فهرس الكتاب

الصفحة 1549 من 2431

العين

أولًا: المعنى اللغوي:

العين والياء والنون أصلٌ صحيح يدل على عضوٍ من خلاله يبصر وينظر، ويترتب على ذلك الأصل اللغوي معان عديدة 1، أوصلها العلامة مرتضى الزبيدي رحمه الله نقلًا عن بعض مشايخه إلى ما يزيد على المائة، وكل معانيها ترجع إلى ما ذكر، فالباصرة أصل في معناها، وهو الذي جزم به الكثيرون 2، وتطلق العين في اللغة، ويراد بها: عين الينبوع 3، وعين الجاسوس 4، وعين الشيء ونفسه 5، وعين التأمل والمعاينة 6، وعين الشرف والأشراف 7، وعين المال الحاضر 8، وعين الحسد 9.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

نظرًا لأن المعاني اللغوية كلها رجعت إلى معنى واحد، هو أصلها والبقية فرع عنه، فسيكون التعريف الاصطلاحي تبعًا له، وعليه فإن التعريف الاصطلاحي قد تغلب عليه السمة التشريحية الطبية، وفي ضوء هذا عرفوا العين في الاصطلاح بأنها عبارة عن: «عضو صغير معقد، يتم به الإبصار، مكون من عدة أجزاء، على شكل كرة، موجودة داخل محجر، تدرك الأشكال والحركات والنتوءات والألوان واختلافات الإضاءة بصورة معكوسة» 10.

وردت مادة (عين) في القرآن الكريم (61) مرة 11.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الإفراد ... 18 ... {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} [المائدة:45]

التثنية ... 7 ... {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) } [يوسف:84]

الجمع ... 32 ... {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) } [التوبة:92]

الصفة المشبهة ... 4 ... {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) } [الدخان:54]

وجاءت العين في القرآن على خمسة وجوه 12:

أحدها: العين الباصرة الجارحة: ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) } [البلد: 8] .

الثاني: الماء الجاري أو النهر: ومنه قوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) } [الإنسان: 6] .

الثالث: الحفظ والكلاءة والرعاية: ومنه قوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 13 - 14] . يعني: بحفظنا ورعايتنا.

الرابع: القلب: ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} [الكهف: 101] . يعني: قلوبهم.

الخامس: بمعنى النفس: ومنه قوله تعالى: {وَقَرِّي عَيْنًا} [مريم: 26] .يعني: طيبي نفسًا.

الظرف:

الطرف لغة:

يطلق الطرف في اللغة على ثلاثة معانٍ، وهي: تحريك جفني العين؛ بأن يطبق الجفن على الجفن، وبمعنى العين نفسها ويكون جمعًا ويكون واحدًا 13، وبمعنى النظر إلى الشيء مد البصر، يقال: طرفت إليه مد بصري، أي: نظرت إلى نهايته 14.

الطرف اصطلاحًا:

لا يختلف معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

الصلة بين الطرف والعين:

إن الطرف في المعاني اللغوية الأول والثالث يكون جزءًا من معنى العين ومدلولها، وفي المعنى اللغوي الثاني يكون مرادفًا لها.

البصر:

البصر لغةً:

هو إدراك العين، ويطلق على القوة الباصرة، وهو قوة مرتبة في العصبين المجوفين التي من شأنها إدراك أشباح الصور، بانعكاس الضوء فيها؛ إذ البصر هو حاسة الرؤية، وورد في القرآن مع ما يتعلق به من العمليات؛ ليدل على العلم القوي المضاهي لإدراك الرؤية، فيقال: بصر بالشيء: علمه عن عيان، فهو بصير به 15.

البصر اصطلاحًا:

«هو القوة المودعة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان ثم تفترقان، فيتأديان إلى العين تدرك بها الأضواء والألوان والأشكال» 16.

الصلة البصر والعين:

«الفرق بين العين والبصر أن العين آلة البصر وهي الحدقة، والبصر اسم للرؤية؛ ولهذا يقال: إحدى عينيه عمياء، ولا يقال: أحد بصريه أعمى، وربما يجري البصر على العين الصحيحة مجازًا، ولا يجري على العين العمياء، فيدلل هذا على أنه اسم للرؤية، ويسمى العلم بالشيء إذا كان جليًا بصرًا، يقال: لك فيه بصر، يراد أنك تعلمه كما يراه غيرك» 17.

النظر:

النظر لغةً:

«النظر: حس العين، وتقول: نظرت إلى كذا وكذا من نظر العين ونظر القلب، وإذا قلت: نظرت إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت: نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكرًا فيه، وتدبرًا بالقلب، والنظر: الفكر في الشيء تقدره وتقيسه منك، والنظر يقع على الأجسام والمعاني، فما كان بالأبصار فهو للأجسام وما كان بالبصائر كان للمعاني» 18.

النظر اصطلاحًا:

«تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، وهو الرَّويَّة» 19.

الصلة بين النظر والعين:

إن النظر له خاصية من خواص العين، وليس مرادفًا لها.

الرؤية:

الرؤية لغة:

وتعني إدراك المرئي والإقبال بالبصر نحوه، قد يدرك وقد لا يدرك؛ ولذلك قد ينظر الشخص ولا يرى المرئي، وعليه فيجوز أن يقال لله تعالى: إنه راءٍ، ويقال: إنه ناظر.

والرؤية اصطلاحًا:

«المشاهدة بالبصر حيث كان في الدنيا والآخرة» 20.

الصلة الرؤية والعين:

وبهذا يتضح الفرق بين النظر والرؤية، كما يتضح ببيان أن الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالبًا؛ لذا أجريت كلمة النظر على الرؤية على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب.

وردت العين في القرآن الكريم متعددة ومتنوعة، ولذا اختلف تصنيف العين إلى أصناف مختلفة، نتناولها في أربعة أنواع.

أولًا: الأعين الممنون بها على كل البشر:

امتن الله تعالى علي بني البشر بنعم عظيمة آفاقية وأنفسية لا تعد ولا تحصى، ومن الآفاقية هذه العيون المائية التي بها قوام كل شيء حي، والتي ذكر الله تعالى بها البشر في قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [يس: 33 - 35] .

ومظاهر الامتنان في الآيات الكريمة -وبخاصة العيون- كثيرة وظاهرة، من أبرزها أمران:

الأول: التعبير بالتفجير في قوله: وَفَجَّرْنَا للدلالة على الكثرة والقوة.

الثاني: مجيء العيون بصيغة الجمع؛ للدلالة على الكثرة والتعدد والتنوع، وهذا من عظيم فضل الله تعالى على عباده.

ومن النعم الأنفسية العظيمة هذه التى أكرمنا الله عز وجل؛ لنبصر بها، ولا يقدر عظم نعمة إلا من حرمها، نسأل الله تعالى أن يمتعنا بأبصارنا وأسماعنا وقوتنا ما أحيانا وأبقانا، اللهم آمين.

وهذا الامتنان ورد صريحًا في قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} [البلد: 8] .

ويلاحظ على هذا الموطن الكريم أمران:

أولهما: أهمية نعمة البصر، وعظم نفعها، وذلك؛ لتقديمها على بقية النعم المذكورة معها.

ثانيهما: أنه ليس المراد بالعينين وما بعدها العضو وحده، بل ما يترتب عليه من آثار وتبعات، ينتج عنها الثواب والعقاب «من أمانة البصر والنطق؛ تمهيدًا لما يلي في السورة، من تقرير تبعات الرشد، ومسئولية الكلمة بعد وسائل الإدراك الحسي من بصر ونطق، ثم يأتي بعد ذلك التذكير بما هدي تعالى الإنسان إليه من إدراك مميز لمعالم الطريقين في قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] » 21 والله أعلم.

ثانيًا: عين الإنسان:

المستقرئ لآيات القرآن يجد أن (عين الإنسان) وصفت بصفات مدح في آيات، وبصفات ذم في آيات أخر، وقطعت عن المدح والذم في مجموعة ثالثة، ويمكن جمع هذا في ثلاث مسائل:

1.الأعين الممدوحة وصفاتها.

أقصد بالمدح ما جاء في القرآن وصفًا للعين في سياق المدح تصريحًا أو تلويحًا، من أمور تتعلق بالمؤمنين في الدنيا أو الآخرة، وكذلك ما ورد بصيغة الأمر مما يتعلق بشأن العين، واعتباره مدحًا؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، بل يأمر بكل فضل وخير، ولا ينهى إلا عن كل سوء وشر، وعلى هذا اعتبرت قوله تعالى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} [الحجر: 88] من قبيل المدح.

ووصفت العين بناء عليه بـ (الثابتة غير المتطلعة) وهكذا.

والله تعالى وصف المؤمنين في كتابه بأوصاف عدة، فوصف أفعالهم مرة، وأقوالهم أخرى، ووجوههم ثالثة وهكذا، وكما هو معلوم أن تعدد الصفات يدل على شرف الموصوف.

وعلى هذه الشاكلة يأتينا وصف أعين المؤمنين في القرآن بصفات متعددة، يمكن تجليتها في السطور الآتية:

1.الفياضة.

يقصد بها: العين التي يفيض دمعها، وينزل منها منهمرًا مدرارًا، إما من خشية الله تعالى، أو خوفًا من التقصير في عبادته، أو فوت طاعته وقربه، ونحو ذلك، مأخوذ من قولهم «فاض الماء: إذا سال منصبًا، ومنه: فاض صدره بالسر أي: سال، ورجل فياضٌ، أي: سخي، وحديث مستفيضٌ: منتشر، والفيض: الماء الكثير، يقال: إنه أعطاه غيضًا من فيض، أي: قليلًا من كثير» 22.

وورد هذا الوصف في آيتين، هما قوله تعالى: (?وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى? أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ? يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٹ) [المائدة: 83] .

وقوله تعالى (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُو) [التوبة: 92] .

فالآية الأولى: واردة في سياق الآيات النازلة في نصارى الشام الذين كانوا بالحبشة وأتوا المدينة مع اثنين وستين راهبًا مصاحبين للمسلمين الراجعين من الحبشة، وسمعوا القرآن وأسلموا كما ذكره جمع من المفسرين 23.

وتظهر بلاغة التعبير القرآني عنهم ههنا من وجهين:

الأول: التعبير بقوله::تَرَى?) الدالة على الرؤية البصرية، والتي هي من أقوى أسباب العلم الحسي، مبالغة في مدحهم، حيث يراهم الرائي وهم على تلك الصورة من رقة القلب وشدة التأثر عند سماع الحق 24.

الثاني: التعبير بـ: تَفِيضُ) ومعناه: امتلاء العين من الدمع حتى تفيض؛ لأن الفيض أن يمتلأ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب مبالغة في وصفهم بالبكاء، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أى: تسيل من الدمع من أجل البكاء، من قولك: دمعت عينه دمعًا 25، وفي ذلك بيان لغاية رقة قلوبهم، وشدة خشيتهم، ومسارعتهم إلى قبول الحق، وعدم إبائهم إياه 26.

والآية الثانية: واردة في سياق الذين رفع الله تعالى عنهم الحرج من ذوي الأعذار ممن تخلفوا عن غزوة تبوك؛ لعذرهم، وعرف هؤلاء بـ (البكائين) ، وحق لهم أن يعرفوا بذلك، وأن ينزل الله تعالى رفع الحرج عنهم من فوق سبع سموات؛ لشدة إخلاصهم، ورغبتهم الصادقة في الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزو والجهاد، ونظرًا لقوة إيمانهم وفرط محبتهم للاستشهاد وصفهم الله تعالى بأبلغ وصف - كالآية السابقة - فقال: (وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) ، ولاشك أن التعبير بذلك أبلغ من قولنا: (يفيض دمع أعينهم) ؛ لأن العين في التعبير القرآني جعلت كأنها كلها دمع فائض 27.

2.القريرة.

هذا الوصف -كما يقول ابن فارس- يدل على معنيين، أحدهما برد، والآخر تمكن.

فالأول: القر، وهو البرد، ومنه: يوم قار، أي: بارد، ويقال: أقر الله عينه، إذا سر ورضي، وقرة العين: ما يسر ويفرح من الأمور، ونظرًا لأن للسرور دمعة باردة، وللحزن دمعة حارة قالوا لمن يدعى عليه: أسخن الله دمعه.

والثاني: التمكن، يقال: قر واستقر، أي: هدأ واطمأن، وقولهم: قرت عينه، أي: أعطاه الله تعالى ما تسكن به عينه فلا يطمح إلى غيره 28، وعليه قال بعض أهل اللغة: إن معنى قرة العين أن يصادف عينه ما يرضاه قلبه، فتقر عينه عن النظر إلى غيره، يعني: لا تنظر إلى غيره 29.

ووصف العين بالقريرة يشمل المعنيين معًا، حيث إنها تكون باردة ودمعتها كذلك عند فرحها وسرورها، كما تكون عندئذ قارة ثابتة غير متطلعة لما ليس لها غالبًا.

والدعاء بقول بعضهم: أقر الله عينك معناه: «صادفت عينك سرورًا فنامت وذهب سهرها، وصادفت ما يرضيك، أي: بلغك الله أقصى أملك، حتى تقر عينك من النظر إلى غيره؛ استغناء ورضى بما في يديك» 30.

ورد هذا المعنى في القرآن في سبع آيات:

قال الله تعالى: (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ?) [مريم: 26]

وقال أيضًا: (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى? أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) [طه: 40]

وقال أيضًا: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍھ) [الفرقان: 74]

وقال أيضًا: (قَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ? لَا تَقْتُلُوهُ) [القصص: 9]

وقال أيضًا: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى? أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) [القصص: 13]

وقال أيضًا: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 17] .

وقال: (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ? ذَ?لِكَ أَدْنَى? أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّٹ) [الأحزاب: 51] .

ويلاحظ على هذه الآيات المباركات أمور:

الأول: أن الله تعالى عبر بالفعل (تقر- وقري) في أربع آيات، وبالاسم (قرة) في ثلاث، وهذا أراه في قمة البلاغة، حيث استعمل الفعل -وهو موضوع؛ للدلالة على التجدد والحدوث- حينما كان المقام مقتضيًا لذلك في هذه المواضع، فمثلًا في قصة أم موسى عليه السلام كان قلبها متلهفًا على وليدها وفلذة كبدها، فرده الله تعالى إليها؛ لإرضاعه وتربيته فترة ما، كي تقر عينها بوليدها؛ لأنه غاب عنها فترة من الزمان، وسيغيب فترة أخرى بعد انتهاء الإرضاع، فلكي تتجدد لها قرة العين مرة بعد مرة جاء التعبير بالفعل، في موضعي (طه والقصص) ، وكذلك الحال بالنسبة لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتجدد لهن الفرح والسرور وقرة العين أيضًا، هذا عن صيغة المضارع، أما صيغة الأمر في قصة مريم فيلمح منها الدلالة على إنشاء قرة العين لمريم عليها السلام، وطيب نفسها، وذهاب الخوف عنها حاضرًا ومستقبلًا، عند ولادتها عيسى عليه السلام، ولا أدل على ذلك من صيغة الأمر. والله أعلم.

الثاني: التعبير بإفراد العين (عين، عينها) في ثلاث آيات، والتعبير بجمعها (أعين) في ثلاث أخرى أيضًا، وأرى أن الإفراد ورد لما كان حديث الآيات عن شخص مفرد بعينه، وهي أم موسى عليه السلام في سورتي (طه والقصص) ، وامرأة فرعون في موضع من سورة (القصص) ، ولما كان الحديث عن جمع من الناس كعباد الرحمن في الفرقان، وأهل الجنة في السجدة، وأمهات المؤمنين في الأحزاب ناسب ذلك الإتيان بصيغة الجمع في الجميع. والله أعلم.

الثالث: التعبير بعطف نفي الحزن على قرة العين في قوله تعالى: (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) ؛ لتنويع المنة على أم موسى؛ لأن قرة عينها يكون برجوع موسى عليه السلام إليها، وانتفاء حزنها يكون بتحقق سلامته من الهلاك ومن الغرق وبوصوله إلى أحسن مأوى 31. والله أعلم.

3.الثابتة غير المتطلعة.

هذا الوصف للعين جاء بطريق الإشارة من غير تصريح في موضعين من كتاب الله تعالى.

قال تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى? مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ) [الحجر: 88] .

وقال تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى? مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) [طه: 131] .

وهذان الموضعان استفيد منهما الوصف بطريق الأمر، حيث أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم -والأمر للأمة أيضا- بأن لا تتطلع عينه، ولا تطمح نفسه إلى ما في أيدي الآخرين، وما منحهم الله تعالى إياه من نعم وآلاء، وليقنع بما رزقه الله تعالى إياه، ولعل هذه النعم من قبيل الابتلاء والفتنة لهم، فضلًا عن أنه من متاع الدنيا، وكل أمرها إلى زوال.

واعتبار هذا الوصف الضمني من قبيل الصفات المحمودة؛ لأنه أمر من قبل الله تعالى، والله جلا وعز لا يأمر إلا بكل خير، مما فيه محبته ورضاه سبحانه وتعالى كما مر، وهذا بلا شك على رأس المحامد كلها، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) الآية. قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه 32.

ومد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده؛ استحسانا للمنظور إليه.

والمراد: لا تنظرن بعين الرغبة إلى ما متعنا به بعض الخلق، فما أعطيناك في الدنيا من القرآن خير وأفضل مما أعطيناهم من الأموال، فاستغن بما أعطيناك من القرآن والدين والعلم، ولا تنظر إلى أموالهم 33.

وقريب من هذين الموضعين قوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: 28] .

حيث ينهى الله تعالى فيه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يجاوز بصره ضعفاء المؤمنين، رغبة في مجالسة الأشراف، وكان صلى الله عليه وسلم حريصًا على إيمان الرؤساء؛ طمعًا في إيمان أتباعهم، ولم يمل إلى الدنيا قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحيان للرؤساء؛ طمعًا في إيمانهم، فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على فقراء المسلمين، وألا يلتفت إلى غيرهم 34.

والملاحظ على الآيات الكريمة أمور:

الأول: أن (مد العين) هنا كأنه اقترن به تمنٍ ورجاء، ولذلك عبر عن الميل إلى زينة الدنيا بـ (مد العين) 35.

الثاني: التعبير بلفظ التثنية في (عينيك) يدل على المبالغة في النهي، أي: مدًا عظيمًا بالتمني والاشتهاء المؤكد، ولذلك ثنى العين؛ احتزازًا عن حديث النفس 36.

الثالث: ظاهر قوله تعالى: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) يفيد النهي عن الإعراض، أي: لا تعرض عن هؤلاء الفقراء لأجل الأغنياء، ولذلك ضمن فعل العدو معنى الإعراض، فعدي إلى المفعول بـ (عن) وكان حقه أن يتعدى إليه بنفسه، يقال: عداه إذا جاوزه 37. والله أعلم.

4.المتلذذة.

هي: العين التي تنعم وتسعد بكل ما هو طيب المخبر، أو حسن المظهر، ولا يكون كمال اللذة إلا في الجنة بنعيم الله تعالى للمؤمنين.

ووردت الإشارة إلى هذا الوصف في موطن واحد، عند الحديث عن بعض ألوان النعيم للمؤمنين في الجنة، وهو قوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71] .

فقوله تعالى: {وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} من لذذت الشيء واستلذذته، والمعنى: ما من شيء اشتهته نفس أو استلذته عين إلا وهو في الجنة، وقد جمع الله تعالى جميع نعيم الجنة في هذين الوصفين، فإنه ما من نعمة إلا وهي نصيب النفس أو العين، وتمام النعيم الخلود؛ لأنه لو انقطع لم تطب 38.

هذا ويلاحظ على هذا الموضع الكريم أمور:

أولها: اشتماله على جميع أنواع النعيم، وألوان المتع لأهل الجنة بأوجز عبارة وأدقها؛ لأنه ما من نعمة إلا وفيها حظ للنفس أو العين، كما مر.

ثانيها: اختصاص العين بالذكر هنا دون بقية الجوارح؛ «لأنها رائد النفس والقلب، وللدلالة على فرط حسن نعيم الجنة، وإلا ما قبلته العين والنفس» 39.

ثالثها: قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} رافع لكل ألمٍ وتنغيص عن أهل الجنة «فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال، ومستعقب للتحسر في مستقبل الحال» 40 نسأل الله تعالى أن نكون جميعًا من أهل فضله ورضوانه في الحال والمآل، اللهم آمين.

2.الأعين المذمومة وصفاتها.

سيرًا على سنن القرآن الكريم في الجمع بين الترغيب والترهيب والمدح والذم، ألفينا الحديث فيه عن العين جامعًا بين هذين الأسلوبين، ومر بنا سابقًا العين المحمودة وصفاتها، وهذا بلا شك من قبيل الترغيب والمدح؛ ليمتثل المؤمنون الصادقون هذه الصفات، ولهم عند ربهم حسن المثوبة في الجنات، والآن سنعرض الأسلوب الآخر، وهو من قبيل الترهيب والذم؛ ليجتنبه المؤمنون ويحذروه، وستعرض هذه الصفات حسب ترتيبها المصحفي فيما يلي:

1.المعطلة.

يقصد بها: العين التي عطلت عن إدراك الحقائق والبينات من غير علة أو آفة من الآفات، ويدخل في ذلك عدم الاهتداء إلى الهدى، وسلوك طريقه دخولا أوليًّا.

وورد هذا الوصف للعين في القرآن الكريم في موضع واحد هو قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 179] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت