فهرس الكتاب

الصفحة 1440 من 2431

وقال ابن سعدي رحمه الله: « {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} أي: الهدي أو ثمنه {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر، أيام رمي الجمار، والمبيت بـ «منى» ولكن الأفضل منها أن يصوم السابع، والثامن، والتاسع، {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله» 33.

3.كفارة من قتل صيدًا متعمدًا وهو محرم في الحرم.

قال الله تبارك وتعالى مبينًا ذلك: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: 95] .

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} الذي بينت لكم، وهو صيد البر دون صيد البحر {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} يقول: وأنتم محرمون بحج أو عمرة، والحرم: جمع حرام، والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد، تقول: هذا رجل حرام، وهذه امرأة حرام، فإذا قيل محرم، قيل للمرأة محرمة. والإحرام: هو الدخول فيه، يقال: أحرم القوم: إذا دخلوا في الشهر الحرام، أو في الحرم. فتأويل الكلام: لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة.

وقوله: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} فإن هذا إعلام من الله تعالى ذكره عباده حكم القاتل من المحرمين الصيد الذي نهاه عن قتله متعمدًا ثم اختلف أهل التأويل في صفة العمد الذي أوجب الله على صاحبه به الكفارة والجزاء في قتله الصيد، فقال بعضهم: هو العمد لقتل الصيد مع نسيان قاتله إحرامه في حال قتله، وقال: إن قتله وهو ذاكر إحرامه متعمدًا قتله فلا حكم عليه وأمره إلى الله، قالوا: وهذا أجل أمرًا من أن يحكم عليه أو يكون له كفارة 34.

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «وقوله: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} أي: إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام من الجزاء والإطعام والصيام، كما هو قول مالك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحد قولي الشافعي، والمشهور عن أحمد رحمهم الله، لظاهر الآية «أو» فإنها للتخيير. والقول الآخر: أنها على الترتيب.

فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوم الصيد 35 المقتول عند مالك، وأبي حنيفة وأصحابه، وحماد، وإبراهيم. وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجودًا، ثم يشترى به طعام ويتصدق به، فيصرف لكل مسكين مد 36 منه عند الشافعي، ومالك، وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل مسكين مدين، وهو قول مجاهد.

وقال أحمد: مد من حنطة، أو مدان من غيره، فإن لم يجد، أو قلنا بالتخيير صام عن إطعام كل مسكين يومًا.

وقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يومًا، كما في جزاء المترفه بالحلق ونحوه، فإن الشارع أمر كعب بن عجرة أن يقسم فرقًا بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق ثلاثة آصع» 37.

فمن قتل الصيد متعمدًا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم، قال ابن سعدي رحمه الله: « {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} أي: كفارة ذلك الجزاء طعام مساكين، أي: يجعل مقابلة المثل من النعم، طعامًا يطعم المساكين.

قال كثير من العلماء: يقوم الجزاء، فيشترى بقيمته طعام، فيطعم كل مسكين مد برٍ أو نصف صاع من غيره. {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ} الطعام {صِيَامًا} أي: يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا» 38.

4.كفارة اليمين.

من حلف على شيء فحنث فيها لزمته الكفارة، وكفارة اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، خيرهم بين هذين الأمرين الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة، فمن لم يستطع فعليه أن يصوم ثلاثة أيام، كما قال سبحانه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89] .

فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين، أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع. وقد بدأ بالأسهل فالأسهل، فالإطعام أيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فرقي فيها من الأدنى إلى الأعلى. فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} 39.

قال العلامة ابن سعدي رحمه الله: « {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} أي: في أيمانكم التي صدرت على وجه اللغو، وهي الأيمان التي حلف بها المقسم من غير نية ولا قصد، أو عقدها يظن صدق نفسه، فبان بخلاف ذلك. {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} أي: بما عزمتم عليه، وعقدت عليه قلوبكم. كما قال في الآية الأخرى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} ، {فَكَفَّارَتُهُ} أي: كفارة اليمين الذي عقدتموها بقصدكم {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} .

وذلك الإطعام {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ} أي: كسوة عشرة مساكين، والكسوة هي التي تجزئ في الصلاة. {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي: عتق رقبة مؤمنة كما قيدت في غير هذا الموضع، فمتى فعل واحدًا من هذه الثلاثة فقد انحلت يمينه.

{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} واحدًا من هذه الثلاثة {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} المذكور {كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} تكفرها وتمحوها وتمنع من الإثم» 40.

فهذه الآية دالة على جواز الصيام عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة ولا يشترط تتابع الصيام؛ لأنه لا دليل على التتابع.

5.كفارة الظهار.

الظهار الأصل فيه قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي 41.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أصل الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحد من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم. هكذا قال غير واحد من السلف» 42.

وقال البغوي رحمه الله: «وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي» 43.

والظهار هذا سماه الله تبارك وتعالى زورًا؛ وذلك لأنه شبه زوجته بأمه كما في قوله سبحانه: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادلة: 2] .

ثم بين الله تبارك وتعالى ما يلزم من ظاهر من زوجته ثم أراد أن يعود إليها من الكفارة، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 3 - 4] .

الظهار قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، سمي ظهارًا؛ لأنه قصد تحريم ظهرها عليه، وقيل: لأنه قد جعلها عليه كظهر أمه، وقد كان في الجاهلية طلاقًا ثلاثًا لا رجعة فيه ولا إباحة بعده فنسخه الله إلى ما استقر عليه الشرع من وجوب الكفارة فيه بالعود 44.

قال الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: فمن لم يجد منكم ممن ظاهر من امرأته رقبة يحررها، فعليه صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا؛ والشهران المتتابعان هما اللذان لا فصل بينهما بإفطار في نهار شيء منهما إلا من عذر، فإنه إذا كان الإفطار بالعذر ففيه اختلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: إذا كان إفطاره لعذر فزال العذر بنى على ما مضى من الصوم. وقال آخرون: بل يستأنف؛ لأن من أفطر بعذر أو غير عذر لم يتابع صوم شهرين» 45.

وقال: «وقوله: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} يقول جل ثناؤه: هذا الذي فرضت على من ظاهر منكم ما فرضت في حال القدرة على الرقبة، ثم خففت عنه مع العجز بالصوم، ومع فقد الاستطاعة على الصوم بالإطعام، وإنما فعلته؛ كي تقر الناس بتوحيد الله ورسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ويصدقوا بذلك، ويعملوا به، وينتهوا عن قول الزور والكذب» 46.

ثالثًا: صوم التطوع:

إن من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده أن شرع لهم بعد كل فريضة نافلة من جنسها؛ لتكون جابرة لما يعتريها من النقص والقصور، ومن ذلك الصيام، فقد شرع الله تبارك وتعالى بعد فريضة صيام رمضان نوافل متعددة، لكن لم يرد في كتاب الله تعالى ما يدل على نوافل الصيام صراحة، وإنما يدخل ذلك ضمن فعل الخيرات، {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] .

وقال حاثًا على المسارعة والمسابقة إلى فعل الخيرات: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] .

وقال الله تبارك وتعالى آمرًا لنا بأخذ ما أتانا به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .

إن الله تبارك وتعالى من أسمائه الحكيم سبحانه، فلا يخلق ولا يشرع ولا يأمر بشيء إلا لحكم عظيمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، ومن ذلك أن الله تبارك وتعالى شرع فريضة الصيام، لحكم ومقاصد عظيمة فيما يلي نعرض لبعض هذه الحكم، التي ذكر الله سبحانه بعضها في كتابه، وبعضها ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها تستنبط استنباطًا، فمنها:

أولًا: حصول التقوى:

أبان الله تبارك وتعالى في كتابه العظيم هذه الحكمة وهذا المقصد في كتابه الكريم فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .

فالتقوى غاية ومقصد عظيم من مقاصد الصيام، هي أن يستشعر العبد عظمة الله تبارك وتعالى ومراقبته لنا في كل أحوالنا، حركاتنا وسكناتنا، في خلواتنا وبين الناس؛ لنرتقي في مفهوم العبادات، فمن المصيبة أن تتحول العبادات إلى عادات فلا نحس بها ولا تثمر فينا الخشية من الله ولا التقوى، وربما يكون نصيب العبد من صومه الجوع والعطش والعياذ بالله؛ لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم محذرًا: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) 47.

قال البغوي رحمه الله في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} : «يعني بالصوم؛ لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات، وقيل: لعلكم تحذرون عن الشهوات من الأكل والشرب والجماع» 48.

وقال الخطيب رحمه الله: «فقد كان الصوم مفروضًا على من تقدمنا من الأمم {لَعَلَّكُمْ} بسبب هذا الصيام {تَتَّقُونَ} الله تعالى، وتخشون غضبه، وتعملون بأوامره؛ ومن هذا يعلم أن الصيام يبعث على الإيمان الصادق، ويرقق القلب، ويصفي النفس، ويعين على خشية الله تعالى؛ ولذا استعان به الأنبياء في تحقيق مآربهم، والأولياء في تهذيب نفوسهم، والخاصة في شفاء قلوبهم، والعامة في شفاء جسومهم» 49.

فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى؛ لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه، فالصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع وغير ذلك مما تميل إليها نفسه، متقربًا بذلك إلى الله، راجيًا بتركها، ثوابه، فهذا من التقوى، فالتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه.

فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم. وهذا الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل إليها. ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفًا وضيئًا يتجهون إليه عن طريق الصيام {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

فالصيام يدرب الإنسان على مراقبة الله تعالى، وترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، ويضيق مجاري الشيطان؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه، وتقل المعاصي، وتكثر الطاعات التي هي من خصال التقوى.

فالصوم عبادة يتقرب بها العبد لربه بترك محبوباته، وقمع شهواته، فيضبط نفسه بالتقوى ومراقبة الله سبحانه وتعالى في كل مكان وزمان، قال العلامة ابن القيم رحمه الله كلامًا طيبًا عن الصيام: «فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌ بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشرٌ، وذلك حقيقة الصوم» 50.

وإن الناظر في كتاب الله يلحظ ما أعده الله لهم من الأجر العظيم والثواب الكبير، ودعانا للمسارعة فقال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] .

وقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [القلم: 34] .

وقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} [النبأ: 31 - 33] الآيات.

ثانيًا: تزكية النفس وإبعادها عن الشهوات:

من مقاصد هذه العبادة الجليلة أن فيه تزكية للنفس وتهذيب لها وتنقية من الرذيلة؛ فبالصيام يضيق مجاري الشيطان في جسد الإنسان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) 51؛ لهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم وأرشد الذي لم يستطع الزواج على الصوم كما ثبت في الصحيحين: (يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) 52، فالجوع يكسر الشهوة ويكبح جماحها، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان؛ ولهذا ثبت في الصحيحين: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ، ثم بين مقدار الصوم، وأنه ليس في كل يوم؛ لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه، بل في أيام معدودات» 53.

وقال ابن القيم رحمه الله: «وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} » 54.

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم؛ فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فتسكن بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر سورة الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم «الصوم وجاء» لقطعه عن شهوة النكاح» 55.

فالصوم يسكن النفس الأمارة بالسوء، ويهذبها فالإنسان عندما يكون صائمًا يكون في بعدٍ من تأثير الشيطان عليه بسبب أن الصوم يضيق على الشيطان مجاري الدم فيه فيضعف تأثيره عليه، ويكون الصيام وقاية للعبد من النار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (الصيام جنة) 56.

ثالثًا: تذكر المساكين والمحتاجين:

من مقاصد وحكم هذه العبادة الجليلة أن العبد يحس بالجوع والتعب؛ ليتذكر حال إخوانه الفقراء والمحتاجين الذين يقاسون ويعانون مرارة الجوع والحرمان.

لا يعرف الشوق إلا من يكابده

ولا الصبابة إلا من يعانيها 57

قال العلامة ابن الهمام رحمه الله: «كونه -أي: الصيام- موجبًا للرحمة والعطف على المساكين فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا في عموم الأوقات فتسارع إليه الرقة عليه» 58.

وقال ابن رجب رحمه الله: «وسئل بعض السلف: لم شرع الصيام؟ قال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع» 59.

فإذا أحس بالجوع عرف ما يعاني الفقراء والمساكين فعطف عليهم وواساهم وأحسن إليهم.

فهذا بعض ما تيسر قوله من حكم الصيام، وأولها وأعظمها تقوى الله عز وجل، وتزكية النفس وتهذيبها، وتذكر المساكين والمحتاجين، وغير ذلك.

الله تبارك وتعالى خلق الخلق، وهو أعلم بهم وبما يمرون به من أحوال، من صحة ومرض، يسبب له عدم الاستطاعة للعبادة، أو يسبب له الوقوع في مشقة، ففرض عليهم الصيام، وهو -كما تقدم- الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وبما أن الإنسان قد يقع في عذر يمنعه من الصيام، فسيتناول البحث بالحديث أعذار الفطر في الأسطر التالية، وهي كالتالي:

أولًا: أصحاب الأعذار في الفطر:

قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ?) [البقرة: 184] .

بمعنى أن الله سبحانه وتعالى فرض على عباده صيام رمضان فمن كان مسافرًا أو مريضًا فيجوز أن يفطر ويصوم فيما بعد، والسفر هو قطع المسافة يقال ذلك إذا خرج للارتحال أو لقصد موضع فوق مسافة العدوى 60؛ لأن العرب لا يسمون مسافة العدوى سفرًا وقال بعض المصنفين: «أقل السفر يوم» 61.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في هذه الآية: «ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر؛ لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيام أخر، وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام، فقد كان مخيرًا بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وطاوس، ومقاتل ابن حيان، وغيرهم من السلف؛ ولهذا قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ? فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ? وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ? إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) » 62.

وقال البغوي رحمه الله: «قوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أباح الفطر لعذر المرض والسفر وأعاد هذا الكلام؛ ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ ثبوته في المنسوخ.

واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر، فذهب أهل الظاهر إلى أن ما يطلق عليه اسم المرض يبيح الفطر وهو قول ابن سيرين، قال طريف بن تمام العطاردي: دخلت على محمد بن سيرين في رمضان، وهو يأكل فقال: إنه وجعت أصبعي هذه، وقال الحسن وإبراهيم النخعي: هو المرض الذي تجوز معه الصلاة قاعدًا، و ذهب الأكثرون إلى أنه مرض يخاف معه من الصوم زيادة علة غير محتملة، وفي الجملة أنه إذا أجهده الصوم أفطر، وإن لم يجهده فهو كالصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت