فهرس الكتاب

الصفحة 1531 من 2431

الظّلم

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «الظلم مشتق من ظلم يظلم مظلمة بفتح اللام وكسرها، وأصله وضع الشيء في غير موضعه» 1.

وقيل: هو الجور ومجاوزة الحد والميل عن القصد، والظّلمة: المانعون أهل الحقوق حقوقهم 2.

ومن المجاز (ظلم الأرض) إذا حفرها في غير موضع حفرها، و (ظلم البعير) إذا نحره من غير داء، و (ظلم الوادي ظلمًا) إذا بلغ الماء منه موضعًا لم يكن بلغه قبل، ولا ناله فيما خلا.

و (الظلمة) ذهاب النور، ومن المجاز أيضًا (شعرٌ مظلم) أي حالك شديد السواد، و (نبتٌ مظلم) يضرب إلى السواد من خضرته 3.

فالظلم: الميل عن القصد، ووضع الشيء في غير موضعه الذي يختص به، سواء بزيادة أو نقص، أو بعدول عن وقته وزمانه، حسيًّا كان أو معنويًّا 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عبّر المفسرون عن الظلم في القرآن بمعانٍ متعددة: منها جعل العبادة في غير موضعها اللائق بها، يعني جعلها لغير الله سبحانه، أو التوجه بالعبادة لغير الله سبحانه، ومنها معاملة العباد بغير ما أنزل الله سبحانه، وعدم إعطائهم حقوقهم أو غير ذلك، وإذا تبيّن لك هذا فيمكن الوقوف على تعريف عام يشمل ما سبق هو أن الظلم يعني: الميل عن الصواب ووضع الشيء في غير موضعه الذي يختص به سواء بزيادة أو نقص أو بعدول عن وقته وزمانه حسيًّا كان أو معنويًّا بقصد أو بدون قصد 5، فمن حاد عن طريق الحق لابد وأن يكون قلبه حالكًا شديد السواد، وقد ذهب نور الإيمان منه؛ لأنه خالف شرع الله سبحانه، وفعل غير ما أراد الله عز وجل. فالمعنى اللغوي والاصطلاحي متفقان تمامًا.

وردت مادة (ظ ل م) في القرآن (315) مرة، يخص موضوع البحث منها (289) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 65 ... {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [هود:101]

الفعل المضارع ... 45 ... {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) } [يونس:44]

المصدر ... 20 ... {يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) } [لقمان:13]

اسم الفاعل ... 135 ... {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) } [الأنبياء:87]

صيغة المبالغة ... 7 ... {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } [إبراهيم:34]

اسم المفعول ... 1 ... {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء:33]

أفعل التفضيل ... 16 ... {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) } [النجم:52]

وورد الظلم في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: وضع الشئ في غير موضعه المختصّ به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، ويستعمل في الذنب الكبير؛ كالشرك، والذنب الصغير؛ كصغائر الذنوب 7.

البغي:

البغي لغة:

مصدر بغى يبغي بغيًّا، إذا تعدى وظلم 8.

البغي اصطلاحًا:

طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه 9.

الصلة بين الظلم والبغي:

يلاحظ هنا أن القاسم المشترك بين الظلم والبغي هو تجاوز الحد، لكن الظلم دائمًا مذموم، أما البغي فقد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا، وغالب الاستعمال القرآني لهذه المفردة على النوع الثاني، وهو المعنى القريب من معنى الظلم 10.

الطغيان:

الطغيان لغة:

تجاوز الحدّ في العصيان 11.

الطغيان اصطلاحًا:

قال القرطبي: «الطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه؛ وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى» 12.

الصلة بين الظلم والطغيان:

أن الظّلم ضررٌ لا يستحق ولا يعقب عوضًا سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما، وأصله نقصان الحق، أما الطغيان فهو مجاوزة الحد في المكروه مع غلبة وقهر 13.

الجور:

الجور لغة:

الجيم والواو والرّاء أصلٌ واحدٌ، وهو الميل عن الطّريق 14.

