وقد بين البرهان البقاعي طريقة تقسيم الجزور إلى عشرة أقسام بقوله: «وهيئة ما يفعلون في القمار هو أن تنحر الناقة وتقسم عشرة أجزاء فتجعل إحدى الوركين جزءًا، والورك الأخرى جزء وعجزها جزء، والكاهل جزء، والزور- وهو الصدر- جزء، والملحاة، أي: وسط الظهر ما بين الكاهل والعجز من الصلب جزء، والكتفان وفيهما العضدان جزءان، والفخذان جزءان، وتقسم الرقبة والطفاطف بالسواء على تلك الأجزاء، وما بقي من عظم أو بضعة فهو الريم، وأصله من الزيادة على الحمل، وهي التي تسمى علاوة فيأخذ الجازر، وربما استثنى بائع الناقة منها شيئًا لنفسه وأكثر ما يستثنى الأطراف والرأس» 62.
وقد رجح هذا القول الجمهور من الأدباء والمفسرين كابن قتيبة وابن عطية الأندلسي، ونصُّوا على خطأ القول الأول المنسوب للأصمعي، وتابعهم في ترجيحه العلامة عبد السلام هارون.
قال ابن قتيبة: «وكان الأصمعي يزعم أن الناقة تجزأ على ثمانية وعشرين جزءًا، وذهب في ذلك إلى حظوظ القداح، وهي ثمانية وعشرون: للفذ حظ، وللتوأم حظان، وللرقيب ثلاثة حظوظ، وللحلس أربعة حظوظ، وللنافس خمسة حظوظ، وللمسبل ستة حظوظ، وللمعلى سبعة حظوظ، فجميع هذه ثمانية وعشرون، ولو كان الأمر على ما قال الأصمعي لم يكن هناك قامر ولا مقمور، ولا فوز ولا خيبة، لأنه إذا خرج لكل امرئ قدح من هذه فأخذ حظ القدح أخذوا جميعًا تلك الأجزاء على ما اختار كل واحد منهم لنفسه، فما معنى إجالة القداح؟ وأين الفوز والغرم؟ ومن القامر والمقمور؟ وليس الأمر إلا على القول الأول» 63.
قال ابن عطية: «وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور فذكر أنها كانت على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرين قسمًا وليس كذلك» 64.
وقال البرهان البقاعي نقلًا عن صاحب الزينة: وذكر عن الأصمعي أنه قال: كانوا يقسمون الجزور على ثمانية وعشرين جزءًا: للفذ جزء، وللتوأم جزءان، وللرقيب ثلاثة أجزاء، فعلى هذا حتى تبلغ ثمانية وعشرين جزءًا؛ وخالفه في ذلك أكثر العلماء وخطؤوه، وقالوا: إذا كان ذلك كذلك وأخذ كل قدح نصيبه لم يبق هنالك غرم، فلا يكون إذًا قامر ولا مقمور، ومن أجل ذلك قالوا لأجزاء الجزور: أعشار، لأنها عشرة أجزاء، قال امرؤ القيس 65:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي
بسهميك في أعشار قلب مقتل
وقد ناقش البرهان البقاعي اعتراضهم على الأصمعي، فقال: «وقوله: لا معنى للتقامر عليها، على تقدير التجزئة بثمانية وعشرين ليس كذلك، بل تظهر ثمرته في التفاوت في الأنصباء، وذلك بأن تكون السهام وهي القداح عشرة، فإنه لما قال: إن الأجزاء تكون ثمانية وعشرين، لم يقل: إنها على عدد السهام، حتى تكون السهام ثمانية وعشرين، بل قال: إنها على عدد الفروض التي في السهام، وقد علم أنها عشرة؛ وقد صرح صاحب الزينة وغيره عن الأصمعي كما مضى، وهو ممن قال بهذا القول، فحينئذ من خرج له المعلى مثلًا أخذ سبعة أنصباء من ثمانية وعشرين، فيكون أكثر حظًّا ممن خرج له ما عليه ستة فروض فما دونها للضربات؛ وقوله: إن الرجل ربما أخذ قدحين - إلى آخره -، يبين وجهًا آخر من التفاوت، وهو أن الرجل ربما خرج له سهم واحد لاعتراض السهام وتحرفها عن سنن الاستقامة حال الخروج، وربما خرج له سهمان أو ثلاثة في إفاضة واحدة لاستقامة السهام واعتدالها للخروج، ففاز بمعظم الجزور، وذلك بأن يكون الرجال أقل من السهام، وربما خرج له أكثر من ذلك مع الوفاء للثمن بينهم على السواء، وهذا الوجه يتأتى أيضًا بتقدير أن تكون السهام والرجال على عدد الأجزاء، لانحصار العد فيمن خرج له سهام، سواء كان على عددهم أو أكثر، وانحصار الغرم فيمن لم يخرج له سهم على تقدير أن يخرج لغيره عدد من السهام؛ وبتقدير أن لا يخرج لكل واحد واحد يكون قمارًا أيضًا، لأن كل واحد منهم غير واثق بالفوز، ويكون فائدة ذلك حينئذ للفقراء، ومن قال: إن من خرج له شيء من السهام الثلاثة الأغفال يغرم، كان القمار عنده لازمًا في كل صورة بكل تقدير» 66.
ويستفاد من مناقشة البرهان البقاعي السابقة أمور:
الثالث: وذهب أصحابه إلى التوقف وعدم الجزم بعدد معين تقسم إليه الجزور، وذلك بناءً على عدم جزم العرب برأي، ونسب هذا إلى أبي عبيدة.
قال الزجاج: «وكانوا يقسمون الجزور في قول الأصمعي على ثمانية وعشرين جزءًا، وفي قول أبي عمرو الشيباني على عشرة أجزاء، وقال أبو عبيدة لا أعرف عدد الأجزاء» 70.
والجمع بين هذه الآراء أولى من إهمال بعضها وإعمال الآخر، حيث إن الجميع مبني على اجتهاد غير يقيني، بدلالة توقف أبي عبيدة في معرفة عدد الأنصباء، ولو كان نقل في المسألة أو جزم لما صارت إلى هذا الخلاف، كما يؤكد الاضطراب في المسألة تعبير بعض المفسرين 71 في شأن قسمة الجزور بلفظ: «أو» دون ترجيح لقول منهما.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: «ولم أجد علماءنا يستقصون معرفة علم هذا، ولا يدعونه كله، ورأيت أبا عبيدة أقلهم ادعاء لعلمه، قال أبو عبيدة: وقد سألت عنه الأعراب فقالوا: لا علم لنا بهذا، لأنه شيء قد قطعه الإسلام منذ جاء، فلسنا ندري كيف كانوا ييسرون» 72.
وقال البرهان البقاعي نقلًا عن عبد الغفار الفارسي: «ولهم في ذلك مذاهب ما عرفها أهل الإسلام، ولم يكن أحد من أهل اللغة على ثبت في كيفية ذلك» 73.
والأولى أن يقال: كان للعرب أكثر من طريقة في تقسيم الجزور، فأحيانًا كانوا يقسمونه إلى عشرة أقسام، وأخرى إلى ثمانية وعشرين قسمًا، وهذا ما ذهب إليه طائفة من المفسرين.
قال ابن عادل: «والجزور تقسم عند الجمهور على عدد القداح، فتقسم على عشرة أجزاء، وعند الأصمعي على عدد خطوط القداح، فتقسم على ثمانية وعشرين جزءًا، وخطأ ابن عطية الأصمعي في ذلك، وهذا عجيبٌ منه؛ لأنه يحتمل أن العرب كانت تقسمها مرةً على عشرةٍ، ومرةً على ثمانية وعشرين» 74.
وقال الطاهر بن عاشور: «ولعل كلًّا من وصفي الأصمعي وأبي عبيدة كان طريقة للعرب في الميسر بحسب ما يصطلح عليه أهل الميسر» 75.
ويقول الدكتور محمود مصطفى: «ونستطيع أن نستخلص مما تقدم أن هناك طريقتين: بسيطة، وهي طريقة صاحب الكشاف، تتم فيها العملية بجزور واحدة، ولا عول فيها، وطريقة مركبة عويصة لها صور شتى، وتحتاج إلى حساب دقيق، وهي الطريقة التي شرحها الألوسي» 76.
ويؤكد اتجاه الأستاذ الدكتور محمود مصطفى ما ورد في كتب اللغة ما نصه: «المغلق: السهم السابع في مضعف الميسر» 77.
فهذا يبين أن الميسر منه المضعف وغير المضعف، والخلاصة أن له طرقًا وصورًا متنوعة ومتعددة.
5.وصف مجلس الميسر.
تناول جمع من المفسرين 78 مجلس الميسر ما بين مفصل لأحداثه وأشخاصه، وما بين مجمل، ولا شك أن ما تقدم ذكره من متعلقات الميسر سبيل إلى إدراك خلاصة وصف مجلس الميسر، وقد لخصته من كلام الطاهر بن عاشور على النحو التالي:
ويلاحظ أن للخلاف المتقدم في تقسيم الجزور أثرًا في وصف مجلس الميسر، يعبر عنه الطاهر ابن عاشور بقوله: «فأما على الوصف الذي وصف الأصمعي أن الجزور يقسم إلى ثمانية وعشرين جزءًا، فظاهر أن لجميع أهل القدح القامرة شيئًا من أبداء الجزور، لأن مجموع ما على القداح الرابحة من العلامات ثمانية وعشرون، وعلى أهل القداح الخاسرة غرم ثمنه، وأما على الوصف الذي وصف أبو عبيدة أن الجزور يقسم إلى عشرة أبداء، فذلك يقتضي أن كل المتقامرين ليس برابح؛ لأن الربح يكون بمقدار عشرة سهام مما رقمت به القداح، وحينئذ إذا نفدت الأجزاء انقطعت الإفاضة، وغرم أهل السهام الأغفال ثمن الجزور، ولم يكن لمن خرجت له سهام ذات حظوظ بعد الذين استوفوا أبداء الجزور شيءٌ إذ ليس في الميسر أكثر من جزور واحد» 83.
وربما كان الميسر على الإبل الصحاح، وليس على جزور واحدة، وهنا يجعل مكان العشر من أعشار الجزور بعيرًا 84.
ثانيًا: هل التدرج في التحريم شمل الميسر كالخمر؟
اقترن حديث القرآن الكريم عن الخمر والميسر في أكثر من موضع، فجاء السؤال عنهما معًا في آية سورة البقرة، وكانت الإجابة كذلك جامعة لهما، كما بينت مفاسدهما والنهي عنهما في سورة المائدة في أسلوب عطف واشتراك وتجاور بين الخمر والميسر.
ورغم الاتفاق حول تحريم الخمر والميسر، إلا أنه يبقى تساؤل حول اتفاق الخمر والميسر في طريقة التشريع والتحريم، من حيث التدرج عبر مراحل متتابعة.
وظاهر القرآن اتفاق الخمر والميسر في الحكم ومنهج التشريع، وهذا ما يستفيده متأمل حديث القرآن عنهما.
قال ابن الجوزي: «فأما الميسر فالقول فيه مثل القول في الخمر، إن قلنا: إن هذه الآية دلت على التحريم، فالميسر حكمها حرام أيضًا، و إن قلنا: إنها دلت على الكراهة، فأقوم الأقوال أن نقول: إن الآية التي في المائدة نصت على تحريم الميسر» 85.
وقد وقع الخلاف بين المفسرين في دلالة قوله تعالى: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) [البقرة: 219] .
على تحريم الخمر والميسر، أو على كراهتهما، وعلى هذا الخلاف بني الخلاف حول التدرج في تحريم كل من الخمر والميسر وعدمه.
وقد انقسم المفسرون في المسألة إلى فريقين:
الفريق الأول: وذهب إلى دلالة الآية على تحريم الخمر والميسر بذاتهما، اعتمادًا على التصريح بالإثم في اقترافهما، وبناءً على هذا الفهم فقد نفى أصحاب هذا الرأي التدرج في تحريم الخمر والميسر، فكلاهما قد حرم ابتداءً بآية سورة البقرة.
ونسب هذا القول إلى الحسن، ورجحه أهل النظر من الفقهاء كالجصاص، وهو قول جماعة من العلماء، وحكاه الزجاج واختاره القاضي أبو يعلى والفخر الرازي وأبو حيان الأندلسي، وظاهر اختيار البرهان البقاعي 86.
قال الجصاص: «هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر، لو لم يرد غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية، وذلك لقوله: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) [البقرة: 219] .
والإثم كله محرم بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ) [الأعراف: 33] .
فأخبر أن الإثم محرم، ولم يقتصر على إخباره بأن فيها أثمًا حتى وصفه بأنه كبير؛ تأكيدا لحظرها، وقوله: (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) لا دلالة فيه على إباحتها؛ لأن المراد منافع الدنيا، وأن في سائر الحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم، إلا أن تلك المنافع لا تفي بضررها من العقاب المستحق بارتكابها، فذكره لمنافعها غير دال على إباحتها، لا سيما وقد أكد حظرها مع ذكر منافعها بقوله في سياق الآية: (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ?) ، يعني أن ما يستحق بهما من العقاب أعظم من النفع العاجل الذي ينبغي منهما، وبما نزل في شأن الخمر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى? حَتَّى? تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: 43] .
وليس في هذه الآية دلالة على تحريم ما لم يسكر منها، وفيها الدلالة على تحريم ما يسكر منها، لأنه إذا كانت الصلاة فرضا فنحن مأمورون بفعلها في أوقاتها، فكل ما أدى إلى المنع منها فهو محظور، فإذا كانت الصلاة ممنوعة في حال السكر، وكان شربها مؤديًا إلى ترك الصلاة، كان محظورًا؛ لأن فعل ما يمنع من الفرض محظور ومما نزل في شأن الخمر مما لا مساغ للتأويل فيه قوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 90 - 91] » 87.
واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة ملخصها:
والتغليب يدل على التحريم ابتداءً. واعترض على هذا بنص الآية ذاتها أيضًا على أن فيهما منافع للناس قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ، وتلك قرينة أخرى تفيد الإباحة، فيجمع بين الدلالتين بالكراهة، كما اعترض بأنه لا يلزم من غلبة المفسدة على المصلحة الدلالة على التحريم 88.
فلما تناول التحريم الإثم، وكان الإثم من صفات الخمر والميسر ولوازمهما، وجب تحريمهما، وذلك أن الإثم قد يراد به العقاب، وقد يراد به ما يستحق به العقاب من الذنوب، وأيهما كان فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم 89.
واعترض بأن الآية الأولى لم تسم الخمر والميسر إثمًا، بل جعلت الإثم في اقترافهما، وفرق بين التعبيرين ودلالتهما.
قال ابن عطية ليس هذا النظر بجيد؛ لأن الإثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها، على ما يقتضيه هذا النظر» 90.
وقال القرطبي: «قلت: وهذا أيضا ليس بجيد، لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثمًا في هذه الآية، وإنما قال: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) ، ولم يقل: قل هما إثم كبير» 91.
وقد أجاب الفخر الرازي عن هذا الاعتراض بقوله: «فإن قيل: الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم، بل تدل على أن فيه إثمًا، فهب أن ذلك الإثم حرام، فلم قلتم: إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حرامًا؟ قلنا: لأن السؤال كان واقعًا عن مطلق الخمر، فلما بين تعالى أن فيه إثمًا، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات، فكان شرب الخمر مستلزمًا لهذه الملازمة المحرمة، ومستلزم المحرم محرم، فوجب أن يكون الشرب محرمًا» 92.
واعترض بأن مقتضى إخباره تعالى أن فيهما إثمًا كبيرًا، أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلًا ما داما موجودين، فلو كان ذلك الإثم الكبير سببًا لحرمتهما، لوجب القول بثبوت حرمتهما في سائر الشرائع، ولا تكون حاجة إلى تحريمهما ثانية 93.
وأجاب أصحاب هذا الرأي عن حكمة تتابع الآيات في بيان حكم الخمر والميسر: بأن دلالة قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ? قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ? وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ?219?) [البقرة: 219] .
تحتمل التأويل بحالة دون أخرى؛ لاشتمالها على ذكر المنافع والإثم، فيربط البعض بين المنافع والحل، ويربط الآخر بين الإثم والحرمة، كما أن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى? حَتَّى? تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) [النساء: 43] .
مخصوص بحالة الصلاة، كما يدل لفظ الآية، ومما يؤكد حالة الاحتمال وإمكانية التأويل سؤال سيدنا عمر رضي الله عنه في الخمر جوابًا شافيًا، لهذا كله كانت الحاجة ماسة إلى بيان قاطع، فجاء قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?90?إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ? فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ?91? [المائدة: 90 - 91] .
قال الجصاص: «فمن الناس من يظن أن قوله: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) لم يدل على التحريم، لأنه لو كان دالًّا لما شربوه، ولما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولما سئل عمر البيان بعده، وليس هذا كذلك عندنا، وذلك لأنه جائز أن يكونوا تأولوا في قوله: (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) جواز استباحة منافعها، فإن الإثم مقصور على بعض الأحوال دون بعض، فإنما ذهبوا عن حكم الآية بالتأويل، وأما قوله: إنها لو كانت حرامًا لما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على شربها، فإنه ليس في شيء من الأخبار علم النبي صلى الله عليه وسلم بشربها ولا إقرارهم عليه بعد علمه، وأما سؤال عمر رضي الله عنه بيانًا بعد نزول هذه الآية، فلأنه كان للتأويل فيه مساغ، وقد علم هو وجه دلالتها على التحريم، ولكنه سأل بيانًا يزول معه احتمال التأويل، فأنزل الله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) الآية [المائدة: 90] » 94.
الفريق الثاني: وذهب إلى إثبات التدرج في تحريم الخمر والميسر، حيث جعلوا دلالة آية سورة البقرة على كراهة الخمر والميسر وذمهما، واعتبارها بذلك تمهيدًا لمرحلة تالية من مراحل التدرج في التحريم 95.
وقد نسب هذا القول لقتادة رحمه الله، وهو المشهور، ونسب لابن عباس رضي الله عنه، وعليه جمهور المفسرين، ورواه السدي عن أشياخه، وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد ومقاتل، وهو رأي جمهور المفسرين 96.
قال الماوردي: «واختلفوا في هذه الآية هل كان تحريم الخمر بها أو بغيرها؟ فقال قوم من أهل النظر: حرمت الخمر بهذه الآية، وقال قتادة وعليه أكثر العلماء: أنها حرمت بآية المائدة» 97.
وبناءً على هذا الرأي فقد «حرم الميسر مع الخمر على مراحل،» وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم عقوبة الميسر التعزير، ولكن لا يعلم أن أحدًا عوقب على لعب الميسر قبل نزول التحريم، ولا يعلم أن نصًّا من نصوص التحريم كان له أثر رجعي، ومن ثم يمكن القول بأن النصوص التي حرمت الخمر والميسر لم يكن لها أثر رجعي» 98.
ويمكن أن يستخلص مما سبق أن تحريم الميسر مر بمراحل ثلاث هي:
المرحلة الأولى: مرحلة الإباحة، وكانت قبل نزول آية سورة البقرة.
المرحلة الثانية: مرحلة الكراهة، وذلك بعد نزول آية سورة البقرة، حيث أفادت الإباحة مع الكراهة.
المرحلة الثالثة: مرحلة التحريم، وذلك بعد نزول آية سورة المائدة.
قال الكيا الهراسي: «وكانت المخاطرة في أول الإسلام مباحة، حتى خاطر أبو بكر المشركين، حتى نزلت: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) [الروم: 1 - 2] .