عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشكم: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله الآية، فهم قد رجعوا بغضب من الله جديد؛ لكفرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله أنزل عليه الكتاب من فضله، وكانوا لجهلهم يدعون أنهم أحق، وباءوا بغضب على غضب سابق؛ لكفرهم بالأنبياء قديمًا ولهم عذاب مهين 63.
وظهر حسد اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم في صور، منها:
الصورة الأولى: القتل، كما قال سبحانه: {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] .
فإنهم حاولوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لولا عصمة الله سبحانه وتعالى له، إذ أنهم سحروه وسمّموا له الشاة 64.
الصورة الثانية: كتمان الحق، وادعاؤهم أنه ليس بالنبي المرسل، {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] .
يخبر تعالى أنه قد تقرر عندهم -أي: علماء اليهود- وعرفوا أن محمدًا رسول الله وأن ما جاء به حق وصدق، وتيقنوا ذلك، كما تيقنوا أبناءهم بحيث لا يشتبهون عليهم بغيرهم، فمعرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وصلت إلى حد لا يشكّون فيه ولا يمترون، ولكن فريقًا منهم -وهم أكثرهم- الذين كفروا به، كتموا هذه الشهادة مع تيقنها 65.
الصورة الثالثة: العناد وكراهية تنزل الخير على محمد صلى الله عليه وسلم، {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 90] .
أي: بئس الشيء الذي باعوا به أنفسهم وبذلوها -الكفر بما أنزل الله-، وهو الكتاب المصدق لما معهم، أي أنهم اختاروا الكفر على الإيمان، وبذلوا أنفسهم فيه ... أي: أنهم كفروا لمحض العناد الذي هو نتيجة الحسد، وكراهة أن ينزل الله الوحي من فضله على من يختار من عباده، ولا بغي أقبح من بغي من يريد الحجر على الله، فلا يرضى أن يجعل الوحي في آل إسماعيل، كما جعله من قبل في آل إسحاق 66.
الصورة الرابعة: كراهية تنزل الخير على المؤمنين، {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105] .
والسبب في ذلك أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم، فيحسدونكم، وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ثم بيّن سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك، فإنه سبحانه وتعالى يختص برحمته وإحسانه من يشاء 67.
والمراد من الخير في الآية: إما الوحي، أو القرآن، أو النصرة، أو ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزايا، أو عام في أنواع الخير كلها؛ لأن المذكورين لا يودون تنزيل جميع ذلك على المؤمنين، عداوةً وحسدًا وخوفًا من فوات الدراسة وزوال الرياسة ... {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} تذييل لما سبق 68.
الصورة الخامسة: تمنيهم ردة المؤمنين عن دينهم، وعودتهم إلى دائرة الكفر ليكونوا سواء، {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109] .
إن التعبير بجملة: {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} متعلق بمحذوف وقع صفة؛ إما للحسد، أي: حسدًا كائنًا من أصل نفوسهم، فكأنه ذاتي لها، وفيه إشارة إلى أنه بلغ مبلغًا متناهيًا، وهذا يؤكد أمر التنوين إذا جعل للتكثير أو التعظيم، وإما الوداد المفهوم من {وَدَّ} ، أي: ودادًا كائنًا {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} ، وتشهّيهم لا من قبل التدبر والميل إلى الحق 69.
فهم يتمنون أن يرتد أهل الإيمان عن دينهم، ويتخلوا عن شريعة ربهم ليكونوا سواء في الباطل، إذ أنهم يشعرون؛ بل ويوقنون أن إيمان المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم يكمن فيه الخير والصلاح، وبالتالي فنار الحسد لا تهدأ إلا إن ارتد هؤلاء عن دينهم، فخسروا هذا الخير المتمثل في الإسلام والقرآن.
وقال ابن عجيبة: «يتمنون ذلك من عند أنفسهم وتشهّيهم، أي: حسدًا حاصلًا من تلقاء أنفسهم، لم يستندوا فيه إلى شبهة ولا دليل» 70.
-إن للحسد آثارًا سيئة بغيضة مذمومة، يلمس شرها عامة الناس والتعرّف على هذه الآثار أمر مهم إعمالًا لمبدأ تهذيب النفس لتتجنبه وتبتعد عن مسبباته، وبيان ذلك فيما يأتي:
1.تكبّر الحاسد على أوامر الله سبحانه وتعالى، وسخط الله عليه.
والحاسد بفعله هذا يكون مشاركًا لإبليس -اللعين- عندما تكبر على أوامر الله عز وجل رافضًا السجود لآدم عليه الصلاة والسلام حسدًا منه لأبينا آدم على النعمة، والمكانة التي حباها الله تعالى بها، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] .
قال قتادة: «حسد عدو الله إبليس آدم عليه السلام ما أعطاه من الكرامة، وقال: أنا ناري، وهذا طيني» 71.
قال ابن القيم: «الحاسد شبيه بإبليس، وهو في الحقيقة من أتباعه؛ لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس، وزوال نعم الله عنهم، كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله، وأبى أن يسجد له حسدًا، فالحاسد من جند إبليس» 72.
2.ادعاء الخيرية.
فقد ادعى إبليس الخيرية والأفضلية على آدم عليه السلام، كما في قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .
قال القرطبي: «قوله تعالى: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} أي: منعني من السجود فضلي عليه» 73. وقال الطبري: «يريد إبليس من جوابه: أنه أشد وأقوى وأفضل من آدم لفضل النار التي خلق منها، على الطين الذي خلق منه آدم» 74.
3.التسخط على قضاء الله لتفاوت الإنعام على الناس.
إن الحسد يجعل الفرد عدوًّا لنعم الله تعالى التي أنعم بها على عباده، فلسان حاله يقول: لم أنعمت هذه النعم على فلان وليس علي؟ ويكون متسخّطًا على قضاء الله سبحانه، والله تعالى يقول: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .
فالمعنى: لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن عملهم؛ لأنهم عبيد 75.
ومن هنا، فقد جعل سبحانه وتعالى الناس متفاوتين؛ لتستمر الحياة ويحصل التكامل بين البشر، وتتم سنة الابتلاء {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165] .
4.النميمة.
وهي نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر 76، أو من فرد إلى فرد، وقيل: النميمة: الوشاية، وأصل النميمة الهمس والحركة الخفيفة 77.
فظهور هذه الآفة السيئة يؤدي إلى الإضرار بالمجتمع، واضطرابه، واهتزاز أركانه، وفساده؛ لأن الحاسد والعائن إن لم يستطع التأثير بنظره وقلبه، فإنه يسلك هذا السلوك؛ ليقضي مأربه ومبتغاه، بحسده وإيقاع الفساد بين الناس، وقد نهى الشارع الحكيم عن هذه الخصلة الذميمة، وهذا الخلق الدنيء، وحذّر من عاقبة النمّام الوخيمة، {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 10 - 11] .
«أي: يمشي بالنميمة بين الناس؛ ليفسد بينهم» 78، وقوله: {مَشَّاءٍ} أي: كثير المشي، {بِنَمِيمٍ} «أي: بنقل ما قاله الإنسان في آخر وأذاعه سرًّا، لا يريد صاحبه إظهاره على وجه الإفساد للبين، مبالغ في ذلك بغاية جهده» 79.
وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام) 80.
وفي رواية: (لا يدخل الجنة قتات) 81.
5.القتل.
والحسد -هذه الصفة الذميمة المكروهة عند الناس- عندما تغلي في قلب الإنسان ونفسه، ولا يظهر أثرها العملي في المحسود، فإنها تجعل صاحبها يحرّك أعضاءه إلى جانب فكره؛ حتى يصل به الأمر إلى محاولة القتل، وهذا الأمر الجلي واضح في قصة ابني آدم عليه الصلاة والسلام حيث دفعه الحسد إلى ارتكاب جريمته في قتله أخيه.
قال تعالى في بيان هذه الحادثة: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 27 - 30] .
قال ابن عاشور: «وإنما حمله على قتل أخيه حسده على مزية القبول، والحسد أول جريمة ظهرت على الأرض» 82.
6.انتشار الحقد والضغينة.
الحسد يزرع في القلب الضيق والكراهية، ويعمي البصيرة أن تنشرح لنعم غيرها من الناس، فتتقوى بسبب ذلك عوامل الحقد، وقطع التواصل، وتقل سلامة الصدر، ويدخل الحاسد في دائرة ذوي القلوب المريضة الحاقدة البغيضة.
قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} [محمد: 29] .
قال القرطبي: «الأضغان: ما يضمر من المكروه، واختلف في معناه، قال ابن عباس: حسدهم، والمعنى أم حسبوا أن لن يظهر الله عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام» 83.
إن سلامة القلب ونقاءه تزهّد الشخص في الدنيا، بل تزيل الحسد من نفسه، كما وصف تعالى به أهل الجنة من صفاء للقلوب ونزع للغل من صدورهم، {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] .
وقال الزحيلي: «ومن نعم الله تعالى على أهل الجنة صفاء نفوسهم وسلامة صدورهم، لا يكدرهم كدر، ولا يؤلمهم ألم، ولا يحزنهم فزع، ولا يحدث بينهم شر؛ لأن الله نزع ما في صدورهم من حسد وحقد وعداوة وغل ونحوها من أمراض النفس في الدنيا» 84.
آثاره على المجتمع:
وكما أن الحسد له آثار على الفرد، فكذلك له آثار على المجتمع، فالفرد هو نواة المجتمع، وقد بيّن العلامة ابن جبرين رحمه الله آثار الحسد على المجتمع، فقال رحمه الله: «لقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من شر الحاسد في قوله: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5] .
وهذا دليل على أن له شرًّا وفيه ضررًا، ولا يتحصن منه إلا بالاستعاذة بالله تعالى؛ حيث إن الحسد من أعظم الأمراض الفتاكة بالمجتمع؛ فهو يجبر صاحبه على أصعب الأمور، ويبعده عن التقوى، فيضيق صدر الحسود، ويتفطّر قلبه إذا رأى نعمة الله على أخيه المسلم، ولقد كثر الحسد بين الأقران، والإخوان، والجيران، وكان من آثار ذلك التقاطع والتهاجر، والبغضاء والعداوة، فأصبح كل من الأخوين أو المتجاورين يتتبع العثرات، ويفشي أسرار أخيه، ويحرص على الإضرار به، والوشاية به عند من يضره أو يكيد له، ولا شك أن ذلك من أعظم المفاسد في المجتمعات الإسلامية، فإن الواجب على المسلمين أن يتحابوا، ويتقاربوا، ويتعاونوا على الخير والبر والتقوى، وأن يكونوا يدًا واحدة على أعدائهم من الكفار والمنافقين، فمتى أوقع الشيطان بينهم العداوة والبغضاء، وتمكنت من قلوبهم الأحقاد والضغائن، حصل التفرق والتقاطع، وصار كل فرد يلتمس من أخيه عثرة، أو زلة فيفشيها، ويعيبه بها، ويكتم ما فيه من الخير، ويسيء إلى سمعته» 85.
-1. تنفير الحاسد من الحسد.
إن الحسد خصلة ذميمة مكروهة لدى الناس الأتقياء الأنقياء، والله عز وجل أمرنا بالاستعاذة من الحاسد وشره (چ چ چ چ ?) [الفلق: 5] .
أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد نهى عن الحسد وحذر منه، فقال: (لا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) 86.
قال ابن حجر في شرح الحديث: «إن النهي عن التحاسد ليس مقصورًا على وقوعه بين اثنين فصاعدًا، بل الحسد مذموم، ومنهي عنه، ولو وقع من جانب واحد؛ لأنه إذا ذم مع وقوعه مع المكافأة فهو مذموم مع الإفراد بطريق الأولى» 87.
2.مباركة ما يعجبه إذا رآه.
إن مباركة الحاسد تكون بترديد ما يقرّر عظمة الله على لسانه مع استشعار ذلك بقلبه بجعله رطبًا بذكره سبحانه، وهذا من أولويات الأمور، والأسباب التي تمنع الحسد وتقضي عليه؛ لأن تفويض الأمر إلى الله تعالى من أعظم معاني عمق الإيمان.
يقول تعالى في الحث على التبريك: (? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ? ?) [الكهف: 39] .
قال الطبري: «أي هلا إذا دخلت بستانك فأعجبك ما رأيت منه قلت: ما شاء الله كان، لا قوة على ما نحاول من طاعته إلا به سبحانه» 88.
3.حث الحاسد على إفشاء السلام.
إن لإفشاء السلام ميزة طيبة في حياة الفرد من صفاء القلب وسكون النفس، ونقائها؛ لما يشكله من محاولة دائمة لتوثيق علاقات المودة والقربى بين أفراد الجماعة المسلمة.
«وإفشاء السلام والرد على التحية بأحسن منها من خير الوسائل لإنشاء هذه العلاقات وتوثيقها» 89، (? ? ? ? ? ? ? ) [النساء: 86] .
4.قراءة المحسود آيات من القرآن الكريم.
إن الله عز وجل لما أنزل القرآن الكريم جعله رحمة للناس وشفاء لقلوبهم وأبدانهم، وقد جاء في بعض آياته ما يتخذ كأوراد معالجات للأدواء وخاصة الحسد منها، مثل:
-قراءة آية الكرسي.
وهي قوله تعالى: (? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 255] .
قال القرطبي: «هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية .. ، نزلت ليلًا، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدًا فكتبها» 90.
وقال ابن الجوزي عن تفسير هذه الآية: «روى مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب 91 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله أعظم؟) قال: قلت: (? ? ? ہ ہ ہ ہ) ؛ قال فضرب على صدري: وقال: (ليهنك العلم يا أبا المنذر) » 92.
-قراءة آخر آيتين من سورة البقرة.
وهما قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 285 - 286] .
جاء في الحديث الصحيح عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) 93، وهما من قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) إلى آخر السورة، قيل معناه: «كفتاه بركة وتعوذًا من الشياطين والمضار» 94.
قال ابن حجر: «معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (كفتاه) : كفتاه كل سوء، وقيل: كفتاه شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الجن والإنس» 95، وقال ابن بطال: «إذا كان من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه، ومن قرأ آية الكرسي كان عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح، فما ظنك بمن قرأها كلها من كفاية الله له، وحرزه، وحمايته من الشيطان وغيره، وعظيم ما يدخر له من ثوابها» 96.
-قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين.
يقول الرازي في تفسير قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5] .
«من المعلوم أن الحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه، ولا يكاد يكون كذلك؛ إلا ولو تمكن من ذلك بالحيل لفعل، فلذلك أمر الله بالتعوذ منه، وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوقى ويتحرّز منه دينًا ودنيا؛ فلذلك لما نزلت فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولها؛ لكونها مع ما يليها جامعة في التعوذ لكل أمر» 97.
وقال الطبري: «أي نستعيذ بالله من شر الحاسد الذي يحسد» 98.
وقال ابن عاشور: «والغرض منها تعليم النبي صلى الله عليه وسلم كلمات للتعوذ بالله من شر ما يتقى شره من المخلوقات الشريرة، والأوقات التي يكثر فيها حدوث الشر، فعلّم الله نبيه هذه المعوذة ليتعوذ بها، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهذه السورة وأختها 99، ويأمر أصحابه بالتعوذ بهما، فكان التعوذ بهما من سنة المسلمين» 100، عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟(قل أعوذ برب الفلق) ، و (قل أعوذ برب الناس) 101، قال النووي: «في هذا الباب؛ أي باب فضل قراءة المعوذتين: فيه بيان عظم فضل هاتين السورتين» 102.
«وقد دل فعل النبي صلى الله عليه وسلم في رقية نفسه عند شكواه، وعند نومه متعوذًا بهما على عظيم البركة في الرقي بهما، والتعوذ بالله من كل ما يخشى في النوم» 103.
5.الاستعاذة بالله من الشيطان وأتباعه.
إن الاستعاذة بالله -أي: اللجوء بحماه- سلاح قوي شديد الفعالية وخاصة في جانب الشيطان، فإنك عندما تستعيذ بالله منه فإنه يخنس ويضعف أو تنعدم وسوسته لابن آدم فلا يرتكب المحظور، {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200] .
«ونزغ الشيطان: وساوسه، {يَنْزَغَنَّكَ} : يصيبنك، ويعرض لك عند الغضب وسوسة بما لا يحل، {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} أي: اطلب النجاة من ذلك بالله، فأمره تعالى أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه، والاستعاذة به» 104.
«وتأمل حكمة القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ «السميع العليم» و «حم» السجدة، وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون، ويرون بالأبصار بلفظ «السميع البصير في حم المؤمن» فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 56] .
لأن أفعال هؤلاء معاينة ترى بالبصر، وأما نزغ الشيطان، فوساوس، وخطرات يلقيها في القلب، يتعلق بها العلم، فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها، وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر، ويدرك بالرؤية» 105.
6.المحافظة على الأذكار والاستغفار.
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] .
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، فيضره شيء) 106.