الجور اصطلاحًا:

قال السيوطي: الجور: الخروج عن الوسط بزيادة أو نقصان 15، وقال بعضهم: الجائر من الناس هو الذي يمنع من التزام ما يأمر به الشرع 16.

الصلة بين الظّلم والجور:

الجور خلاف الاستقامة في الحكم، تقول: جار الحاكم في حكمه والسّلطان في سيرته إذا فارق الاستقامة في ذلك، والظّلم ضرر لا يستحق، ولا يعقب عوضًا، سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما، وأصل الظّلم نقصان الحق، والجور العدول عن الحق، و نقيض الظّلم الإنصاف، وهو إعطاء الحق على التّمام، ونقيض الجور العدل، وهو العدول بالفعل إلى الحق 17.

نزّه الله سبحانه نفسه عن الظلم في العديد من الآيات القرآنية-المكي منها والمدني-، ونفى أن يظلم سبحانه أحدًا، فكل ما نسب إلى الله سبحانه فهو خير، وإيجاد الله سبحانه للعقوبة على الذنب الذي يقترفه الإنسان لا يعدّ ظلمًا له، بل ذلك عدلٌ منه سبحانه، وقد تبرأ الله عن الظلم بأكثر من صيغة، ومن هذه الصيغ قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} وردت في خمسة مواضع من القرآن الكريم، ثلاث منها مكية، واثنتان مدنيتان، ومن هذه المواضع قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الأنفال: 51] .

قال الإمام القاسمي عند تفسيره لها: «ذلك إشارة إلى ما ذكر من الضرب والعذاب بما قدّمت أيديكم، أي: ما كسبتم من الكفر والمعاصي، وأن الله ليس بظلام للعبيد، أي: بأن يأخذهم بلا جرم، فإن قيل ما سر التعبير بـ (ظلام) بالمبالغة مع أن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي الكثرة لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي للقيد.

وأجيب بأجوبة:

منها: أنه نفي لأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل: ظالمٌ لفلان ولفلان وهلم جرًّا، فلما جمع هؤلاء عدل إلى (ظلام) لذلك، أي لكثرة الكمية فيه.

ومنها: أنه إذا انتفى الظلم الكثير انتفى الظلم القليل، لأن من يظلم، يظلم للانتفاع بالظلم، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضرر كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركًا.

ومنها: أن (ظلامًا) للنسب أي لا ينسب إليه الظلم أصلًا.

ومنها: أن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب، فلو كان تعالى ظالمًا، كان ظلامًا، فنفى اللازم لنفي الملزوم.

ومنها: أن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذّب بمثله ظلامًا بليغ الظلم متفاقمه.

فالمراد تنزيهه تعالى، وهو جدير بالمبالغة.

وأيضًا لو عذّب تعالى عبيده بدون استحقاق وسبب لكان ظلمًا عظيمًا لصدوره عن العدل الرحيم. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) » 1819.

يتبين مما سبق أن جميع الأجوبة السابقة تتناسب مع السر وراء التعبير بـ (ظلَّام) بالمبالغة.

ومن الصيغ التي ورد فيها نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم: قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} حيث إنها وردت في ثلاثة مواضع، ومن الأمثلة ما ورد عند قوله تعالى: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 31] .

قال الطبري: «وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلمًا منه بغير جرمٍ اجترموه بينهم وبينه؛ لأنه لا يريد ظلم عباده ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم وخلافهم أمره» 20.

كما ورد نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم بصيغة (وما ظلمهم الله) قال الزحيلي عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 33] .

«أي: إن ما وقع بهم من العذاب لم يكن بظلم من الله؛ لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، ولكن ظلموا أنفسهم بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فعوقبوا وجوزوا بسوء عملهم، وأحاط بهم العذاب الأليم بما كانوا به يستهزءون أي يسخرون من الرسل حيث توعدوهم بعقاب الله» 21.

وورد نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم بصيغة {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، وقال الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [التوبة: 70] .

