فهرس الكتاب

الصفحة 2284 من 2431

فالنور: هو محمد صلى الله عليه وسلم، والهدى، أو النور الذي يبين الأشياء، ويري الأبصار حقيقتها، فمثل ما أوتي به النبي صلى الله عليه وسلم في القلوب في بيانه، وكشفه الظلمات كمثل النور. وقيل: الإسلام، والكتاب المبين: القرآن، فإنه المبين 29.

2.الإيمان.

ومثله في قوله تعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ? مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَ?كِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ? وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?52?) [الشورى: 52] .

قال ابن عباس: يعني الإيمان، وقال السدي: يعني القرآن 30.

ومثله أيضًا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى? رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ? نُورُهُمْ يَسْعَى? بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ? إِنَّكَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?8?) [التحريم: 8] .

فقد أمر الله بالتوبة النصوح في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات، ودخول الجنات، والفوز والفلاح، حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه، ويتمتعون بروحه وراحته، ويشفقون إذا طفئت الأنوار، التي لا تعطى المنافقين، ويسألون الله أن يتمم لهم نورهم فيستجيب الله دعوتهم، ويوصلهم ما معهم من النور واليقين إلى جنات النعيم، وجوار الرب الكريم، وكل هذا من آثار التوبة النصوح 31.

3.الهداية.

فقد أطلق القرآن الكريم لفظ النور على معنى الهداية واليقين، والعلم والإيمان، كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الحديد: 9] .

أي: حججًا واضحات، ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات ظاهرات تدل أهل العقول على صدق كل ما جاء به، وأنه حق اليقين، {لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} ، أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة، إلى نور الهدى واليقين، ومن ظلمات الجهل والكفر، إلى نور العلم والإيمان، وهذا من رحمته بكم ورأفته، حيث كان أرحم بعباده من الوالدة بولدها 32.

وذكر الشعراوي رحمه الله في خواطره عند قوله تعالى: {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور: 35] .

فقال: لم يتركنا الحق سبحانه وتعالى في النور الحسي فقط، إنما أرسل إلينا نورًا آخر على يد الرسل، هو نور المنهج الذي ينظم لنا حركة الحياة، كأنه تعالى يقول لنا: بعثت إليكم نورًا على نور، نور حسي، ونور قيمي معنوي، وإذا شهدتم أنتم بأنَّ نوري الحسي ينير لكم السموات والأرض، وإذا ظهر تلاشت أمامه كل أنواركم، فاعلموا أن نور منهجي كذلك يطغى على كل مناهجكم، وليس لكم أن تأخذوا بمناهج البشر في وجود منهج الله.

وقوله تعالى: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} أي: لنوره المعنوي نور المنهج ونور التكاليف، والكفار لم يهتدوا إلى هذا النور، وإن اهتدوا إلى النور الحسي في الشمس والقمر وانتفعوا به، وأطفأوا له مصابيحهم، لكن لم يكن لهم حظ في النور المعنوي، حيث أغلقوا دونه عيونهم وقلوبهم وأسماعهم، فلم ينتفعوا به. وكان عليهم أن يفهموا أن نور الله المعنوي مثل نوره الحسي لا يمكن الاستغناء عنه، لذلك جاء في أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهد في غيره أضله الله) . والعجيب أن العبد كلما توغل في الهداية ازداد نورًا على نور، كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] .

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] 33.

مهمة أنبياء الله ورسله، وورثتهم في الأمة من الأئمة والدعاة والعلماء، إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45 - 46] .

قال سيد قطب رحمه الله: {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} ، لا إلى دنيا، ولا إلى مجد، ولا إلى عزة قومية، ولا إلى عصبية جاهلية، ولا إلى مغنم، ولا إلى سلطان أو جاه. ولكن داعيا إلى الله، في طريق واحد يصل إلى الله {بِإِذْنِهِ} ، فما هو بمبتدع، ولا بمتطوع، ولا بقائل من عنده شيئًا. إنما هو إذن الله له، وأمره لا يتعداه. {وَسِرَاجًا مُنِيرًا} ، يجلو الظلمات، ويكشف الشبهات، وينير الطريق، نورًا هادئًا هاديًا كالسراج المنير في الظلمات. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من النور. جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود، ولعلاقة الوجود بالخالق، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله، ويقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه؛ وللمنشأ والمصير، والهدف والغاية، والطريق والوسيلة. في قول فصل، لا شبهة فيه، ولا غموض. وفي أسلوب يخاطب الفطرة خطابًا مباشرًا، وينفذ إليها من أقرب السبل، وأوسع الأبواب، وأعمق المسالك والدروب 34.

وقد سعى الأعداء لإطفاء نور الله تعالى.

قال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8] .

وقال أيضًا: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] .

قال الرازي: اعلم أن المقصود منه بيان نوع ثالث من الأفعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود والنصارى، وهو سعيهم في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعه وقوة دينه، والمراد من النور: الدلائل الدالة على صحة نبوته، وهي أمور كثيرة جدًّا.

أحدها: المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده، فإنَّ المعجز إمَّا أن يكون دليلًا على الصدق أو لا يكون، فإن كان دليلًا على الصدق، فحيث ظهر المعجز لا بد من حصول الصدق، فوجب كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقًا، وإن لم يدلَّ على الصدق قدح ذلك في نبوة موسى وعيسى عليهما السلام.

وثانيها: القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم مع أنه من أول عمره إلى آخره ما تعلم وما طالع، وما استفاد، وما نظر في كتاب، وذلك من أعظم المعجزات.

وثالثها: أن حاصل شريعته تعظيم الله والثناء عليه، والانقياد لطاعته، وصرف النفس عن حبَِّ الدنيا، والترغيب في سعادات الآخرة. والعقل يدلُّ على أنه لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه.

ورابعها: أنَّ شرعه كان خاليًا عن جميع العيوب، فليس فيه إثبات ما لا يليق بالله، وليس فيه دعوة إلى غير الله، وقد ملك البلاد العظيمة، وما غير طريقته في استحقار الدنيا، وعدم الالتفات إليها، ولو كان مقصوده طلب الدنيا لما بقي الأمر كذلك.

فهذه الأحوال دلائل نيرة وبراهين قاهرة في صحة قوله، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة، وأنواع كيدهم ومكرهم، أرادوا إبطال هذه الدلائل، فكان هذا جاريًا مجرى من يريد إبطال نور الشمس بسبب أن ينفخ فيها، وكما أن ذلك باطل وعمل ضائع، فكذا ههنا، فهذا هو المراد من قوله: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} .

ثم إنه تعالى وعد محمدًا صلى الله عليه وسلم مزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة وكمال الرتبة فقال: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} .

فإن قيل: كيف جاز أبى الله إلا كذا، ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدًا؟ قلنا: أجرى (أبى) مجرى لم يرد، والتقدير: ما أراد الله إلا ذلك، إلا أن الإباء يفيد زيادة عدم الإرادة وهي المنع والامتناع، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (وإن أرادوا ظلمنا أبينا) فامتدح بذلك، ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم، لأن ذلك يصح من القوي والضعيف، ويقال: فلان أبى الضيم، والمعنى ما ذكرناه، وإنما سمى الدلائل بالنور؛ لأن النور يهدي إلى الصواب. فكذلك الدلائل تهدي إلى الصواب في الأديان 35.

أولًا: سعي نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8] .

قال ابن عاشور: ضمير {نُورُهُمْ} عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه. وإضافة (نور) إلى ضمير (هم) مع أنه لم يسبق إخبار عنهم بنور لهم ليست إضافة تعريف، إذ ليس المقصود تعريف النور وتعيينه، ولكن الإضافة مستعملة هنا في لازم ضمير نورهم عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه. وإضافة (نور) إلى ضمير (هم) مع أنه لم يسبق إخبار عنهم بنور لهم ليست إضافة تعريف إذ ليس المقصود تعريف؛ النور وتعيينه ولكن الإضافة مستعملة هنا في لازم معناها وهو اختصاص النور بهم في ذلك اليوم، بحيث يميزه الناس من بين الأنوار يومئذ.

وسعي النور: امتداده وانتشاره. شبه ذلك باشتداد مشي الماشي وذلك أنه يحف بهم حيثما انتقلوا تنويها بشأنهم، كما تنشر الأعلام بين يدي الأمير والقائد، وكما تساق الجياد بين يدي الخليفة. وإنما خُصَّ بالذكر من الجهات الأمام واليمين؛ لأن النور إذا كان بين أيديهم تمتعوا بمشاهدته وشعروا بأنه كرامة لهم، ولأن الأيدي هي التي تمسك بها الأمور النفيسة وبها بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان والنصر. وهذا النور نور حقيقي يجعله الله للمؤمنين يوم القيامة. والباء للملابسة، ويجوز أن تكون بمعنى (عن) .

وقد تقدم نظير هذا في سورة الحديد وما ذكرناه هنا أوسع. وجملة {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} إلى آخرها حال من ضمير {نُورُهُمْ} ، وظاهره أن تكون حالًا مقارنة، أي: يقولون ذلك في ذلك اليوم، ودعاؤهم طلب للزيادة من ذلك النور، فيكون ضمير يقولون عائد إلى جميع الذين آمنوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ، أو يقول ذلك من كان نوره أقل من نور غيره ممن هو أفضل منه يومئذ، فيكون ضمير يقولون على إرادة التوزيع على طوائف الذين آمنوا في ذلك اليوم. وإتمام النور إدامته أو الزيادة منه على الوجهين المذكورين آنفا، وكذلك الدعاء بطلب المغفرة لهم هو لطلب دوام المغفرة، وذلك كله أدب مع الله وتواضع له، مثل ما قيل في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم سبعين مرة. ويظهر بذلك وجه التذييل بقولهم: {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} المشعر بتعليل الدعاء كناية عن رجاء إجابته لهم 36.

ثانيًا: تمني المنافقين الاقتباس من نور المؤمنين:

قال تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 12 - 13] .

قال الرازي: المراد من هذا اليوم هو يوم المحاسبة، واختلفوا في هذا النور على وجوه:

أحدها: قال قوم: المراد نفس النور على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كل مثاب فإنه يحصل له النور على قدر عمله وثوابه في العظم والصغر. فعلى هذا مراتب الأنوار مختلفة؛ فمنهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء له نور إلا موضع قدميه، وأدناهم نورًا من يكون نوره على إبهامه ينطفئ مرة ويتقد أخرى، وهذا القول منقول عن ابن مسعود، وقتادة وغيرهما، وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادي يوم القيامة: يا فلان ها نورك، ويا فلان لا نور لك، نعوذ بالله منه. واعلم أنا بينا في سورة النور، أن النور الحقيقي هو الله تعالى، وأن نور العلم الذي هو نور البصيرة أولى بكونه نورًا من نور البصر، وإذا كان كذلك ظهر أن معرفة الله هي النور في القيامة، فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا.

والمراد من النور ما يكون سببًا للنجاة. وإنما قال: {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} ، لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم، ووراء ظهورهم. والمراد بهذا النور الهداية إلى الجنة، كما يقال ليس لهذا الأمر نور، إذا لم يكن المقصود حاصلًا، ويقال: هذا الأمر له نور ورونق، إذا كان المقصود حاصلًا 37.

وذكر ابن أبي حاتم روايات في تفسيره للآية: منها: عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم. يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره على إبهامه يطفأ مرة ويوقد أخرى).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك) ، فقال الرجل: يا رسول الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: (هم غرٌ محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم يسعى بين أيديهم ذريتهم) 38.

وعن سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو هذا يشير إلى القبر- بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس في أمر من الله، فتبيض وجوه، وتسود وجوه.

ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر تغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه، قال: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] .

فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، و {يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} ، وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] .

فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور. فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم وقد ضرب {بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} الآية.

يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغترًّا حتى يقسم النور، ويميز الله بين المؤمن والمنافق. وبسنده عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (تبعث ظلمة يوم القيامة، فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه، حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم، فيتبعهم المنافقون فيقولون: {نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} 39.

ثالثًا: مقام الشهداء عند ربهم بما يتمتعون به من أجر ونور:

قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحديد: 19] .

قال السعدي في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} : الإيمان عند أهل السنة: هو ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فيشمل ذلك جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، فالذين جمعوا بين هذه الأمور {أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} أي: الذين مرتبتهم فوق مرتبة عموم المؤمنين، ودون مرتبة الأنبياء.

وقوله تعالى: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} كما ورد في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله) 40.

وهذا يقتضي شدة علوهم ورفعتهم، وقربهم من الله تعالى.

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .

فهذه الآيات جمعت أصناف الخلق، المتصدقين، والصديقين، والشهداء، وأصحاب الجحيم، فالمتصدقون الذين كان جُلُّ عملهم الإحسان إلى الخلق، وبذل النفع إليهم بغاية ما يمكنهم، خصوصا بالنفع بالمال في سبيل الله. والصديقون هم الذين كملوا مراتب الإيمان والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق، والشهداء هم الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالى، وبذلوا أنفسهم وأموالهم فقتلوا، وأصحاب الجحيم هم الكفار الذين كذبوا بآيات الله تعالى 41.

يتنوع المثل في القرآن الكريم إلى أنواع ثلاثة مختلفة، ويمكننا أن نطبقها على لفظ (النور) :

أولًا: المثل الظاهر:

وهو المصرح به بلفظ المثل أو التشبيه، كما في قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] .

فقد ضرب فيها للمنافقين مثلين: مثلًا بالنار، ومثلًا بالمطر.

أخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال هذا مثل ضربه الله للمنافقين كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله العزَّ كما سلب صاحب النار ضوءه {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} يقول: في عذاب، {أَوْ كَصَيِّبٍ} هو المطر، ضرب مثله في القرآن {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} يقول: ابتلاء {وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} تخويف {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} يقول: يكاد محكم القرآن يدلُّ على عورات المنافقين {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} يقول: كلما أصاب المنافقون في الإسلام عزًّا اطمأنوا، فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج: 11] 42.

ومثله أيضًا: قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35] .

ثانيًا: المثل الكامن:

وهو الذي لا يذكر فيه لفظ المثل صراحة، وإنما يفهم من السياق، وتدل ألفاظه على معنى المثل، كما في قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت