ليس من شأنها ولا شأن النساء أن تملك فحول الرجال، وهو قوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] وكان سليمان له بساط قد صنع له، وكان عظيمًا.
ولما لم يتأثر سليمان للإخبار بهذا كله، إذ هو أمر دنيوي، أخبره خامسا: بما يهزه لطلب هذه الملكة، ودعائها إلى الإيمان، وإفراده بالعبادة فقال: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] » 78.
وقال ابن عاشور: «وقد جمع هذا القول الذي ألقي إلى سليمان أصول الجغرافية السياسية من صفة المكان والأديان، وصبغة الدولة وثروتها، ووقع الاهتمام بأخبار مملكة سبأ؛ لأن ذلك أهم لملك سليمان إذ كانت مجاورة لمملكته يفصل بينهما البحر الأحمر، فأمور هذه المملكة أجدى بعمله» 79.
وقال الشنقيطي: «ففي هذا السياق عشر قضايا يدركها الهدهد ويفصح عنها لنبي الله سليمان:
الأولى: إدراكه أنه أحاط بما لم يكن في علم سليمان.
الثانية: معرفته لسبأ بعينها دون غيرها، ومجيئه منها بنبأ يقين لا شك فيه.
الثالثة: معرفته لتولية المرأة عليهم مع إنكاره ذلك عليهم.
الرابعة: إداركه ما أوتيته سبأ من متاع الدنيا من كل شيء.
الخامسة: أن لها عرشًا عظيمًا.
السادسة: إدراكه ما هم عليه من السجود للشمس من دون الله.
السابعة: إدراكه أن هذا شرك بالله تعالى.
الثامنة: أن هذا من تزيين الشيطان لهم أعمالهم.
التاسعة: أن هذا ضلال عن السبيل القويم.
العاشرة: أنهم لا يهتدون» 80.
ولما فرغ الهدهد من كلامه، وأبدى عذره في غيبته، أخر سليمان أمره إلى أن يتبين له صدقه من كذب 81، فقال: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل: 27] .
ولا يتسرع سليمان في تصديقه أو تكذيبه ولا يستخفه النبأ العظيم الذي جاءه به، إنما يأخذ في تجربته، للتأكد من صحته. شأن النبي العادل والملك الحازم 82.
فكان اختباره أن يرسل لهم كتابًا مع الهدهد، وينتظر الجواب، فإن جاءه الجواب دل على صدقه وإلا فإنه يكون كاذبًا، قال: {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 28] .
أي: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، ثم تنح عنهم فكن قريبًا منهم، فانظر ماذا يردون من الجواب 83.
ثالثًا: قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ:
امتثل الهدهد أمر سليمان عليه السلام، وحمل الكتاب إلى ملكة سبأ، فوجدها في حال خلوتها، فألقاه إليها وتنحى عنها لينظر ماذا يكون جوابها عنه طاعة لمن أرسله به 84.
ففتحت الكتاب، وقرأته وعرفت محتواه 85، ثم خرجت من خلوتها إلى أشراف قومها، وأخبرت قومها بالكتاب ومحتواه: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل: 29 - 30] .
فهو كتاب مختوم حسن مضمونه وما فيه، ومن عند ملك كريم، ووصل على نهج غير معتاد 86.
فاسم سليمان عنوان الكتاب وخاتمه 87، أما مضمونه فهو تسمية الله، ثم نهاهم عن الامتناع عن إجابته؛ فإن ترك الإجابة من العلو والتكبر، وأمرهم المجيء إليه طائعين منقادين 88.
وبعد أن عرفتهم محتوى كتاب نبي الله سليمان عليه السلام، استشارتهم فيم يكون العمل وكيف يكون الرد عليه: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل: 32] .
قال الألوسي: «أي: أشيروا عليّ بما عندكم من الرأي والتدبير فيما حدث لي وذكرت لكم خلاصته، وقصدت بما ذكرت استعطافهم وتطييب نفوسهم ليساعدوها ويقوموا معها، وأكدت ذلك بقولها: {مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} ؛ أي: ما أقطع أمرًا من الأمور المتعلقة بالملك إلا بمحضركم وبموجب آرائكم، والإتيان بـ (كان) للإيذان بأنها استمرت على ذلك، أو لم يقع منها غيره في الزمن الماضي فكذا في هذا» 89.
فكان جوابهم ما جاء في قوله تعالى: {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل: 33] ؛ أي: نحن ذوو القوة على القتال، والبأس الشديد في الحرب، وأرادوا بالقوة: قوّة الأجساد وقوّة الآلات والعدد، بالبأس: النجدة والشجاعة والبلاء في الحرب، والأمر أيتها الملكة إليك في القتال وفي تركه، فانظري من الرأي ما ترين، فمرينا نأتمر لأمرك 90.
فكان ردها: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} [النمل: 34] ؛ أي إذا دخلوا بلدًا عنوة خربوه، وقصدوا من فيها من الولاة والجنود، والأشراف والكبراء فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر؛ كي يستقيم لهم الأمر 91.
وهذا القول منها تزييف لما أحست منهم من الميل إلى المقاتلة بادعائهم القوى الذاتية والعرضية، وإشعار بأنها ترى الصلح مخافة أن يتخطى سليمان خططهم فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم، ثم أن الحرب سجال لا تدري عاقبتها، فقد تكون الدائرة عليهم 92.
وكان هذا القول منها رحمها الله صائبًا؛ ولهذا صدقها الله تعالى فقال: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34] أي: كما قالت هي يفعل الملوك 93.
ثم لما قدمت لهم هذه المقدمة، وبينت لهم ما في دخول الملوك إلى أرضهم من المفسدة، أوضحت لهم وجه الرأي عندها، وصرحت لهم بصوابه 94، قالت: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35] .
قال البغوي: «أي: وإني مرسلة إليهم بهدية، والهدية هي العطية على طريق الملاطفة، وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إني مرسلة إلى سليمان وقومه بهدية أصانعه بها عن ملكي وأختبره بها أملك هو أم نبي؟ فإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف، وإن كان نبيا لم يقبل الهدية، ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه» 95.
وأما الهدية فقد ذكروا في تعيينها أقوالا مضطربة متعارضة، وذكروا من حالها ومن حال سليمان حين وصلت إليه الهدية، وكلامه مع رسلها ما الله أعلم به 96.
ولعل أقرب ما قيل في ذلك ما ذكره ابن كثير بقوله: «ذكر غير واحد من المفسرين، من السلف وغيرهم: أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت بلبنة من ذهب. والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب» 97.
أخذ رسول الملكة بلقيس الهدية، واتجه بها إلى الشام حيث كان سليمان عليه السلام، فلما وصل إليه كان جوابه ما قصه الله تعالى عنه: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36] .
قال ابن كثير: «وقال منكرًا عليهم: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟!
{فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ} أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه.
{بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف» 98.
وقال أبو السعود: « {بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} : إضراب عما ذكر من إنكار الإمداد بالمال إلى التوبيخ بفرحهم بهديتهم التي أهدوها إليه عليه الصلاة والسلام فرح افتخار وامتنان واعتداد بها» 99.
ثم أردف استنكاره لفعلهم بالتهديد فقال عليه السلام: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل: 37] .
أي: ارجع أيها الرسول إلى بلقيس وقومها فو الله لنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة لهم على مقابلتها ولنخرجنهم من سبأ أذلة بعدما كانوا فيه من العز والتمكين، وهم أسارى مهانون 100.
رجع رسول الملكة بلقيس، وأخبرها برد سليمان عليه السلام، فتجهزت للمسير إليه
إذ علمت أنه نبي ولا طاقة لها بقتاله، وقبل خروجها أحرزت عرشها، وغلقت عليه أبوابها ووكلت به حراسا ليحفظوه 101.
فلما علم سليمان عليه السلام بقدومها إليه، وخروجها من بلدها، وكان في مجلس ملكه قال: {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38] .
أي: قبل أن يأتوني طائعين مستسلمين، فإن قيل: كيف رد الهدية، وطلب إحضار عرشها؟