«وقوله: {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} يقول جل ثناؤه: فما أهلك الله هذه الأمم التي ذكر أنه أهلكها إلا بإجرامها وظلمها أنفسها، واستحقاقها من الله عظيم العقاب، لا ظلمًا من الله لهم، ولا وضعًا منه جل ثناؤه عقوبة من غير من هو لها أهل؛ لأن الله حكيم لا خلل في تدبيره، ولا خطأ في تقديره، ولكن القوم الذين أهلكهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله وتكذيبهم رسله، حتى أسخطوا عليهم ربهم فحقت عليهم كلمة العذاب فعذبوا» 22.

يتضح من الأمثلة السابقة أن الله سبحانه قد نفى الظلم عن نفسه بأكثر من صيغة، وهذا يدل على أن الله سبحانه عدلٌ لا يظلم أحدًا من مخلوقاته.

قال ابن القيم: «وقد اتفق أهل الأرض والسماوات على أن الله عدلٌ لا يظلم أحدًا حتى أعداءه المشركين الجاحدين لصفات كماله، فإنهم مقرون له بالعدل، ومنزهون له عن الظلم، حتى إنهم ليدخلون النار وهم معترفون بعدله كما قال تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ} [الملك: 11] .

وقال تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 130] .

فهو سبحانه قد حرّم الظلم على نفسه، وأخبر أنه لا يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون» 23.

كرّم الله سبحانه الإنسان على كثير من مخلوقاته، فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] .

وخلقه سبحانه في أحسن صورة.

قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] .

وميّزه بالعقل، وهداه إلى اختيار طريق الخير أو الشر.

قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] .

كما يمتاز الإنسان عن غيره من المخلوقات بالطبيعة الهادية له إلى الخير والتوحيد، فهو مؤمن بالله بطبيعته التي خلق عليها، وعهد الله سبحانه إليه قبل أن يخلق بشرًا سويًّا.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] .

فاتجاهه وميوله الداخلية تتجه إلى الإيمان والتوحيد بالله عز وجل.

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .

ورغم كل هذا فقد ذكر الله سبحانه في القرآن الكريم طبائع ذميمة تتنافى مع طبيعة الإنسان التي فطر الله الناس عليها، والتي منها الظلم الذي أكد القرآن الكريم وجوده في الطبيعة الإنسانية.

قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] .

يقول الطبري: «إن الإنسان الذي بدّل نعمة الله كفرًا لظلوم، أي: لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه، وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم، واستحق عليه إخلاص العبادة له فعبد غيره، وجعل له أندادًا ليضل عن سبيله، وذلك ظلمه» 24.

وقال السعدي في تفسيره للآية نفسها: «أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالم متجرئ على المعاصي مقصّر في حقوق ربه، كفارٌ لنعم الله لا يشكرها ولا يعترف بها إلا من هداه الله فشكر نعمه وعرف حق ربه وقام به» 25.

كما ورد في القرآن الكريم سبع آيات ختمت فاصلتها بقوله تعالى: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .

وقال السعدي عند تفسيره لأحد هذه الفواصل القرآنية: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] .

أي: «وما ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن جميع الخلق {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} منعوها حقها التي هي بصدده، فإنها مخلوقة لعبادة الله وحده، فهؤلاء وضعوها في غير موضعها، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي فضروها غاية الضرر من حيث ظنوا أنهم ينفعوها» 26.

يتبين مما سبق: أن الظلم طبيعة في النفس البشرية، قد يظهر ويترعرع إذا وجد بيئة شيطانية ملائمة له، وقد ينقلب هذا الظلم إلى عدل إذا حدث العكس، وهو وجود بيئة إيمانية تطبق تعاليم الإسلام، وتسير على خطى الرسول صلى الله عليه وسلم، وحاكم يعين المظلوم على استرداد حقه من الظالم، وقد أكد ذلك أبو بكر رضي الله عنه بقوله: «ألا إن القوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق، والضعيف عندي قوي حتى آخذ له الحق» 27.

ويقول ابن خلدون في هذا السياق: «إن الطبيعة البشرية قد فطرت على الظلم والعدوان، فيحاول كلٌ أن يعتدي على أخيه، وأن ينتزع منه ما في يده، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة والهرج وسفك الدماء؛ ولذلك استحال بقاء الجماعة فوضى دون حاكمٍ يدفع بعضهم عن بعض، واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع، وهو واحدٌ منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحدٌ إلى غيره بعدوان» 28.

حذّر الشارع من الظلم ونهى عنه أشد النهي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) 29.

وقال عز وجل في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) 30.

وللظلم أنواع كثيرة في واقع الناس، وحقيقتها تعود إلى نوعين:

الأول: ظلم النفس:

فالإنسان يظلم نفسه، ويضع الأمور في غير موضعها، وله صور كثيرة، منها:

1.ظلم الشرك.

فالشرك بالله أشد الظلم وأخطره؛ لأنه تجاوز للحد مع الله تعالى، إذ أمر الله الإنسان بتوحيده، لكن المشرك يتخذ معه شريكًا، وفي ذلك إرجاع الفضل لغير صاحبه، ولأنه يؤدي بصاحبه إلى الخلود في جهنم إن مات على الشرك، فيكون قد ظلم نفسه وأوردها المهالك؛ لذلك ابتدأ لقمان الحكيم وصاياه لابنه بعدم الشرك بالله؛ لأنه رأس كل فتنة.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .

يقوم الشرك على مجرد التعقب للهوى، وتغليب المصلحة الفانية على الأخرى الباقية، ولا يقوم على أي دليل مقنع، وهو ظلم للنفس وللآخرين معًا، كما أنه انتقاص لحق الله سبحانه في التوحيد، وعدم تنزيهه عن مشابهة الخلق في حاجتهم إلى الشريك والمعين، لذلك توعّد الله سبحانه هؤلاء بشديد العقاب في الدنيا والآخرة.

فقال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151] .

فالشرك أعظم أنواع الظلم، ولهذا كان جزاء صاحبه أن يخلد في النار يوم القيامة، كما قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] .

ومن الشرك: التقرّب إلى الموتى وأصحاب القبور من الأولياء والصالحين وغيرهم، وذلك بدعائهم والاستغاثة بهم، والذبح والنذر لهم، والطواف بقبورهم، والحلف بهم تعظيمًا لهم، واعتقاد النفع والضر فيهم، وأن لهم تصرفًا في هذا الكون، وقدرة على الدفع والرفع والضر والنفع والعطاء والمنع.

قال تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16] 31.

2.ظلم الكفر.

الكفر ظلمٌ أكبر يخرج من الملة، ويوجب الخلود في النار، ويحبط جميع الأعمال، ولا يغفره الله سبحانه إلا بالتوبة.

قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] .

3.ظلم النفاق.

النفاق الأكبر مخرج من الملة، وهو الذي يتعلق بالاعتقاد؛ كأن يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو أن يأتي الشخص بمكفّرٍ من المكفرات كاستهزائه بالشريعة أو استهزائه بالرسول صلى الله عليه وسلم، أو استهزائه بالصحابة رضي الله عنهم، فهذا نفاق أكبر يخرج صاحبه من دين الإسلام وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم.

ومما يؤكد هذا النوع قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65 - 66] .

وقال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] 32.

4.ظلم التعدي على حدود الله، واقتراف الكبائر.

قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] .

ومن ذلك: الصد عن مساجد الله سبحانه أن يذكر فيها اسمه.

قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114] .

ومن ذلك أيضًا كتم الشهادة.

قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 140] .

وكذلك الكذب على الله تعالى.

قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144] .

ومعناه: اختلاق القول على الله تعالى، وتقوّل الأقوال عنه بإيرادها ابتداءً، أو بالتبديل والتحريف فيها 33.

الثاني: ظلم الغير:

وله صور كثيرة ومتنوعة، وهي منتشرة بصورة كبيرة في مجتمعاتنا، وقد عرض القرآن الكريم لنماذج متعددة، وبيان ذلك فيما يأتي:

1.ظلم العباد بعضهم لبعض.

ويندرج تحته عدة أمور، منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت