فهرس الكتاب

الصفحة 1300 من 2431

السياسة

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل كلمة سياسة مشتقة من الفعل ساس يسوس بمعنى: دبر أمور الناس، يقال: سست الرعية سياسة: أمرتهم ونهيتهم، وساس الأمر سياسة: قام به 1.

وسوسه القوم: جعلوه يسوسهم، وسوس الرجل أمور الناس: إذا ملك أمرهم.

والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، وهي فعل السائس، يقال: يسوس الدواب إذا قام عليها وراضها، والوالي يسوس رعيته، وسوس له أمرًا، أي: روضه وذلله 2.

وكلمة السياسة لم ترد في القرآن الكريم مطلقًا، وإنما ورد ما يدل عليها، كالملك، والتمكين والاستخلاف، حيث وردت هذه المفردات في سور المائدة والأعراف ويوسف والقصص وغيرها.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال ابن نجيم رحمه الله: السياسة هي القانون الموضوع لرعاية الآداب، والمصالح، وانتظام الأحوال 3.

وقيل: السياسة هي: استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل 4.

وقيل هي: حياطة الرعية بما يصلحها لطفًا أو عنفًا 5.

وقال البجيرمي: السياسة هي: إصلاح أمور الرعية، وتدبير أمورهم 6.

وقال النبهاني: السياسة: رعاية شؤون الناس داخليًا وخارجيًا، وتعني نظام الحكم وجهاز الدولة، وتعني علاقة الناس وعلاقة الأمة بغيرها من الأمم، وهو ما اصطلح على تسميته بالسياسة الداخلية والخارجية 7.

ويقول عبدالوهاب خلاف: إن علم السياسة الشرعية يبحث فيه عما تدبر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق مع أصول الإسلام 8.

وقد اختلفت التعريفات المعاصرة للسياسة، فعرفها المعجم القانوني بأنها: أصول أو فن إدارة الشئون العامة 9.

وعرفها معجم اللغة العربية المعاصرة بعدة تعريفات بناء على المقصود منها، أشهرها التعريف لها بالمعنى العام أنها: (سلوك الحكومات والدول ومواقفها تجاه القضايا الداخلية والقضايا المتعلقة بالدول الأخرى) 10.

الملك:

الملك لغة:

الميم واللام والكاف أصلٌ صحيح يدل على قوةٍ في الشيء وصحة. يقال: أملك عجينه، أي: قوى عجنه وشده. وملكت الشيء: قويته 11.

وملك وأملك، وملك ملكًا وإملاكًا وتمليكًا: اشتقاق ذلك من الملك، وهو القوة والشدة. والمَلِك: هو المتصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختص بسياسة الناطقين، ولهذا يقال: ملك الناس، ولا يقال: ملك الأشياء 12.

والمَلِك: اسم لكل من يملك السياسة، إما في نفسه، وذلك وبالتمكين من زمام قواه وصرفها عن هواها، وإما في غيره، سواء تولى ذلك أو لم يتول، على ما تقدم 13.

الملك اصطلاحًا:

هو حكم الناس وأمرهم ونهيهم وقيادتهم في أمورهم.

الصلة بين الملك والسياسة:

الملك فيه معنى السيطرة، والسياسة جزء منه لا تنفك عنه، بل إن الملك لا بد أن يتسم بالسياسة الحكيمة في أمور البلاد وشؤونها، ولو أن الملك لم يكن ملمًا بجوانب السياسة لم يكن موفقًا ولا مسددًا في ملكه، فالسياسة جزء من الملك، وكل ملك لا بد لقيامه من السياسة الشرعية.

الحكم:

الحكم لغة:

مشتق من الفعل: حكم يحكم حكمًا، بمعنى قضى وفصل، والحكم: القضاء في الشيء بأنه كذا أو ليس بكذا سواءٌ لزم ذلك غيره أم لا 14.

الحكم اصطلاحًا:

لا يختلف عن المعنى اللغوي؛ إذ الحكم في الاصطلاح: «القضاء بالشيء بأنه كذا أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه» 15.

الصلة بين الحُكم والسياسة:

الحكم يشمل عموم شؤون البلاد سواءً كان قضاءً أو غيره، فالحاكم يسوس أمور الناس وهو مسؤول عنهم، إلا أن العلاقة بين الحكم والسياسة، أن الحكم أخص من السياسة، والسياسة تشمله وغيره، ويمكن القول: إن كل حكم من السياسة، وليست كل سياسة حكمًا. والله أعلم.

الإمامة:

الإمامة لغة:

مصدر: أم القوم وأم بهم بمعنى: تقدمهم، والإمام ما ائتم به من رئيسٍ وغيره، والجمع أيمةٌ 16.

الإمامة اصطلاحًا:

«رياسة عامة تتضمن حفظ مصالح العباد في الدارين» 17. والإمامة ترادف مصطلح الخلافة، ويقال لولي أمر المسلمين العام: خليفة أو إمام، قال النووي: «يجوز أن يقال للإمام: الخليفة والإمام وأمير المؤمنين» 18.

الصلة بين الإمامة والسياسة:

لا شك أن الخلافة والولاية من أسس السياسة الشرعية، والخليفة والوالي لا بد أن يكون على دراية بالسياسة الشرعية؛ لتوقف أمور البلاد ومصالح العباد عليها. وعلى ذلك فالخلافة والولاية أعم من السياسة.

ذكر الله تعالى في كتابه قواعد السياسة الشرعية ومقوماتها، كالتشريع والعدل والشورى والأمانة والحرية والطاعة، ونتناول في هذا المبحث قواعد السياسة في النقاط الآتية:

أولًا: التشريع حق لله تعالى:

لما كان هذا الكون مخلوقًا مملوكًا لله تعالى، والملك الحقيقي يستلزم حق الانفراد بالتصرف، والبشر جزء من هذا الملك، لما كان الأمر كذلك: فإنه ليس من حق أي أحد غير الله أن يتصرف في ملك الله بشيء مهما يكن ذلك الشيء، إلا أن يأذن الله له بذلك التصرف 19.

وحيث إن الله هو خالقنا ورازقنا والمنعم علينا بجلائل النعم ودقائقها، فليس لنا أن نحكم لأنفسنا بالإباحة أو التحريم، إلا أن نعلم أن الله حكم لنا بها، وإلا كنا مشرعين على الله بغير علم ولا إذن منه 20.

قال الله تعالى في حكاية قول يوسف عليه السلام: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40] .

والمراد بالتشريع: هو ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة في شعبها المختلفة، لتنظيم علاقة الناس بربهم، وعلاقاتهم بعضهم ببعض، وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة 21.

قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى: 13] .

وأصل لفظة {شَرَعَ} أي: جعل طريقًا واسعة، وكثر إطلاقه على سن القوانين والأديان، فسمي الدين شريعة، فـ (شرع) هنا مستعار للتبيين 22.

المقصود من ذلك أصول الديانة وأسس التشريع التي لا تختلف فيها الشرائع 23.

فتبين هذه الآية أن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب لبيان الحق من الباطل، وبيان ما اختلف فيه الناس، وأن الواجب على الناس اتباع ما أنزل إليهم من ربهم، ورد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة، وأن من لم يتبع ذلك كان منافقًا، وأن من اتبع الهدى الذي جاءت به الرسل فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذلك حشر أعمى ضالًا شقيًا معذبًا، وأن الذين فرقوا دينهم قد برئ الله ورسوله منهم 24.

وقال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] .

أي: يتصرف في خلقه بما يشاء من أمره، لا يشركه أحد كما لا يشركه أحد في خلقه 25؛ لأن الخلق والأمر لله لا لغيره، وفي هذا تذكير من شأنه إيصالهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة 26.

وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .

وقال سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10] .

ويفهم من هاتين الآيتين الكريمتين أنه لا يجوز التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد أوضح تعالى هذا المفهوم موبخًا للمتحاكمين إلى غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مبينًا أن الشيطان أضلهم ضلالًا بعيدًا عن الحق 27، بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] .

وأشار إلى أنه لا يؤمن أحد حتى يكفر بالطاغوت 28.

وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] .

قال ابن كثير: أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس، من تحريم ما حرموا عليهم، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة، التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم، من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأقوال الفاسدة 29.

وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

قال مجاهد وغيره: نزلت فيمن أراد التحاكم إلى الطاغوت 30. ورجحه الطبري، لأنه أشبه بنسق الآيات 31.

وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم 32.

وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61] .

هذا إنكار من الله عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل: غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا 33.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1] .

أي: لا تقدموا خلاف الكتاب والسنة 34.

وهذه الآية أصل في ترك التعرض لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وإيجاب اتباعه والاقتداء به 35.

ولا يخفى أن في ارتضاء حكم غير الله، رفض شريعة الله والتحاكم إليه، وقد سمى الله كل حكم يخالف حكمه بأنه حكم الجاهلية.

قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .

ويحسن هنا الإشارة إلى سن القوانين الوضعية والأحكام العرفية والتحاكم إليها دون شرع الله، وهي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وهناك فرق بين حق التشريع وبين مخالفة تشريع الله أو حكم الله.

فأما الأول (والذي له تعلق بتوحيد الربوبية) فإن الشرك في الربوبية إما أن يكون شركًا أكبر، أو شركًا أصغر، فإن كان الأمر راجعًا إلى الجحود والاستحلال (أي: الاعتقاد) فإن صاحبه مشرك شركًا أكبر ولو وافق حكمه حكم الله، وأما ما كان دون الاعتقاد فيكون دون ذلك.

وأما مخالفة حكم الله المتعلق بتوحيد الألوهية فلا يكون شركًا 36، وإنما هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو آثم بصغيرته.

والفرق بين استحلال القلب والفعل، أن الاستحلال القلبي يكون صاحبه كافرًا، وأما الاستحلال العملي فيكون صاحبه فاسقًا.

والله تعالى ذكر أن الحكم بغير ما أنزل سبحانه منه ما يكون كفرًا، ومنه ما يكون ظلمًا، ومنه ما يكون فسقًا. والله أعلم.

ثانيًا: العدل:

العدل في اللغة: القصد في الأمور، وهو خلاف الجور، وهو أيضًا: ما قام في النفوس أنه مستقيم 37.

والمقصود فيه: المساواة بين الناس أو بين أفراد أمة، في تعيين الأشياء لمستحقها، وفي تمكين كل ذي حق من حقه، بدون تأخير، فهو مساواة في استحقاق الأشياء، وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها، فالأول هو العدل في تعيين الحقوق، والثاني هو العدل في التنفيذ.

فالعدل وسط بين طرفين هما: الإفراط في تخويل ذي الحق حقه، أي: بإعطائه أكثر من حقه، والتفريط في ذلك، أي: بالإجحاف له من حقه، وكلا الطرفين يسمى جورًا.

ويطلق لفظ العدل الذي هو التسوية، على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن، ثم توسعوا في هذا الإطلاق حتى صار يطلق على إبلاغ الحق إلى ربه، ولو لم يحصل اعتداء ولا نزاع 38.

والعدل أشرف أوصاف الملك وأقوم لدولته؛ لأنه يبعث على الطاعة ويدعو إلى الألفة، وبه تصلح الأعمال وتنمو الأموال، وتنتعش الرعية وتكمل المزية، وقد أمر الله عز وجل به الخلق وحثهم عليه 39.

والعدل يدخل في جميع المعاملات، وهو حسن في الفطرة، لأنه كما يصد المعتدي عن اعتدائه، كذلك يصد غيره عن الاعتداء عليه، كما قال تعالى: {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279] .

وإذ قد كان العدل بهذه الاعتبارات تجول في تحديده أفهام مخطئة، تعين أن تسن الشرائع لضبطه على حسب مدارك المشرعين ومصطلحات المشرع لهم، على أنها معظمها لم يسلم من تحريف لحقيقة العدل في بعض الأحوال، فإن بعض القوانين أسست بدافع الغضب والأنانية، فتضمنت أخطاء فاحشة، مثل القوانين التي يمليها الثوار بدافع الغضب على من كانوا متولين الأمور قبلهم، وبعض القوانين المتفرعة عن تخيلات وأوهام، كقوانين أهل الجاهلية والأمم العريقة في الوثنية 40.

وقد نصت آيات القرآن الكريم في غير موضع على بيان مكانة العدل وأهميته وآثاره على الفرد والمجتمع، وما يحققه من منافع دنيوية وأخروية، ومن ذلك ما يلي:

1.العدل أساس الحكم بين الناس.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] .

هذا وقد ذكر بعض المفسرين أنه ما قامت السموات والأرض إلا بالعدل، فالعدل قوام الأمور وروحها، وبفقده تفسد الأمور كلها ويختل الميزان لكل شيء.

والحكم بالعدل من لازمه معرفة العدل في كل أمر من الأمور، فإن فهمت الأمة حقيقة العدل وعرفت حدوده وضعت كل شيء في موضعه، وكان المتولون للولايات هم الكمل من الرجال والأكفاء للأعمال، فجرت تدابيرهم وأفعالهم على العدل والسداد، متجنبين للظلم والفساد، ترقت الأمة وصلحت أحوالها، وتمام ذلك في الآية الأخرى التي أمر الله فيها بطاعة ولاة الأمور، بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] 41.

ومعنى {أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} : أي تحكموا بالإنصاف والسوية، إذا قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم، أو يرضى بحكمكم، ولأن الحكم وظيفة الولاة، قيل: الخطاب لهم. {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} أي: نعم شيئًا يعظكم به، أو نعم الشيء الذي يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف، وهو المأمور به من أداء الأمانات، والعدل في الحكومات 42.

وقد اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية على أقوال.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قول من قال: هو خطاب من الله لولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقسم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] .

فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الراعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة 43.

وقد أجمع العلماء على أنه يجب على الحاكم أن يحكم بالعدل لهذه الآية، وقوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152] .

وقوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} 44 [ص: 26] .

وقد جمع في هذه الآية ما يتصل بالتكاليف فرضًا ونفلًا، وما يتصل بالأخلاق والآداب: عمومًا وخصوصًا 45.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} رواه ابن جرير 46.

2.العدل قرين الصفات الحسنة.

ورد في القرآن ما يؤكد على ارتباط العدل بغيره من الصفات الحسنة، كالإحسان إلى الخلق والعطف عليهم.

قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] .

العدل: هو الإنصاف، والإحسان إلى الناس. وعن ابن عباس: العدل: التوحيد، والإحسان: أداء الفرائض. وقيل غير ذلك 47.

والإحسان: هو معاملة بالحسنى ممن لا يلزمه إلى من هو أهلها. والحسن: ما كان محبوبًا عند المعامل به، ولم يكن لازمًا لفاعله، وأعلاه ما كان في جانب الله تعالى 48.

وهو فوق العدل، وذاك أن العدل: هو أن يعطي ما عليه، ويأخذ ماله. والإحسان: أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له. فالإحسان زائد على العدل، فتحرى العدل واجب، وتحرى الإحسان ندب وتطوع.

وعلى هذا قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125] .

ولذلك عظم الله تعالى ثواب المحسنين، فقال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] .

وقال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] .

وقال: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] 49.

3.ضرورة الصلح بين المتخاصمين بالعدل.

قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] .

فجعل الفيء إلى أمر الله غاية للمقاتلة، أي: يستمر قتال الطائفة الباغية إلى غاية رجوعها إلى أمر الله، وأمر الله هو ما في الشريعة من العدل والكف عن الظلم، أي: حتى تقلع عن بغيها. وأتبع مفهوم الغاية ببيان ما تعامل به الطائفتان بعد أن تفي الباغية بقوله: {فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} والباء للملابسة، والمجرور حال من ضمير {فَأَصْلِحُوا} . والعدل: هو ما يقع التصالح عليه بالتراضي والإنصاف، وأن لا يضر بإحدى الطائفتين، فإن المتالف التي تلحق كلتا الطائفتين، قد تتفاوت تفاوتًا شديدًا فتجب مراعاة التعديل.

فيجب العدل في صورة الإصلاح، فلا يضيعوا بصورة الصلح منافع عن كلا الفريقين، إلا بقدر ما تقتضيه حقيقة الصلح من نزول عن بعض الحق بالمعروف. ثم أمر المسلمين بالعدل بقوله: {وَأَقْسِطُوا} أمرًا عامًا، تذييلًا للأمر بالعدل الخاص في الصلح بين الفريقين، فشمل ذلك هذا الأمر العام أن يعدلوا في صورة ما إذا قاتلوا التي تبغي 50.

4.العدل مطلوب مع العدو والصديق.

أمر الله تعالى المرء بالعدل في جميع أحواله، مع عدوه وصديقه، وأن لا يحمله البغض على الحيف والظلم.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .

قال الأمين الشنقيطي رحمه الله: فانظر: ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق، والأمر بأن تعامل من عصى الله فيك بأن تطيعه فيه 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت