فهرس الكتاب

الصفحة 1794 من 2431

الفواحش

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (فحش) : تدل على قبحٍ في شيءٍ وشناعةٍ 1.

و «الفحش والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال» 2.

يقال: فحش الأمر فحشًا: جاوز حده، فهو فاحشٌ، وفحش القول أو الفعل فحشًا وفحاشةً: اشتد قبحه، والفاحشة مؤنث الفاحش القبيح الشنيع من قولٍ أو فعلٍ، والجمع: فواحش 3.

وقيل: «المتفحش الذي يتكلف سب الناس ويتعمده، والفحش والفاحشة هو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي» 4.

والفاحش: السيئ الخلق المتشدد البخيل 5.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الجرجاني: «الفاحشة هي التي توجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة» 6.

قال ابن فارس: «كل شيءٍ جاوز قدره فهو فاحشٌ، ولا يكون ذلك إلا فيما يتكره» 7.

وقال الراغب: فَحُشَ فلانٌ: صار فاحشًا، والمتفحش الذي يأتي بالفُحش» 8.

قال ابن الأثير: «وكثيرًا ما ترد الفاحشة بدلالة الزنا، ويسمى الزنا فاحشةً» 9.

وقال الغزالي: «الفحش: هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة، وأكثر ذلك في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه، وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل يكنون عنها ويدلون عليها بالرموز؛ فيذكرون ما يقاربها ويتعلق بها» 10.

وردت مادة (فحش) في القرآن الكريم (24) مرة 11.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الاسم ... 24 ... {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام:151]

وجاءت الفاحشة في القرآن الكريم على أربعة أوجه 12:

الأول: المعصية: ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} [الأعراف: 28] يعني: المعصية.

الثاني: الزنا: ومنه قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: 15] يعني الزنا.

الثالث: اللواط: ومنه قوله تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) } [العنكبوت: 28] يعني: إتيان الرجال.

الرابع: نشوز المرأة: ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19] يعني: العصيان والنشوز 13.

الإثم:

الإثم لغةً:

هو الذنب 14، وقيل: أن يعمل ما لا يحل له.

الإثم اصطلاحًا:

الإثم: استحقاق العقوبة 15. والإثم ما يجب التحرر منه شرعًا وطبعًا.

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} [البقرة:206] .

الصلة بين الفاحشة والإثم:

أن كل فاحشةٍ إثمٌ، وأن فاعلهما يستحق العقوبة في الدنيا والعذاب في الآخرة.

الذنب:

الذنب لغةً:

الإثم والجرم والمعصية، وعلى هذا يكون الذنب مرادفًا للإثم والفاحشة.

الذنب اصطلاحًا:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

الصلة بين الفاحشة والذنب:

أن الفاحشة والذنب كليهما يشعران المرتكب لهما بالخزي والبعد عن رضا الله.

الزنا:

الزنا لغة:

الزنا معناه الفجور، يقال: زنا يزني زنًا: فجر.

الزنا اصطلاحًا:

عرفه الحنفية بأنه وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهته».

الصلة بين الفاحشة والزنا:

الزنا إحدى الفواحش التي يعاقب فاعلها في الدنيا والآخرة.

المنكر:

المنكر لغةً:

خلاف المعروف، والمنكر: الأمر القبيح، وأنكرت عليه فعله إذا عبته ونهيته 16.

المنكراصطلاحًا:

ما ليس فيه رضا الله من قولٍ أو فعلٍ، وهو ما أنكره الشرع بالنهي عنه، وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها، وقيل: هو الشرك.

الصلة بين الفاحشة والمنكر:

أن المنكر أعم من الفاحشة؛ لأنه يعم جميع المعاصي والرذائل.

الكبائر:

الكبائر لغة:

الكبائر جمع كبيرةٍ، وهي لغةً: الإثم.

الكبائر اصطلاحًا:

كل ذنبٍ عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدده، أو عظم ضرره في الوجود، وهي ما كان حرامًا محضًا شرع عليه عقوبة محضة بنصٍ قاطعٍ في الدنيا والآخرة 17.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ} [الشورى:37] .

{كَبَائِرَ الْإِثْمِ} هي الآثام العظيمة التي نهى الشرع عنها، وتوعد فاعلها بعقاب الآخرة، نحو القذف، وقيل: «الكبائر هي كل ما توعد فيه بالنار، وقال الضحاك: أو كان فيه حدٌّ من الحدود. وقال علي وابن عباس: هي كل ما ختمه الله بنارٍ أو غضبٍ أو لعنةٍ أو عذابٍ» 18.

لا يختلف العقلاء في أن الله سبحانه وتعالى جعل من أجل مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان في هذا النظام، ويشمل صلاح عقله وصلاح عمله، ومن يقولون بغير ذلك فلا خلاق لهم.

قال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) } [الإسراء:43] .

بيد أن حصول الأخطاء وارد على الناس كافة، وهذه طبيعة من تكوين البشر، ومن الناس من يقر بالخطأ ويتوب إلى الله؛ فيتقبل الله توبته؛ وجاء في الحديث «عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) 19.

ومن الناس من يجيد تبرير الأخطاء، فكل خاطئ يبرر ما شاء له أن يبرر، ومن ثم يلقون باللائمة والخطأ على الغير، فترى هؤلاء الكفرة يدعون على الله الكذب ويقولون على الله ما لا يعلمون.

قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) } [الأعراف:28] .

قيل: (فاحشة) : «كانت النساء تطوف بالبيت عراة عليهن الرهاط» وفي الطبري: «كانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا. فتضع المرأة على قبلها النسعة» 20.

فتلك الفاحشة التي وجدوا عليها آباءهم الطواف عرايا، ثم جاء الرد من الله فقد كذبهم الله؛ لأن الله لا يأمر بالقبيح من الأفعال.

قال القرطبي: «الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة، وقال الحسن: هي الشرك والكفر، واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم، وبأن الله أمرهم بها، وقالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه. {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} بين أنهم متحكمون، ولا دليل لهم على أن الله أمرهم بما ادعوا» .

وفيه كشف لباطل الكافرين، ونقض لدعواهم أن الله أمرهم بتلك الفواحش، ومما يدحض كذبهم أن الله طيب لايقبل إلا طيبًا، وفي الحديث: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) 21.

وقال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [النحل:81] .

قال القرطبي: «قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} يعني: القمص، واحدها سربال، قوله تعالى: {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} يعني: الدروع التي تقي الناس في الحرب» .

فقد ذكر الله النعمة التي اختصهم بها، وهي ملابس تقيهم الحر، ثم بين نعمته عليهم بلبس الدروع التي تقيهم الجرح من السيف أو الرمح.

وقال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] .

قال القرطبي: «قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ} هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا، فإنه عام في كل مسجد، لأن العبرة للعموم لا للسبب.

وقال تعالى: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل:90] .

الفحشاء: الفحش، وهو كل قبيح من قول أو فعل، قال ابن عباس: هو الزنا. والمنكر ما أنكره الشرع بالنهي عنه، وهو يعم جميع المعاصي: الرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها، وقيل: هو الشرك، والبغي هو الكبر والظلم والحقد والتعدي، وحقيقته تجاوز الحد، وهو داخل تحت المنكر، ولكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره.

قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف:33] .

قال: «لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت وعَيَّرهم المشركون نزلت هذه الآية، والفواحش: الأعمال المفرطة في القبح {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} نكاح الأمهات في الجاهلية {وَمَا بَطَنَ} الزنا، وقيل: سرها وعلانيتها» .

وقال الزمخشري: « {الْفَوَاحِشَ} : ما تفاحش قبحه، أي: تزايد، وقيل: هي ما يتعلق بالفروج» 22.

تتعدد أنواع الفواحش التي يوسوس بها الشيطان للإنسان، فالشيطان لا ييأس من محاولة إغواء الإنسان ليقع فيما حرم عليه، ويتسرب إليه من خلال الشهوات الحيوانية الدنيئة والرذائل والقاذورات التي نهى الله عنها ليحيا المجتمع نقيًّا طاهرًا منها، وهي: (الزنا، واللواط، البذاءة، والقذف) ، وغيرها مما ينكره الطبع السليم.

قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام:151] .

في الآية الكريمة نهي عن مقاربة أو ملابسة جميع أنواع الفواحش، وهي المعاصي، وقيل: «قوله تعالى: {مَا ظَهَرَ} نهي عن جميع أنواع الفواحش، وهي المعاصي، و {وَمَا بَطَنَ} ما عقد عليه القلب من المخالفة، وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له الأشياء» ؛ لأن الله تعالى قد أمر خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه، وذلك سره وعلانيته، والإثم كل ما عصي الله به من محارمه، وقد يدخل في ذلك سر الزنا وعلانيته وكل معصية لله فيها أمر باجتنابها، فيكون الأمر عاما بالنهي عن كل ما ظهر أو بطن من الفواحش.

والفاحشة: الفعلة الشديدة السوء، بهذا غلب إطلاقها، والجمع الفواحش، وتشمل:

قال تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء:15] .

الفاحشة في هذا الموضع الزنا، بدليل قوله تعالى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} ، فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعي وسترا على العباد.

والزنا: الوطء في قبل خال عن ملك وشبهة.

لا شك أن الزنا فاحشة من أبشع الفواحش التي نهى الإسلام عنها وتوعد من يقترفها بالعذاب الشديد؛ لأنها تؤدي إلى اختلاط الأنساب التي حفظها الإسلام، كما أنها تؤدي إلى كشف العورات التي أمرنا الله تعالى بسترها وعدم الاقتراب منها.

قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) } [الإسراء:32] .

قال الزمخشري: « {فَاحِشَةً} قبيحة زائدة على حد القبح، {وَسَاءَ سَبِيلًا} وبئس طريقا طريقه، وهو أن تغضب على غيرك امرأته أو أخته أو ابنته من غير سبب» 23.

في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) 24.

فآفة الزنا فاحشة حرم إتيانها، ونهى الله عن الاقتراب منها في آيات القرآن الكريم والحديث الشريف.

والإسلام حرم الانحراف عن السلوك القويم الذي يمثل خروجا عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وشرع العلاج لمن يرتكب الفاحشة وينتهك المحارم حتى ينتهي عن ذلك، ووضع لها الحدود الرادعة التي تتناسب وخطورة الذنب وقاية للمجتمع من الضياع والفساد.

وقد حرم الله الزنا لمنع الإفساد واختلاط الأنساب، وجعل حد الزنا قاسيا لما يصيب المجتمع من الأمراض الأخلاقية والنفسية التي تهتك ستر المجتمع وتمزق أوصاله وتؤدي به إلى الهلاك، فكانت حكمة الله من تحريم الزنا وفرض العقوبات الرادعة لمقترفيها، فقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) } [النور:2 - 3] .

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) 25.

وقال تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم:32] .

هذ نعت للمحسنين، أي: هم الذين لا يرتكبون كبائر الإثم، وهو الشرك؛ لأنه أكبر الآثام.

والفواحش الزنا، وقال مقاتل: كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار، والفواحش كل ذنب فيه الحد، {اللَّمَمَ} : هي صغائر الذنوب التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه».

قال الزمخشري: «الكبائر» الذنوب التي لايسقط عقابها إلا بالتوبة، «والفواحش» مافحش من الكبائر 26.

وقوله تعالى: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل:90] .

قال ابن عطية: {الْفَحْشَاءِ} الزنا، قاله ابن عباس، وغيره من المعاصي التي شناعتها ظاهرة وفاعلها أبدا مستتر بها، وكأنهم خصوها بمعاني الفروج، والمنكر أعم منه؛ لأنه يعم جميع المعاصي والرذائل»

وتشمل اللواطة، كما في قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:80] .

قال ابن عطية: {الْفَاحِشَةَ} هنا إتيان الرجال في الأدبار، وروي أنه لم تكن هذه المعصية في أمم قبلهم، وأنهم كانوا يأتي بعضهم بعضًا، وروي أنهم إنما كانوا يأتون الغرباء» 27.

اللواط: إتيان الذكور في الدبر، وهو عمل قوم نبي الله لوط عليه السلام، وتعد أبغض الفواحش؛ لأنها تفسد الدين والدنيا معًا، وتهدم الأخلاق، وتمحق الرجولة، وتذهب الخير من حياة مقترفيها، ومن ثم يلحق مرتكبيها الخزي والعار؛ لأن اللواط ضرر عظيم للفرد والمجتمع، ومتى انتشرت هذه الآفة في مجتمع عاقبه الله بأمراض تنتشر فيه.

وقد بين القرآن الكريم جريمة اللواط، وما حل بقوم لوط عليه السلام الذين فعلوا الفواحش.

قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) } [النمل:54 - 55] .

وفيها ينكر الله على قوم لوط إتيانهم للفاحشة، وعدم إنكارهم لها؛ فهم يبصرون المنكر، ولا ينكرونه، وهم يأتون الرجال شهوة، ويفسدون الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، وهي استمتاع الرجل بالمرأة.

قال النحاس: «أي: وأنتم تعلمون أنها فاحشة فذلك أعظم لذنبكم. وقيل: يرى بعضكم ذلك من بعض ولا يكتمه منه. وقيل: المراد بالبصر العلم بقبح هذا الصنيع. وقيل: كانوا يتناكحون أمام أنظار المشاهدين كما تفعل الكلاب والحمير؛ فالرؤية إذًا بصرية، أي: يرى بعضهم بعضًا دون خجل ولا حياء» 28.

وقال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} [الأعراف:80 - 81] .

فهؤلاء القوم أحدثوا فاحشة استمتاع الرجال بالرجال، فأمر الله لوطا عليه السلام لما نزل بقريتهم سدوم في رحلته مع عمه إبراهيم عليه السلام أن ينهاهم، ويغلظ عليهم، والإتيان المستفهم عنه والعمل، أي: أتعملون الفاحشة؟! وكني بالإتيان على العمل المخصوص، وهي كناية مشهورة، والفاحشة: الفعل الدنيء الذميم، والمراد هنا فاحشة معروفة، فالتعريف للعهد، وأنكر عليهم إتيان الفاحشة، وعبر عنها بالفاحشة التي لم تكن معروفة في البشر.

وقوله تعالى: {مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} لتفظيع فعل هذه الفاحشة، وتسمية هذا الفعل فاحشة؛ لأنه يشتمل على مفاسد كثيرة، منها استعمال الشهوة في غير ما خلقت له؛ لأن الله خلق في الإنسان الشهوة لإرادة بقاء النوع؛ ولأن ذلك الفعل يجلب أضرارا للفاعل والمفعول بسبب استعمال محلين في غير ما خلقا له.

وقال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [العنكبوت: 28 - 29] .

قطع السبيل: الطريق، يفعلون هذا مع فساد أخلاقهم وانتكاس فطرتهم.

قال ابن كثير: «فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلا ونهارا» 29.

وقال تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) } [الشعراء:165] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} [القمر:37] .

«قوله تعالى: {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} قال أبو عبيدة: مطموسة بجلد كالوجه. وقال ابن عباس والضحاك: استعارة، وإنما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئًا، فجعل ذلك كالطمس» 30.

وقال تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) } [الأنبياء:74] .

ومما سبق من الآيات نجد أن قوم لوط، قد وصفوا بعدد من الأوصاف نوجزها فيما يلي:

أنهم جاؤوا بفعل لم يسبقوا إليه، وأنهم مسرفون في ضلاهم؛ فقد جمعوا بين الشرك والرذيلة.

وأنهم أصحاب فطرة فاسدة؛ فهم مفسدون ظالمون؛ لإتيانهم الرجال؛ ولأنهم صاروا يرون القبيح حسنا والحسن قبيحا، فهم قوم سوء فاسقون، بل قوم مجرمون فاجرون، فهم لا يتناهون عن منكر فعلوه، فقد جمعوا بين أصناف المنكرات والرذائل، وهذه الأصناف كلها تدخل في إطار الفاحشة.

وإتيان المرأة في دبرها، منهي عنه.

قال تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223] .

قال ابن عطية: «قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} قال جابر: سببها أن اليهود قالت: إن الرجل إذا أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول. وعابت على العرب ذلك، فنزلت الآية تتضمن الرد على قولهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشر كلام الناس، فنزلت الآية مبيحة الهيئات كلها، إذ كان الوطء موضع الحرث، فلفظة (الحرث) تعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة؛ إذ هو المزدرع» 31.

تحريم فاحشة اللواط: إن اللواط أفحش فاحشة وشر رذيلة، وهو شر من الزنا؛ لهذا حرمت النصوص الشرعية هذه الفاحشة، ورهبت منها ترهيبًا عظيمًا، إن الله لما ذكر الزنا:

قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) } [الإسراء:32] .

فجاءت {فَاحِشَةً} نكرة، ولما ذكر اللواط.

قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) } [النمل:54] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت