وقال الشيخ ابن عثيمين: «ومزدلفة مشعر من المشاعر، فيكون فيه ردٌّ على من قال: إن الوقوف بها سنة، والقول الثاني: أنه ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة، والقول الثالث: أنه واجب يصح الحج بدونه، ولكن يجبر بدم، وأنا أتوقف بين كونها ركنًا، وواجبًا، أما أنها سنة فهو ضعيف، لا يصح» 108.
خامسًا: أنواع النسك:
حج بيت الله الحرام يكون بأنساك ثلاثة:
فالأول: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويأتي بمناسكها، ثم يحرم بالحج من جوف مكة، ويأتي بأعماله.
ويقابله القران: وهو أن يحرم بهما معًا، ويأتي بمناسك الحج، فيدخل فيها مناسك العمرة (أي: يحج ويعتمر في إحرام واحد) .
والإفراد: بأن يأتي بالحج وحده بدون أن يكون معه عمرة (أو أن يحرم بالحج وبعد الفراغ منه بالعمرة) .
فالحاصل أن المحرمين أربعة: مفرد بالحج، ومفرد بالعمرة، والمتمتع، والقارن، فأما المفرد بالحج: أن يحج ويعتمر، والمفرد بالعمرة: أن يعتمر ولا يحج، وأما المتمتع: أن يعتمر في أشهر الحج، ويمكث بمكة حتى يحج بعدما فرغ من عمرته، وأما القارن: فهو الذي يحرم بالحج والعمرة جميعًا، فمن كان مفردًا بالحج أو بالعمرة، فلا يجب عليه الهدي، ومن كان متمتعًا، أو قارنًا فعليه الهدي.
وهذه الأنساك الثلاثة مشروعة، وقد حكى جماعات من أهل العلم الإجماع على صحتها جميعًا، قال الخطابي: «لم تختلف الأمة في أن الإفراد والقران والتمتع بالعمرة إلى الحج كلها جائزة» 109.
وقال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء في أن التمتع جائز، وأن الإفراد جائز، وأن القران جائز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي كلًّا، ولم ينكره في حجته على أحد من أصحابه، بل أجازه لهم ورضيه منهم» 110. وكذا نقل الإجماع على ذلك البغوي 111 وابن قدامة 112.
وقد ورد النص في القرآن على نسك التمتع، في قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] .
فقوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} أي: فمن انتفع بالتقرب إلى الله تعالى بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره، وقيل: من استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج، فما استيسر من الهدى أي: فعليه دم استيسر عليه بسبب التمتع، وهو دم جبران، يذبحه إذا أحرم بالحج، ولا يأكل منه عند الشافعي 113. قال أبو حيان: «وفسّر التمتع هنا بإسقاط أحد السفرين؛ لأن حق العمرة أن تفرد بسفر غير سفر الحج، وقيل: لتمتعه بكل ما لا يجوز فعله من وقت حلّه من العمرة إلى وقت إنشاء الحج» 114.
وقد أشار القرآن كذلك إلى نسكي (القران والإفراد) :
فالإفراد دل على مشروعيته عموم قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] .
فإنه يشمل بعمومه نسك الإفراد، قال الرازي: «قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} يقتضي الإفراد؛ بدليل أنه تعالى قال: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} والقارن يلزمه هديان عند الحصر، وأيضًا أنه تعالى أوجب على الخلق عند الأداء فدية واحدة، والقارن يلزمه فديتان عند الحصر ... ، فثبت أن الإفراد أقرب إلى التمام، فكان الإفراد إن لم يكن واجبًا عليكم بحكم هذه الآية، فلا أقل من كونه أفضل» 115. وقال ابن نجيم في البحر الرائق: «دليل الإفراد قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} 116.
وأيضًا فالآية اقتضت عطف العمرة على الحج، والعطف يستدعي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، والمغايرة لا تحصل إلا عند الإفراد، فأما عند القران فالموجود شيء واحد، وهو حج وعمرة، وذلك مانع من صحة العطف 117.
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] .
حيث ذكر الله أن من حجاج بيت الله من يكون متمتعًا، واسم التمتع هنا يشمل القران، مما يدل على أن من الحجاج من ليس متمتعًا، ولم يبق من الأنساك إلا الإفراد، فيدل ذلك على جواز حج الفرد وصحته.
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] .
حيث ذكر الله تعالى أن بعض المسلمين يفرض الحج في أشهره، ومما يدخل في ذلك دخولًا أوليًّا حج الإفراد؛ إذ لم يذكر تعالى في الآية عمرة مع الحج، مما يدل على جواز عقد إحرام الحج وحده.
ودليل القران: قال في البحر الرائق: «أما الأول: فقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] .
دليل الإفراد، قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] .
دليل القران، قوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] .
دليل التمتع» 118.
واختلف الناس في الأفضل من هذه الثلاثة الأنساك: فقيل: الإفراد أفضل ... ، وقيل: القران أفضل، وقيل: التمتع أفضل، وقيل: التمتع والقران أفضل من الإفراد، وقيل: أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة، لا أفضلية لبعضها على بعض 119.
أعمال الحج هي: أركان وواجبات وسنن، فالركن: ما لا يحصل التحلّل إلا بالإتيان به، والواجب: هو الذي إذا تركه يجبر بالدم، والسّنن: ما لا يجب بتركها شيءٌ.
قال النيسابوري في تفسيره: «وأركان الحج -عند الثلاثة- خمسة: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة، وحلق الرأس أو التقصير، وخالف أبو حنيفة وأصحابه في السعي، فقالوا: هو واجب، يجزي عنه الدم» 120.
وأركان الحج كلها قد ذكرت في القرآن الكريم، إما نصًّا، أو إشارة.
أولًا: الإحرام:
أشار الله تعالى إلى هذا الركن في قوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] .
ومعنى فرض: نوى وعزم، فنية الحج هي العزم عليه، وهو الإحرام، ويشترط في النية عند بعضهم مقارنتها لقول من أقوال الحج، وهو التلبية، أو عمل من أعماله، كسوق الهدي، وعند البعض: يدخل الحج بنية ولو لم يصاحب قولًا أو عملًا. قال ابن عاشور: «وهو أرجح؛ لأن النية في العبادات لم يشترط فيها مقارنتها لجزء من أعمال العبادة، ولا خلاف أن السنة مقارنة الإهلال للاغتسال والتلبية واستواء الراحلة براكبها» 121.
وقال ابن كثير: «وقوله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} أي: أوجب بإحرامه حجًّا، وفيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج، والمضي فيه، قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض هاهنا الإيجاب والإلزام» 122.
وقال الرازي: «وفرض الحج لا يمكن أن يكون عبارة عن التلبية أو سوق الهدي فإنه لا إشعار البتة في التلبية بكونه محرمًا، لا بحقيقة ولا بمجاز، فلم يبق إلا أن يكون فرض الحج عبارة عن النية، وفرض الحج موجب لانعقاد الحج» 123.
واستدل بهذه الآية الشافعي ومن تابعه على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره.
قال ابن عاشور: «قلت: لو قيل: إن فيها دلالة لقول الجمهور بصحة الإحرام بالحج قبل أشهره لكان قريبًا، فإن قوله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} دليل على أن الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة، وقد لا يقع فيها، وإلا لم يقيده» 124.
ثانيًا: الطواف:
ومن أركان الحج التي ذكرت في القرآن طواف الإفاضة، وقد نص الله عز وجل على الأمر به في كتابه، في قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] .
فقوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا} المراد: الطواف الركن، وهو طواف الإفاضة والزيارة، هكذا قال جمع كبير من المفسرين، حتى قال الطبري أنه لا خلاف بين المفسرين في ذلك، حيث قال: «وعني بالطواف الذي أمر جل ثناؤه حاج بيته العتيق به في هذه الآية، طواف الإفاضة، الذي يطاف به بعد التعريف، إما يوم النحر، وإما بعده، لا خلاف بين أهل التأويل في ذلك» 125.
وقال الشنقيطي: «وبهذا تعلم أن الله تعالى أوجب طواف الركن، بقوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وقد بيّنه صلى الله عليه وسلم بفعله» 126.
وقال: «وحجة يوم النحر أعظم أركانها طواف الإفاضة، فبدونه لا تسمى حجة؛ لأنه ركنها الأكبر المنصوص على الأمر به في كتاب الله في قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} » 127.
وقوله: {بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الباء للإلصاق. فيجب الطواف بجميع البيت، فمن سلك الحجر، أو على شاذروان الكعبة، وهي من البيت فلم يطف جميع البيت فلا يجوز 128.
ففي قوله: {بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} دليل «لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر؛ لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت، حين قصرت بهم النفقة؛ ولهذا طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم يستلم الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة؛ ولهذا قال ابن أبي حاتم ... ، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه» 129.
ثالثًا: الوقوف بعرفة:
الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، وقد ورد الإشارة إليه في قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] .
قال السعدي: «وفي قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} دلالة على أمور:
أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفًا أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف، وذكر الإفاضة من (عرفات) يقتضي سبق الوقوف به؛ لأنه لا إفاضة إلا بعد الحلول بها» 130.
وقال في اللباب: «وروي عن علقمة والنّخعي أنهما قالا: الوقوف بالمزدلفة ركنٌ بمنزلة الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} فإذا قلنا: بأن الوقوف بعرفة ركن، وليس ذكره صريحًا في الكتاب، وإنما وجب بإشارة الآية الكريمة أو بالسنة» 131.
وقال الشيخ ابن عثيمين: «لو قال قائل: إن قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} ليس أمرًا بالوقوف بها، فالجواب: أنه لم يكن أمرًا بها؛ لأنها قضية مسلمة؛ ولهذا قال تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} 132.
رابعًا: السعي بين الصفا والمروة:
سبق الكلام عن الصفا والمروة، وأنهما من شعائر الله، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] .
وفي هذه الآية مشروعية الطواف بين الصفا والمروة، ويؤخذ ذلك من كونه من شعائر الله، والظاهر أن السعي بينهما ركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به، وقال بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج، يجبر بدم، ويصح الحج بدونه، وقال آخرون: إنه سنة وليس بواجب، والقول بأنه سنة ضعيف جدًّا؛ لأن قوله تعالى: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} يدل على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي السنة فقط، الشعيرة هي طاعة عظيمة لها شأن كبير في الدين، بقي أن يكون مترددًا بين الركن والواجب، والأظهر أنه ركن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي) 133134. فالأقرب: أنه ركن، وليس بواجب.
وفي قوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} هذا تفريع على كونهما من شعائر الله، وأن السعي بينهما في الحج والعمرة من المناسك، وهو خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما.
وليس المقصد منه إباحة الطواف لمن شاء؛ لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم، وإنما المقصد منه رفع ما وقع في نفوس قوم من العرب من أن الطواف بينهما فيه حرج، وإعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غير صواب 135.
وقال القاضي أبو محمد عبد الحق: وأيضًا فإن ما في مصحف ابن مسعود يرجع إلى معنى أن يطوف، وتكون (لا) زائدة صلة في الكلام؛ كقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] .
وكقول الشاعر:
ما كان يرضى رسول اللّه فعلهم
والطّيبان أبو بكرٍ ولا عمر 136.
ولهذا أكّدت الجملة الكريمة بـ (أن) لأن بعض المسلمين كانوا مترددين في كون السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله، وكانوا يظنون أن السعي بينهما من أحوال الجاهلية، كما سبق بيانه.
وفي قوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} الجناح الإثم، وأصله من جنح إذا مال عن القصد، يقال: جنح الليل إذا مال بظلمته، وجنحت السفينة: إذا مالت إلى الأرض.
قال الله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61] .
ومنه: جناح الطائر 137.
وقوله: {أَنْ يَطَّوَّفَ} أي: يدور، واختلفوا في وجه الآية، وتأويلها، وسبب تنزيلها.
وقد جاء في سبب نزول الآية: أن الأنصار كانوا يحجون لمناة، وكانت مناة خزفًا وحديدًا، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا، فأنزلت 138.
خامسًا: حلق الرأس أو التقصير:
ومن واجبات الحج الحلق أو التقصير، وقد أشار الله تعالى إليه في قوله: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] .
وفي قوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] .
وفي قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] .
فدلت الآيات السابقة على أن من النسك في الحج حلق الرأس. قال القرطبي: «لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه» 139.
وفي قوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} دلالة أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله المحلّقين) قالوا: يا رسول الله: والمقصّرين؟ قال: (رحم الله المحلّقين) قالوا: والمقصّرين؟ فقال: (والمقصّرين) 140 في الرابعة أو الثالثة ... ، فدل دعاؤه للمحلّقين بالرحمة مرارًا: على أن الحلق نسك؛ لأنه لو لم يكن قربة لله تعالى لما استحق فاعله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالرحمة، ودل تأخير الدعاء للمقصّرين إلى الثالثة أو الرابعة: أن التقصير مفضول، وأن الحلق أفضل منه، والتقصير مع كونه مفضولًا: يجزئ بدلالة الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن الله تعالى يقول: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] .
وقد روى الشيخان وغيرهما التقصير عن جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم-.
وقد أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزئ.
وفي قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} قضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر بالحلق. قال الجوهري في صحاحه: «التفث في المناسك: ما كان من نحو قص الأظفار، والشارب وحلق الرأس، والعانة، ورمي الجمار، ونحر البدن، وأشباه ذلك» 141.
-محظورات الحج هي: ما يحرم على المحرم بسبب إحرامه، وهي: حلق الشعر، وتقليم الأظافر -قياسًا على حلق الشعر بجامع الترفه-، ولبس المخيط، والمقصود به ما يفصل على الجسد، مما صنع على قدر العضو، وتغطية الرأس، والطيب، وقتل الصيد، وعقد النكاح، والمباشرة لشهوة، فيما دون الفرج، والجماع.
وقد ذكر الله تعالى في القرآن بعض محظورات الحج، ومنها:
قال تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] .
فقوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج، وإيراد الإنشاء بصيغة الخبر أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء، كما هو مقرر في المعاني 142.
فنلحظ أنه سبحانه بعد أن قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} قال: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} فيكون ذلك تمهيدًا له، وتهوينًا لمدة ترك الرفث والفسوق والجدال لصعوبة ترك ذلك على الناس؛ ولذلك قللت بجمع القلة.
قوله: {فَلَا رَفَثَ} وقرأ عبدالله: (رفوث) وهو مصدر بمعنى: الرفث 143. واختلف في المراد بـ (الرفث) فقيل: الرفث: اللغو من الكلام، والفحش منه، قاله أبو عبيدة، واحتج بقول العجاج:
ورب أسراب حجيج كظّم
عن اللغا ورفث التّكلم
والمراد به هنا الكناية عن قربان النساء، والكناية بهذا اللفظ دون غيره لقصد جمع المعنيين الصريح والكناية، وكانوا في الجاهلية يتوقون ذلك.
قال النابغة:
حياك ربي فإنا لا يحل لنا
لهو النساء وإن الدين قد عزما
يريد من الدين: الحج، وقد فسروا قوله: لهو النساء بالغزل 144.
وقال قوم: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من أهله، وقيل: هو التعرض بمعانقة ومواعدة أو مداعبة أو غمز 145. فيكون الرفث في الأصل: الإفحاش في القول، وبالفرج الجماع، وباليد الغمز للجماع، هذا أصل اللغة. وملخص هذه الأقوال في معنى الرفث: أنها دائرة بين شيء يفسد الحج وهو الجماع، أو شيء لا يليق لمن كان ملتبسًا بالحج لحرمة الحج. فدلت الآية على النهي عن الرفث في هذه الوجوه كلها، ومن أجله حرّم العلماء ما دون الجماع في الإحرام، وأوجبوا في القبلة الدم، ومثله قوله: (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث) 146147.
وأما مغازلة النساء والحديث في شأن الجماع (المباح) فذريعة ينبغي سدها؛ لأنه يصرف القلب عن الانقطاع إلى ذكر الله في الحج.
حكم الرفث في الحج:
قال الشنقيطي: «لا خلاف بين أهل العلم: أن المحرم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفات: أن حجه يفسد بذلك، ولا خلاف بينهم أنه لا يفسد الحج من محظورات الإحرام إلا الجماع خاصة، وإذا فسد حجه بجماعه قبل الوقوف بعرفات: فعليه إتمام حجه هذا الذي أفسده، وعليه قضاء الحج، وعليه الهدي ... ، وإن كان جماعه بعد رمي جمرة العقبة، وقبل طواف الإفاضة: فحجه صحيح عند الجميع ... ، وتلزمه فدية» 148.
قال أبو حيان: «وأجمع العلماء على أن الجماع يفسد الحج، وأن مقدماته توجب الدم» 149.
وقال ابن عاشور: «فإن حصل نسيان، فقال مالك: هو مفسد، ويعيد حجه إذا لم يمض وقوف عرفة، وإلا قضاه في القابل نظرًا إلى أن حصول الالتذاذ قد نافى تجرد الحج والزهد المطلوب فيه، بقطع النظر عن تعمد أو نسيان، وقال الشافعي في أحد قوليه وداود الظاهري: لا يفسد الحج، وعليه هدي» 150.
وقوله: {وَلَا فُسُوقَ} الفسوق هو الخروج عن الطاعة، واختلف المفسرون في المراد فيه، فكثير من المحققين حملوه على كل المعاصي، قالوا: لأن اللفظ صالح للكل، ومتناول له، والنهي عن الشيء يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه، فحمل اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكم من غير دليل، وهذا متأكد بقوله تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] .
وبقوله: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات: 7] .
وذهب بعضهم إلى أن المراد منه بعض الأنواع، ثم ذكروا وجوهًا مختلفة، وهي من باب التفسير بالمثال، واختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد.
فقيل: أراد به هنا النهي عن الذبح للأصنام؛ لأنه يتعلق بإبطال ما كانوا عليه في الجاهلية، ومنه: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] .
وفسر أيضًا بفعل ما نهي عنه في الإحرام من قتل صيد، وحلق شعر وغيره.
غير أن الظاهر شمول الفسوق لسائر الفسق، والمعاصي كلها لا يختص منها شيء دون شيء، ويدخل فيه ما سبق وغيره، كالتنابز بالألقاب.
قال تعالى: {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ} [الحجرات: 11] .
والسباب، كما قال: (سباب المسلم فسوق) 151152.
قال ابن كثير: «والذين قالوا: الفسوق هاهنا هو جميع المعاصي معهم الصواب، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيًّا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد» 153.