فهرس الكتاب

الصفحة 2070 من 2431

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (زد في المخاطرة وامدد في الأجل) ، ثم حظر ذلك، ونسخ بتحريم القمار» 99.

وورد في عدد من كتب التفسير أن تحريم الميسر كان بعد غزوة الأحزاب 100.

والراجح في المسألة بناءً على ما ورد من روايات: القول بالتدرج في تحريم الميسر مثل الخمر.

ويدل على رجحان القول بالتدرج:

قال الطاهر ابن عاشور: «وذكر في هذه الآية الميسر عطفًا على الخمر ومخبرًا عنهما بأخبار متحدة، فما قيل في مقتضى هذه الآية من تحريم الخمر أو من التنزيه عن شربها يقال مثله في الميسر، وقد بان أن الميسر قرين الخمر في التمكن من نفوس العرب يومئذ، وهو أكبر لهو يلهون به، وكثيرًا ما يأتونه وقت الشراب إذا أعوزهم اللحم للشواء عند شرب الخمر، فهم يتوسلون لنحر الجزور ساعتئذ بوسائل قد تبلغ بهم إلى الاعتداء على جزر الناس بالنحر» 101.

والمتأمل آية سورة البقرة يجد أنها وصفت الخمر والميسر بأن فيهما إثمًا كبيرًا ومنافع للناس وأن إثمهما أكبر من نفعهما، وقد اعتمد أصحاب الفريق الأول على هذا في إفادتها تحريم الخمر والميسر، غير أن المتأمل آية سورة المائدة يجد في أسلوب تحريمها للخمر والميسر قرائن أبلغ في الدلالة، فقد وصف الخمر والميسر بأنهما رجس من عمل الشيطان، وتضمنت الأمر باجتنابها بغية الفلاح، ثم أتبعت ذلك بتعليلات تفصيلية لما يلزم الخمر والميسر من المحرمات (العداوة- البغضاء- الصد عن ذكر الله- الصد عن الصلاة) .

وذلك في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ? فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 91] .

ثم ذيلت الآية بالاستفهام المفيد للنهي بعد التهديد والوعيد، كما أن الحديث عن الانتهاء لم يرد في غير آية سورة المائدة 102.

وأيضًا إن كانت آية سورة البقرة تحتمل التأويل بين الحل والإباحة، بخلاف آية سورة المائدة، فهي صريحة في التحريم، ولا تحتمل التأويل.

قال الزجاج: «فبالغ الله في ذم هذه الأشياء فسماها رجسًا، وأعلم أن الشيطان يسول ذلك لبني آدم» 103.

وقال الواحدي: «والرجس واقع على الخمر وما ذكر بعدها، وقد قرن الله تعالى تحريم الخمر بتحريم عبادة الأوثان تغليظًا وإبلاغًا في النهي عن شربها» 104.

و «جاز في صيغة الاستفهام أن يكون على معنى النهي؛ لأن الله تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها، وإذا ظهر قبح الفعل للمخاطب، ثم استفهم عن تركه، لم يسعه إلا الإقرار بالترك، فكأنه قيل: أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما ظهر؟ فصار المنهي بقوله: (( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) في محل قد عقد عليه ذلك بإقراره، فكان هذا أبلغ في باب النهي من أن لو قيل: انتهوا ولا تشربوا» 105.

وقال الزمخشري: «أكد تحريم الخمر والميسر وجوهًا من التأكيد، منها تصدير الجملة بإنما، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ، ومنها أنه جعلهما رجسًا، كما قال تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) [الحج: 30] .

ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب، ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحًا، كان الارتكاب خيبًة ومَحْقَةً. ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والقمر- القمار-، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة، وقوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 91] ، من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون؟ أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟» 106.

كما يظهر في آيات سورة المائدة اهتمامٌ بشأن الخمر والميسر عن المنهيات والمحرمات الأخرى المذكورة (الأنصاب- الأزلام) ، بدلالة أنه خصهما بالذكر في الآية التالية: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ? فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 91] .

وكذلك ما يستفاد من اقتران الميسر والخمر بالأنصاب والأزلام من دلالة على عظم إثمهما البالغ وتساويهما مع الشرك، وهذا من مؤكدات تحريمهما بهذه الآية.

قال الزمخشري: «فإن قلت: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولًا، ثم أفردهما آخرًا؟ قلت: لأن الخطاب مع المؤمنين، وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعًا من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، فوجب اجتنابه بأسره، وكأنه لا مباينة بين من عبد صنمًا وأشرك بالله في علم الغيب، وبين من شرب خمرًا، أو قامر، ثم أفردهما بالذكر ليري أن المقصود بالذكر الخمر والميسر» 107.

كما لا يخفى ما في دلالة الآية التالية لآيات الخمر والميسر في سورة المائدة من تأكيد لتحريم الخمر والميسر في الآيات السابقة، وهو قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ? فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى? رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ?92?) [المائدة: 92] .

قال ابن العربي في تفسيرها: «وهذا تأكيد للتحريم وتشديد في الوعيد، قال: فإن توليتم فليس على الرسول إلا البلاغ فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين أما عقاب التولية والمعصية فعلى المرسل لا على الرسول» 108.

ومنها ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: (حرمت الخمر ثلاث مراتٍ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ? قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ?) [البقرة: 219] .

إلى آخر الآية، فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال: فيهما إثمٌ كبيرٌ، وكانوا يشربون الخمر، حتى إذا كان يومٌ من الأيام صلى رجلٌ من المهاجرين أم الصحابة في المغرب فخلط في قراءته، فأنزل الله فيها آيةً أغلظ منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى? حَتَّى? تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: 43] .

وكان الناس يشربون، حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيقٌ، ثم أنزلت آيةٌ أغلظ من ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?90?) [المائدة: 90] .

فقالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول الله، ناسٌ قتلوا في سبيل الله، أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا ومن عمل الشيطان فأنزل الله: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا) [المائدة: 93] .

إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم» 109.

أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ? قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) [البقرة: 219] .

فنسختها هذه الآية: (إِنَّمَا الْخَمْرُ) [المائدة: 90] 111.

قال العلامة الآلوسي: «والحق أن الآية ليست نصًّا في التحريم كما قال قتادة، إذ للقائل أن يقول: الإثم بمعنى المفسدة، وليس رجحان المفسدة مقتضيًا لتحريم الفعل، بل لرجحانه؛ ومن هنا شربها كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد نزولها، وقالوا: إنما نشرب ما ينفعنا ولم يمتنعوا حتى نزلت آية المائدة فهي المحرمة» 112.

فقد جاء في ترجمة الإمام البخاري: «باب قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?90?) [المائدة: 90] 113، ثم أورد عددًا من الأحاديث المتعلقة بتحريم الخمر.

وجاء في سنن النسائي: «باب تحريم الخمر قال الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?90?إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ? فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ?91?) [المائدة: 90 - 91] 114، ثم ساق حديث عمر رضي الله عنه المتقدم وغيره من الأحاديث المتعلقة بتحريم الخمر.

وختامًا لهذا المطلب ينبغي الإشارة إلى ملمح الإعجاز التشريعي في تدرج القرآن الكريم في تحريم الميسر، وذلك أن مرور تحريم الميسر بمراحل غرضه أن ينقل الناس من الأخف إلى الأشد تدريجيًّا، ويتضمن سياسةً تربوية ناجحة، يستفاد منها في تقنين الأحكام وتطبيقها 115.

قال الفخر الرازي: «قال القفال رحمه الله: والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب: أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بها كثيرًا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق» 116.

ثالثًا: الميسر في العصر الحاضر:

جاء حديث القرآن الكريم عن الميسر مقصورًا في لفظه على لون واحد من ألوانه، وهو الميسر في الجزور، واتفق المفسرون على شمول التحريم كل صور الميسر وأشكاله.

ولا يخفي ما في التعبير القرآني من رقي وسمو خلقي واجتماعي، كما لا يخفى ما فيه من إعجاز في عرض الحكم الشرعي.

وقد تنوعت صور الميسر عبر الأزمان والبلاد، فكما اشتهر بين العرب في الجاهلية الإيسار بالجزور، اختصت الجاهلية المعاصرة بعدد من صور الميسر وأشكاله، واتخذ بعضها شكل الميسر الخالص، واتخذ البعض شكلًا خيريًّا أو اجتماعيًّا في ظاهره، غير أنها تقصد الميسر وتدور في فلكه ودائرته.

ويمكن إجمال أهم صور الميسر المعاصرة في:

يعتبر عقد التأمين صورة تطبيقية واقعية لنظام التأمين، ويعرف بأنه: «عقد يتم بين شركة التأمين ومستأمن معين تتعهد هذه الشركة بمقتضاه بدفع مبلغ من المال، عند حدوث خطر معين، مقابل التزام المستأمن بدفع مبلغ مالي محدد» 117.

ولعقد التأمين أركان هي إجمالًا:

••الخطر المؤمن ضده: ويشبه المبيع في البيع، وهو حدث احتمالي يؤدي وقوعه إلى خسائر في الأشخاص أو الممتلكات، وهو أمر غيبي لا يعلمه إلا الله تعالى، ويتضمن معنى القمار والغرر الفاحش.

••مبلغ التأمين: ويشبه الثمن في البيع، وهو مبلغ من المال، أو إيراد مرتب، أو أي عوض مالي آخر، والأول معلوم، وفي الإيراد المرتب غرر فاحش ومقامرة، وأما العوض المالي فيحتمل العلم والجهل.

••قسط التأمين: وهو المبلغ الذي يدفعه المستأمن للشركة مقابل التعويض عن الخطر، ولا دخل له في تقديره رغم تحمله له، ولا يحق له الاعتراض، وهذا من شأنه أن يوجد حالة من عدم التراضي بين طرفي العقد، كما أنه يزيد تبعًا لحجم الخطر.

••المستأمن: وهو المؤمن له، ويكون شخصًا أو مؤسسة تطلب التأمين من أخطار مستقبلية.

••المؤمن: وغالبًا ما يتمثل في صورة مؤسسة تجارية 118.

وللتأمين تقسيمات باعتبار شكله وموضوعه، فينقسم من حيث الشكل إلى: التأمين التعاوني (التبادلي) ، وغرضه اجتماعي إنساني، والثاني: التأمين عن طريق قسط ثابت، وتتولاه شركات مساهمة ومؤسسات مصرفية ضخمة بغرض تحقيق أرباح وفوائد، وينقسم باعتبار موضوعه تقسيمات منها: التأمين الاجتماعي، وهو التأمين الإجباري الذي تقوم به الدول وتشرف عليه ضد أخطار معينة يتعرض لها أصحاب الحرف والمهن، والتأمين الخاص، وهو التأمين الخاص بفرد معين أو مؤسسة معينة، وإلى: تأمين الأضرار وتأمين الأشخاص 119.

والجامع بين أنواع التأمين المختلفة أن أهم خصائص وأركان عقد التأمين متوفرة في جميعها 120.

وللفقهاء حول التأمين آراء: حيث ذهب فريق إلى المنع مطلقًا، وذهب ثانٍ إلى الجواز بشرط خلوه من الربا؛ اعتمادًا على قيامه على أساس من التعاون، وذهب ثالثٌ إلى التردد بين الجواز والمنع، وذهب رابع إلى التفصيل والتمييز بين التعاوني والتجاري منه، وبين تأمين الأضرار والأشخاص 121.

وقد أشار عدد من الفقهاء والباحثين إلى أن النوع الشائع المعروف من عقود التأمين غير جائز؛ لكونه مبنيًّا على الاحتمال، بمعنى احتمال وقوع الخسارة في الوسائل أو الأدوات، وبهذا يتضمن معنى المخاطرة، كم أن فيه غررًا وجهالة، لأنه مستور العاقبة، مجهول الأجل، على الرغم من كونه ملزمًا لطرفيه، ويعتبر من عقود المعاوضات، وأدنى ما يقال فيه: إنه عقد تدور حوله الشبهات 122.

كما أشار بعضهم إلى أن نظام التكافل الاجتماعي الإسلامي يغني عن أفضل أنواع التأمين- من وجهة نظر المجيزين-، وهو التعاوني والاجتماعي، حيث لا يشترط في نظام التكافل الإسلامي اشتراك، ولا يفرق فيه بين صاحب حرفة ومهنة وبين عاطل عن العمل أو عاجز 123.

والخلاصة: إن عقود التأمين بنظامها الغربي الشائع تتضمن صورة من صور الميسر، حيث تبنى على الخطر، وتعليق المعاملات على الغيبيات.

ويقوم هذا النظام على شراء شخص كوبونًا (ورقة يانصيب) بمبلغ من المال، بغرض أن يشارك في السحب على الجائزة أيا كانت، مالًا نقديًّا، أو سيارة، أو غير ذلك، ثم يجرى السحب لاختيار أرقام معينة وهذا خاضع كلية للحظ، ويترتب على ذلك أن مشتركًا يكسب بدون جهد، ومشتركًا آخر يخسر بسبب الحظ، وهذا هو عين القمار الذى كان في الجاهلية ونهى الله عز وجل عنه وحرمه 124.

وعمليات اليانصيب من الميسر- حتى ولوكان قسم منه يذهب للفقراء-؛ لأنه مخاطرة، ولأن تمييز المستحق له من بين المشاركين بواسطة القرعة أو أي طريقة أخرى تعتمد على الحظ والمصادفة، فكل مشارك فيه مخاطر بشيء من ماله بغية تحصيل ما هو أكثر منه، فهو بين أن يفقد ما خاطر به أو أن يربح ما خاطر من أجله، وقد علق ذلك على حصول أمر لم يجعله الشارع سببًا في انتقال الأملاك؛ لأنه لم يكن من الرابح عمل يستحق عليه الأجر، ولا عوض يستحق عليه البدل 125.

قال صاحب المنار: «وأما كون هذا النوع لا يظهر فيه ما في سائر الأنواع من ضرر العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ فلأن دافعي المال فيه لا يجتمعون عند السحب، وقد يكونون في بلاد أو أقطار بعيدة عن موضعه، ولا يعملون له عملا آخر فيشغلهم عن الصلاة أو ذكر الله تعالى، كقمار الموائد المشهورة، ولا يعرف الخاسر منهم فردا أو أفرادا أكلوا ماله فيبغضهم ويعاديهم كميسر العرب وقمار الموائد ونحوه.

وكثيرًا ما يجعل (اليانصيب) لمصلحة عامة؛ كإنشاء المستشفيات والمدارس الخيرية وإعانة الفقراء، أو مصلحة دولية ولا سيما الإعانات الحربية، والحكومات التي تحرم القمار تبيح (اليانصيب) الخاص بالأعمال الخيرية العامة أو الدولية.

ولكن فيه مضار القمار الأخرى، وأظهرها أنه طريق لأكل أموال الناس بالباطل، أي: بغير عوض حقيقي من عين أو منفعة، هذا محرم بنص القرآن كما تقدم في محله.

وقد يقال: إن المال الذي يبنى به مستشفى لمعالجة المرضى، أو مدرسة لتعليم أولاد الفقراء، أو ملجأ لتربية اللقطاء لا يظهر فيه معنى أكل أموال الناس بالباطل إلا في آخذي ربح النمر الرابحة دون آخذي بقية المال من جمعية أو حكومة، وهو على كل حال ليس فيه عداوة ولا بغضاء لأحد معين، كالذي كان يغرم ثمن الجزور عند العرب، وليس فيه صد عن ذكر الله وعن الصلاة» 126.

ولقد أجمع فقهاء المسلمين على تحريم أوراق اليانصيب حتى ولو كان جزء من ثمنها يستخدم أو يوجه إلى أغراض خيرية 127.

وله صور متنوعة أشهرها عمليات بيع وشراء صوريان غرضها الاستفادة من فروق الأسعار والتغيرات في القيمة السوقية في أقصر أجل 128.

وفي الغالب تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على معاملات وهمية ورقية شكلية تقوم على الاحتمالات، ولا يترتب عليها أي مبادلات فعلية للسلع والخدمات، فهي عينها المقامرات والمراهنات التي تقوم على الحظ والقدر 129.

وقد ذهب أهل الاختصاص إلى أن حرمة المضاربة المذكورة وسائر العقود المستقبلية لتضمنها معنى الميسر، حيث إن المضاربة هي مراهنة على سعر السهم، وتنطبق عليها شروط الغرر المحرم، وبها أضرار مشابهة لأضرار الميسر والقمار، كما ثبت ضررها على المؤسسات المالية والعاملين بها والمتعاملين معها وعلى اقتصاد الدول، واعتبرها المختصون في الغرب قمارًا، وعليه فإنها صورة من صور الميسر المحرم 130.

وصورته أن تقوم بعض الشركات والمحلات والأفراد برصد جوائز ضخمة تغري جمهور المستهلكين بالشراء، أو الإكثار من الشراء بدون ضرورة معتبرة شرعًا؛ لتزداد فرصته في الحصول على المال النقدي، أو السيارة، أو المنزل، أو الرحلة السياحية ونحو ذلك، وكلما كان الشراء أكثر كانت فرصة الفوز أكبر، ثم يعطى المشتري بكل مبلغ يشترى به كوبونًا .... ، وفى ميعاد وتاريخ معين يعلن بطريق القرعة عن الفائز أو الفائزين .... فالقصد من الشراء أن يغنم بالجائزة.

ولقد اختلف الفقهاء بين مجيز وغير مجيز، فإذا لم تضيف الشركة تكلفة الجائزة ومصروفاتها إلى ثمن السلعة فهذا جائز، أما إذا حملت الشركة المستهلك بتلك التكلفة فهذا غير جائز، وهذا ما يحدث فعلًا 131.

وملخصه أن يقوم الشخص بشراء خدمة موقع على الإنترنت ويدفع مبلغًا من المال، ويغري آخرين بعملية الشراء، فإذا بلغ من أغراهم تسعة يستحق له جائزة مبلغًا من المال وهكذا، وكل فرد يحاول بكافة السبل المشروعة وغير المشروعة أن يغري الآخرين على الشراء ملوحًا لهم بالجائزة 132.

وتعرف هذه العملية بلعبة النصب الهرمية، ولها أسماء منها: هانك، الدولار، البنتاجونو، ومقر شركاتها في بلاد الغرب، ولا يستفيد من التعامل فيها سوى أصحاب الشركات، وتشترك هذه المعاملة مع الميسر المحرم في أمور منها: أنها تقوم على الحظ، ما تتضمنه من التحريض على شراء خدمة ليس المشتري في حاجة إليها، ولكن لغاية أخرى هي المكافأة، انتهاؤها بفريق رابح وفريق خاسر. 133

بأن تكون البضاعة مرقمة، فيدفع المشتري مبلغًا محددًا، أو يأخذ رقمًا يستلم به بضاعة أعلى مما دفع أو أقل مما دفع، كأن يدفع عشرة، ويأخذ سلعة بمائة، أو بريال، ولها أحوال تفصيلية، غالبها يدور في فلك الميسر والقمار 134.

وصورتها: أن تعلن إحدى الصحف أو القنوات عن مسابقة عن طريق الاتصال برقم معين وللفائز جائزة كبيرة.

وغالبًا ما تنطوي هذه المعاملة على تحريض وخطر وجهالة بينة، وشبهها بالميسر واضح، حيث يدور المشترك فيها الباذل للمال باتصال ونحوه بين الغنم والغرم والسلامة.

وقد عرف القمار كما مر بأنه: «المخاطرة الدائرة بين أن يغنم باذل المال أو يغرم أو يسلم» . 135

وهو البيع المجهول العاقبة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والغرر هو المجهول العاقبة، فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار» 137.

والجهل المقصود في بيوع الغرر يكون من جهة: الجهل بتعيين المعقود عليه أو تعيين العقد، أو الجهل بوصف الثمن والمثمون المبيع، أو بقدره، أو بأجله إن كان هناك أجل، أو من جهة الجهل بوجوده، أو تعذر القدرة عليه، أو من جهة الجهل بسلامته وبقائه 138.

ويوجد في مجتمعاتنا المعاصرة في صور مختلفة ومتعددة، ووسائله كذلك وفيرة، خاصة مع تقدم التقنيات ووسائل الاتصال.

وقد اشترط الفقهاء لتأثير الغرر في بطلان البيوع أن يكون كثيرًا مؤثرًا.

قال القرافي: «الغرر والجهالة - أي: في البيع - ثلاثة أقسامٍ: كثيرٌ ممتنعٌ إجماعًا، كالطير في الهواء، وقليلٌ جائزٌ إجماعًا، كأساس الدار وقطن الجبة، ومتوسطٌ اختلف فيه، هل يلحق بالأول أم بالثاني؟» 139.

وقال ابن رشدٍ: «الفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز، وأن القليل يجوز، ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر، فبعضهم يلحقها بالغرر الكثير، وبعضهم يلحقها بالغرر القليل المباح؛ لترددها بين القليل والكثير» 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت