فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 2431

يقول الإمام ابن كثير: أي: «أقبلوا على عمل ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم لتوحدوه وتعبدوه وتسبحوه بكرة وأصيلًا {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} يعني: رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر، ومخالفة الحق» 148.

ويقول الإمام الشوكاني: « {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} أي: المشركين، وقيل: الذين عقروا الناقة، ثم وصف هؤلاء المسرفين بقوله: {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} أي: ذلك دأبهم يفعلون الفساد في الأرض، ولا يصدر منهم الصلاح ألبته» 149.

لاشك أن اتباع أمر الأنبياء والمؤمنين يتبعه الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، أما اتباع أمر المنافقين والكافرين سيكون عاقبته الخسران والضلال المبين، وهذا ما بينه القرآن الكريم كما يلي:

أولًا: جزاء اتباع أمر المؤمنين والأنبياء:

1.الوصف بالفلاح.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .

جاء في تفسير الخازن: « {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ} يعني: بمحمد عليه الصلاة والسلام {وَعَزَّرُوهُ} يعني: وقروه وعظموه، وأصل التعزير: المنع والنصرة، وتعزير النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله، ودفع الأعداء عنه، وهو قوله {وَنَصَرُوهُ} يعني: على أعدائه {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} يعني: القرآن، سمي القرآن نورًا لأن به يستنير قلب المؤمن، فيخرج به من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} يعني: هم الناجون الفائزون بالهداية، أي: هم الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة» 150.

ويقول الإمام أبو زهرة: «فقد حكم الله سبحانه وتعالى على الذين قاموا بهذه الصفات -ومن بين تلك الصفات اتباع أمر النبي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بأنهم الفائزون في الدنيا باتباع الحق، وأن حياتهم كلها فاضلة، وأن تكون حياتهم في الآخرة نعيمًا مقيمًا، ورضوانًا من الله العزيز الحكيم، وهو أكبر الفوز العظيم؛ ولذا قال تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} والإشارة إلى الصفات يفيد أنها علة الحكم وسببه، أي: بسبب هذه الصفات ينالون الفلاح في الدنيا والآخرة؛ لأن الهداية والاستقامة فلاح لا يدركه إلا من استقامت إلى الحق نفوسهم» 151.

ونظير ذلك قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل: عمران 104] .

قلت: فلاشك أن الإيمان بالنبي يتبعه تنفيذ ما أمر به، ومن جملة ما أمر به الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالإيمان بالرسول وما يقتضيه ذلك من اتباع أمره يكون لصاحبه الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة.

2.نيل الأجر العظيم.

قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] .

يقول الإمام البغوي: يعني: ومن يفعل هذه الأشياء التي ذكرها -وهي الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس- ابتغاء مرضاة الله، أي: طلب رضاه، وخرج عنه من فعل ذلك رياء أو ترؤسًا فسوف نؤتيه في الآخرة {أَجْرًا عَظِيمًا} قرأ أبو عمرو وحمزة:) يؤتيه (بالياء، يعني: يؤتيه الله، وقرأ الآخرون بالنون، أي: ثوابًا كثيرًا واسعًا. و(سوف) هنا لتأكيد الوقوع في المستقبل 152.

3.نيل الرحمة من الله.

قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .

يقول الإمام ابن كثير: أي: سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات، والتي منها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} أي: من أطاعه أعزه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين {حَكِيمٌ} في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، والسين في قوله: {سَيَرْحَمُهُمُ} مدخلة في الوعد مهلةً لتكون النفوس تتنعم برجائه، وفضله تعالى زعيم بالإنجاز، والإشارة للدلالة على أن ما سيرد بعد اسم الإشارة صاروا أحرياء به من أجل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة 153.

4.البشرى من الله.

قال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] .

ذكر الله تعالى في هذه الآية تسعة أوصاف للمؤمنين، الستة الأولى منها تتعلق بمعاملة الخالق، والوصفان السابع والثامن يتعلقان بمعاملة المخلوق، والوصف التاسع يعم القبيلين 154.

فمن ضمن أوصاف المؤمنين: أن ينتشر ويبرز المجتمع الفاضل الذي يقوم على الأمر بالمعروف، أي: كل ما هو معروف لا تنكره العقول السليمة، والنهي عن كل أمر تنكره العقول السليمة، فإن المجتمع الفاضل ظل لكل خلق سليم ينمو في ظله الوارف؛ ولذا كانت أمة محمد أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيه أناس يدعون الناس إلى الرشد والهدى، وينهونهم عن الفساد والردى، فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 110] 155.

وقال البيضاوي: « {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} يعني: وبشر به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل -والتي من بينها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-، ووضع المؤمنين موضع ضمير (هم) للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم، وللإيذان بخروجه عن حد البيان، كأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام، وتعبير الكلام» 156. أو بشر أيها الرسول المؤمنين المتصفين بهذه الصفات -ومن بينهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر- بخيري الدنيا والآخرة، وخصت تلك الخلال بالذكر لأن بها تكون المحافظة على حدود الله 157.

ثانيًا: جزاء اتباع أمر الجبابرة والمسرفين ما يلي:

1.العذاب الأليم.

كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] .

يقول الإمام ابن كثير: «فلما تكبروا عن الحق، واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: موجع مهين» 158.

والفاء في {فَبَشِّرْهُمْ} فاء الجواب المستعملة في الشرط، دخلت على خبر (إن) لأن اسم (إن) وهو موصول تضمن معنى الشرط، إشارة إلى أنه ليس المقصود قومًا معينين، بل كل من يتصف بالصلة فجزاؤه أن يعلم أن له عذابًا أليمًا. واستعمل (بشرهم) في معنى أنذرهم تهكمًا، وحقيقة التبشير: الإخبار بما يظهر سرور المخبر (بفتح الباء) وهو هنا مستعمل في ضد حقيقته؛ إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب، وهو موجب لحزن المخبرين، فهذا الاستعمال في الضد معدود عند علماء البيان من الاستعارة، ويسمونها تهكمية؛ لأن تشبيه الضد بضده لا يروج في عقل أحد إلا على معنى التهكم أو التمليح 159.

2.الأغلال ونار جهنم.

يقول تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33] .

قال الإمام الطبري: «قوله: {وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: وغلت أيدي الكافرين بالله» 160، والأغلال: هي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم 161 في جهنم، يقول جل ثناؤه: ما يفعل الله ذلك بهم إلا ثوابًا لأعمالهم الخبيثة التي كانوا في الدنيا يعملونها، ومكافأة لهم عليها، كل بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38] .

أي: إنما نجازي الفريقين وأمثالهم، كل بحسب عمله، وبسبب ما اقترفه من الشرك بالله والإثم، فللقادة عذاب يناسبهم، وللأتباع عذاب آخر يلائمهم، ولا ظلم ولا تحامل، كما جاء في آية أخرى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] .

ومما لا شك فيه أن القادة إلى الضلال أسوأ من الأتباع، فهم الذين يستحقون مضاعفة العذاب وأليم العقاب، ولكن يشاركهم الأتباع في هذا العذاب؛ لأنهم عطلوا نعمة العقل والوعي، وقلدوا غيرهم تقليدًا أعمى، وكان جديرًا بهم أن يتحرروا من ربقة التقليد، فكانت عقائدهم فاسدة، وأعمالهم سيئة كقادتهم، فاستحقوا جميعًا التخليد في عذاب جهنم، وبئس المصير 162.

3.العذاب المهين.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 37] .

لقد ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية من الأحوال المذمومة ثلاثًا: أولها- كون الإنسان بخيلًا وهو المراد بقوله: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} وثانيها: كونهم آمرين لغيرهم بالبخل، وهذا هو النهاية في حب البخل، وهو المراد بقوله: {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} وثالثها: قوله: {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} فيوهمون الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية عن الله تعالى، ولا يرضى بالقضاء والقدر، وهذا ينتهي إلى حد الكفر؛ فلذلك قال: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} ومن قال: الآية مخصوصة باليهود فكلامه في هذا الموضع ظاهر؛ لأن من كتم الدين والنبوة فهو كافر، ويمكن أيضًا أن يكون المراد من هذا الكافر من يكون كافرًا بالنعمة، لا من يكون كافرًا بالدين والشرع 163.

فهناك: توعد للمؤمنين الباخلين من توعد الكافرين بأن جعل الأول عدم المحبة، والثاني عذابًا مهينًا، أي: قد هيأنا من غاية قهرنا، وانتقامنا للكافرين لنعمنا كفرانًا ناشئًا عن محض النفاق والشقاق، عذابًا طردًا وحرمانًا مؤلمًا، وتخذيلًا وإذلالًا مهينًا 164.

4.الوصف بالفسق.

كما قال: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] .

إن المنافقين هم الفاسقون هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير، وكفى المسلم زاجرًا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف به المنافقون حين بالغ في ذمهم، أي: أنهم الخارجون عن طريق الحق، الداخلون في طريق الضلالة، فهذا تذييل قصد به المبالغة في ذمهم، وصيغة القصر في {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} قصر ادعائي للمبالغة؛ لأنهم لما بلغوا النهاية في الفسوق جعل غيرهم كمن ليس بفاسق، والإظهار في مقام الإضمار في قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ} لزيادة تقريرهم في الذهن لهذا الحكم؛ ولتكون الجملة مستقلة حتى تكون كالمثل 165.

أوضح القرآن الكريم أوامر إبليس لعنه الله وذريته وعاقبة اتباعها، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:

أولًا: أوامر إبليس:

لا شك أن أوامر إبليس تتمثل في العقائد الفاسدة، والأحكام الباطلة التي تخالف منهاج الدين، ويتضح ذلك فيما يلي:

1.الأمر بتبتيك آذان الأنعام.

قال تعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ} [النساء: 119] .

البتك: القطع، والتبتيك للتكثير والتكرير، أي: لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام، وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، وجاء الخامس ذكرًا، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها، وقال آخرون: المراد أنهم يقطعون آذان الأنعام نسكًا في عبادة الأوثان، فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق، سول لهم إبليس أن هذا قربةٌ إلى الله تعالى، فهو كالأمر لهم الذي يجعل ما ليس بعبادة أصلًا عبادة، وإن ذلك تشويه لما خلق الله سبحانه وتعالى 166.

يروى في ذلك أن أبا الأحوص من الصحابة أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رث الهيئة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هل لك من مال؟) قال: نعم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا آتاك الله مالًا فلير عليك أثره) ثم قال عليه الصلاة والسلام: (هل تنتج إبل قومك صحاحًا آذانها، فتعمد إلى موسى فتشق آذانها، وتقول: هذه بحر -أي: جمع بحيرة- وتشق جلودها، وتقول: هذه صرم -جمع صريمة-) قال: أجل، قال: (كل ما آتاك الله حل، وموسى الله أحد من موساك، وساعد الله أشد من ساعدك) 167.

2.الأمر بتغيير خلق الله.

قال تعالى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119] .

يعني: بفقء عين الحامي، وإعفائه عن الركوب أو بالخصاء، وهو مباح في البهائم محظور في بني آدم، أو بالوشم، أو بنفي الأنساب واستلحاقها، أو بتغيير الشيب بالسواد، أو بالتحريم والتحليل، أو بالتخنث، أو بتبديل فطرة الله التي هي دين الإسلام؛ {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] .

وكذلك استعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالًا، ولا يوجب لها من الله سبحانه وتعالى زلفى 168.

فتغيير الخلق يشمل التغيير المادي والمعنوي، وكان كل ذلك خضوعًا لأوامر الشيطان، فكانوا بهذا أولياءه، كما قال الإمام أبو زهرة 169.

ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وأمرتهم أن يغيروا خلقي) 170.

3.الأمر بالفحشاء والمنكر.

كما قال: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268] .

يقول الإمام الرازي: «اعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة الشيطان، فقال: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} أي: يقال: إن أنفقت الأجود صرت فقيرًا، فلا تبال بقوله، فإن الرحمن يعدكم مغفرة منه ... ، ثم قال: أما قوله: (الفحشاء) ففيه وجوه، الأول: أن الفحشاء هي البخل {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} أي: ويغريكم على البخل إغراء الأمر للمأمور.

الوجه الثاني: في تفسير الفحشاء، وهو أنه يقول: لا تنفق الجيد من مالك في طاعة الله؛ لئلا تصير فقيرًا، فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك زاد الشيطان، فيمنعه من الإنفاق في الكلية حتى لا يعطي لا الجيد ولا الرديء، وحتى يمنع الحقوق الواجبة، فلا يؤدي الزكاة، ولا يصل الرحم، ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا سقط وقع الذنوب عن قلبه، ويصير غير مبال بارتكابها، وهناك يتسع الخرق، ويصير مقدامًا على كل الذنوب؛ وذلك هو الفحشاء» 171.

وقال الإمام ابن كثير: « {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} أي: مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم، ومخالفة الأخلاق» 172.

ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] .

وهذه الآية بيان لعداوته، ووجوب التحرز عن متابعته، واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيهًا لرأيهم، وتحقيرًا لشأنهم، والسوء والفحشاء ما أنكره العقل، واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين، فإنه سوء لاغتمام العاقل به، وفحشاء باستقباحه إياه.

وقيل: السوء يعم القبائح، والفحشاء ما يتجاوز الحد في القبح من الكبائر.

وقيل: الأول ما لا حد فيه، والثاني: ما شرع فيه الحد، فالسوء ما يسوء صاحبه ويخزيه، والفحشاء يعني بها المعاصي، وما قبح من قول أو فعل 173.

وقال الإمام ابن كثير: «أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فدخل في هذا كل كافر، وكل مبتدع أيضًا» 174.

ونظير ذلك قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [: 21] .

ثانيًا: عاقبة اتباع أوامر إبليس وذريته في الدنيا والآخرة:

يتمثل في الخسران المبين في الدارين، كما قال تعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء: 119] .

قال البيضاوي: «يعني: {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ} بإيثاره ما يدعو إليه على ما أمر الله به ومجاوزته عن طاعة الله سبحانه وتعالى إلى طاعته، {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} إذا ضيع رأس ماله، وبدل مكانه من الجنة بمكان من النار، فهذا الخسران في غاية الظهور والرداءة بما تعطيه صيغة الفعلان» 175.

فمن يوالي الشيطان فيطيعه مع أنه متمرد عن الحق، داعٍ إلى الشر، ويترك الحق وأمر الله، فإنه بهذا يخسر خسرانًا واضحًا، يخسر الحق فلا يتبعه، ويرتكب الشر، ويترك المعقول إلى المرذول، ويمسخ فطرة الله تعالى، وتنحرف نفسه، ويلتوي تفكيره، وتشوه إنسانيته؛ وذلك خزي في الدنيا ووراءه عذاب في الآخرة، وأي: خسارة أعظم من هذه الخسارة وأوضح منها 176.

وهكذا يتبين لنا: أن طاعة الله تعالى تفيد المنافع العظيمة الدائمة، الخالصة عن شوائب الضرر، وطاعة الشيطان تفيد المنافع القليلة المنقطعة، المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها العذاب الدائم، وهذا هو الخسار المطلق؛ وتلك خسارة لا جبر لها، ولا استدراك لفائتها 177.

موضوعات ذات صلة:

الحرام، الحلال

1 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 88.

2 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/ 137، لسان العرب، ابن منظور،4/ 27.

3 المحصول، الرازي،3/ 17، الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، 2/ 140.

4 التعريفات، ص 37.

5 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبد الباقي ص 78 - 79.

6 انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 172.

7 انظر: المفردات، الراغب، 1/ 827، المصباح المنير، الفيومي،3/ 629.

8 انظر: التعريفات، الجرجاني، 1/ 248.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت