فهرس الكتاب

الصفحة 1419 من 2431

الصحابة

أولًا: المعنى اللغوي:

الصحابي مشتق من الصحبة، والصحابة مصدر قولك: صاحبك الله وأحسن صحابتك. ومادة (صحب) تأتي لمعان، منها:

-الملازمة: كل شيء لازم شيئًا فقد استصحبه» 1. وكذا كل شيء لاءم شيئًا 2. .

-المعاشرة قال ابن منظور: «صحبه يصحبه صحبة بالضم وصحابة بالفتح، وصاحبه: عاشره، والصحب: جمع الصاحب مثل راكب وركب، والأصحاب: جماعة الصحب، مثل فرخ وأفراخ، والصاحب: المعاشر» 3.

-الانقياد: «أصحبت أي: انقدت له» 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

يعرف المحدثون الصحابي بأنه: «من لقي النبي مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة، في الأصح» 5.

قال ابن كثير: «هذا قول جمهور العلماء خلفًا وسلفًا، وقد نص على أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة: البخاري وأبو زرعة، وغير واحد ممن صنف في أسماء الصحابة، كابن عبد البر، وابن مندة وأبي موسى المديني، وابن الأثير» 6.

ويرى الفقهاء والأصوليون أنه «اسم لمن اختص بالنبي عليه السلام، وطالت صحبته معه على طريق التتبع له والأخذ منه» 7.

قال الشوكاني: «والحق ما ذهب إليه الجمهور، وإن كانت اللغة تقتضي أن الصاحب هو من كثرت ملازمته؛ فقد ورد ما يدل على إثبات الفضيلة لمن لم يحصل له منه إلا مجرد اللقاء القليل أو الرؤية ولو مرة» 8. يضاف لذلك:

1.شرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلو قدره، وأن لصحبته عليه الصلاة والسلام مزية عن صحبة غيره.

2.أن المحدثين حين عرفوا الصحابي بالمعنى الاصطلاحي اعتمادًا على المعنى اللغوي، أخذوا المعنى اللغوي بمعناه العام الشامل لطول الصحبة وقصرها، ولم يقصروه على بعض أفراده، وهو طول الصحبة دون قصرها، كما فعل أهل الأصول الذين راعوا بعض أفراد التعريف، وهو طول الصحبة، ولا شك أن مراعاة المعنى اللغوي بجميع أفراده أولى من قصره على بعضها.

3.إن كثيرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم تطل صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد اتفق أهل الحديث الذين ترجموا للصحابة على عدهم فيهم إلى غير ذلك 9.

4.أما ما يتعلق بما ماذكره أنس رضي الله عنه، فإنه إنما نفى الصحبة الخاصة، وهذا لا ينافي ما اصطلح عليه الجمهور من الاكتفاء باللقاء؛ لما مر من شرف هذا اللقاء ومزيته، ولذا ورد في الحديث عن أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يأتى على الناس زمانٌ يغزو فئامٌ من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئامٌ من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم. فيفتح لهم، ثم يغزو فئامٌ من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم. فيفتح لهم) 10.

ويدل على رجحان الأول قصة الأشعث ابن قيس؛ فإنه كان ممن ارتد، وأتي به إلى أبي بكرٍ الصديق أسيرًا، فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك، وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها 11.

أولًا: ذكر أوصافهم في الكتب السماوية السابقة:

ذكر الله سبحانه وتعالى صفة الصحابة رضي الله عنهم في قوله تعالى: (? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ) [الفتح:29] .

يقول الإمام الطبري: « (? ? ? ?) يقول: هذه الصفة التي وصفت لكم من صفة أتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذين معه صفتهم في التوراة (? ? ? ? ? ?) وصفتهم في إنجيل عيسى صفة زرع أخرج شطأه، وهو فراخه وإنما مثلهم بالزرع المشطئ؛ لأنهم ابتدءوا في الدخول في الإسلام، وهم عدد قليلون، ثم جعلوا يتزايدون، ويدخل فيه الجماعة بعدهم، ثم الجماعة بعد الجماعة، حتى كثر عددهم، كما يحدث في أصل الزرع الفرخ منه، ثم الفرخ بعده حتى يكثر وينمي» 12.

وقال ابن كثير: «وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا: (? ? ? ?) ثم قال: (? ? ? ? ? ?) أي: فراخه (?) أي: شده (?) أي: شب وطال (چ چ چ چ ?) أي: فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطء مع الزرع» 13.

وليس بنا حاجة -بعد خبر الله تعالى- أن نرجع إلى التوراة أو الإنجيل لمعرفة تفاصيل ذلك، وقد أخبرنا الله تعالى أنهم قد حرفوا كتبهم 14.

ثانيًا: الشهادة لهم بحقيقة الإيمان:

لقد شهد القرآن الكريم للصحابة رضي الله عنهم بالإيمان في مواضع كثيرة، بل إننا لنجزم أن كل آية صدرت بـ (? ? ?) فهم أول المخاطبين بها، وقد ناهزت هذه الآيات ثمانين موضعًا، وإننا لنلحظ هذا الوصف العظيم حتى في باب العتاب وتصحيح الأخطاء، من مثل قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ) [الممتحنة:1] .

وقوله تعالى: (ک ک ک ک گ گ گ گ ?) [الحجرات:1] .

فضلًا عن تلك الآيات التي تثني عليهم، وتأخذ بأيديهم في مدارج الطاعات؛ ليرتقوا إلى أعلى الدرجات، فتوجههم آمرة ناهية، وهي كثيرة ..

من الآيات التي نصت على إيمانهم:

قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ?) [الأنفال:62] .

في الآية ثناء عظيم على الصحابة رضي الله عنهم من وجهين:

الأول: وصفهم بالإيمان.

والآخر: امتنان الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه أيده بهم.

وقال تعالى: (? ? ? ? چ چ چ چ ?) [الأنفال:64] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال:74 - 75] .

يبين الله تعالى ما للصحابة رضي الله عنهم من الجزاء يوم القيامة، فبين أولًا أنهم هم المؤمنون حقًا، ثم ذكر أنه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن ذنوبهم إن كانت، ووعدهم بالرزق الكريم، وهو الحسن الكثير الطيب الشريف، وأن من يسير على نهجهم فهو معهم في الآخرة 15.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة:20] .

يقول الطبري: «وهذا قضاء من الله بين فرق المفتخرين الذين افتخر أحدهم بالسقاية، والآخر بالسدانة، والآخر بالإيمان بالله والجهاد في سبيله. يقول تعالى ذكره: (? ?) بالله، وصدقوا بتوحيده من المشركين (?) دور قومهم (?) المشركين في دين الله (? ? ? ? ? ?) ، وأرفع منزلة عنده، من سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام، وهم بالله مشركون (?) ، يقول: وهؤلاء الذين وصفنا صفتهم، أنهم آمنوا وهاجروا وجاهدوا (? ?) ، بالجنة، الناجون من النار» 16.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحشر:9] .

وإذا كانت الآية السابقة في مدح المهاجرين، فإن هذه الآية في الثناء على الأنصار، أي: «سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم» 17.

وقال تعالى: (? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ?) [التحريم:8] .

قال ابن عاشور: «وفي صلة (? ? ?) إيذان بأن سبب انتفاء الخزي عنهم هو إيمانهم، ومعية المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم صحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم» 18.

مما يلفت الانتباه أن أغلب الآيات التي مرت تصف جميع الصحابة بالإيمان، فقوله تعالى: (پ ? ? ? ?) [الأنفال:62] في شأن من شارك في بدر 19.

وإذا كان لا بد من وقفة عند الآيات التي مرت، فلتكن عند قوله تعالى: (ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ) [الفتح:18 - 19] يقول ابن كثير: «يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة 20.

ولا يخفى على المتأمل سبب اختيار هذه الآية، وذلك:

-أنها عنت جمًا غفيرًا من الصحابة رضي الله عنهم.

-أنها نصت على إيمانهم؛ بل رسوخهم في الإيمان 21.

-إخبار الله تعالى بما في قلوبهم.

وهذا أمر خفي لا يطلع عليه إلا الله تعالى، وهي منقبة أظهرها الله تعالى لهؤلاء الكرام؛ تدل على صدقهم وإخلاصهم، يقول الطبري: «فعلم ربك يا محمد ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك تحت الشجرة، من صدق النية، والوفاء بما يبايعونك عليه، والصبر معك» 22.

-أنهم قد حازوا رضا الله تعالى.

يقول الألوسي عن تلك المبايعة: «استوجبت رضا الله تعالى الذي لا يعادله شيء، ويستتبع ما لا يكاد يخطر على بال، وصح برواية الشيخين وغيرهما في أولئك المؤمنين من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: (أنتم خير أهل الأرض) » 23.

ويقول السعدي: «يخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة» 24.

والآيات في هذا المقام كثيرة.

وقبل أن أختم هذا المطلب أود أن أبين أن الآيات الكريمة قد أكدت هذا المعنى في مناسبات شتى،-أعني: الشهادة لهم بحقيقة الإيمان-ولولا خشية التكرار لذكرتها في مواضعها، ولكني سأشير إلى طرف منها:

ففيما ما يتعلق بغزوة بدر:

يقول تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:124 - 125] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?) [الأنفال:11 - 12] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ) [الأنفال:17] .

تأمل قوله تعالى: (? ? ?) ، و (ک ک گ) ، و (? ?) تدرك عظم منزلة هؤلاء الصحب الكرام رضي الله عنهم.

وفيما يتعلق بغزوة أحد، يقول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:121] .

ويقول سبحانه: (چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [آل عمران:152] .

«وقد قال فيهم الله تعالى بعدما ندبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعقب المشركين بعد انتهاء معركة أحد: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:172 - 174] 25.

أما في غزوة الأحزاب فقد صدرت الآيات بالنداء لأهل الإيمان (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:9] .

ووصفهم بالإيمان، بل بكماله، (? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:11] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:22] .

ثالثًا: صادقون متقون:

كان للتربية التي تلقاها الصحابة رضي الله عنهم من النبي صلى الله عليه وسلم الأثر الكبير في غرس القيم والأخلاق في نفوسهم، فلقد كان صلى الله عليه وسلم يغذوهم بإرشاداته وبسلوكه، فلا غرو أن تأثروا به عليه الصلاة والسلام،

ولا نعني بالصدق ما يتعلق بالأقوال فقط، وإنما صدق القوم في أعمالهم، وفي نياتهم، فلما أسلموا، أسلموا قيادهم لله رب العالمين، فصدقوا في ذلك، فإذا ما دعوا لأمر سارعوا إلى تنفيذه، فقدموا أنفسهم رخيصة في سبيل الثبات على الدين يوم كانوا بمكة، يعذبون أشد العذاب، ثم تركوا مكة، موطنهم، وتركوا أهاليهم، والغالي والنفيس يوم دعا داعي الهجرة، ولم يلتفتوا إلى أي حظ من حظوظ الدنيا، ولا يكاد ينقضي العجب حينما يتأمل المرء في ترك قرشي مكة المكرمة، وما تعني له وللعرب، ثم يمضي إلى الحبشة، يحمل معه دينه، إن هذا بحق عين الصدق في المواقف، ثم صدقوا في جهادهم، فبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله تعالى، وفي هذا يقول تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:23] .

قال الطبري: «أوفوا بما عاهدوه عليه من الصبر على البأساء والضراء، وحين البأس» 26.

ويقول سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحشر:8] .

«هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين» 27.

ولنضرب مثلًا يبين صدق الصحابة رضي الله عنهم:

-موقف أنس بن النضر رضي الله عنه.

أخرج الإمام البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: (غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني: أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني: المشركين، ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} إلى آخر الآية) 28.

قال ابن حجر: «وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر، وما كان عليه من صحة الإيمان، وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين» 29.

رابعًا: نفي الخزي عنهم يوم القيامة وإثبات الكرامة لهم:

لما كان للصحابة الكرام هذا الشرف العظيم، وهو صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته، وما قاموا به من جهد عظيم في سبيل الله تعالى، فقد وعدهم الله تعالى على ذلك أحسن الوعد.

يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) } [التحريم:8] .

يقول ابن عاشور: «انتفاء الخزي يومئذ، يستلزم الكرامة إذ لا واسطة بينهما، وفي صلة {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} إيذان بأن سبب انتفاء الخزي عنهم هو: إيمانهم وفي هذه الآية دليل على المغفرة لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم» 30.

وقال البقاعي في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} : «وهم الصحابة رضي الله عنهم إن كان المراد المعية في مطلق الزمان، وسابقوهم إن كان المراد بالوصف أو زمان مخصوص كبدر وبيعة الرضوان» 31.

والحقيقة أن الكرامة الحقيقية في اصطفاء الله تعالى هذا الجيل ليكون في صحبة سيد ولد آدم، رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، ولعلنا نلحظ هذا الأمر في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} [الحجرات:7] .

وما يوحي به التقديم؛ فيكم لا في غيركم، ويا له من شرف عظيم؛ إذ اختارهم رب العالمين ليقوموا بهذا الأمر العظيم: مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم في حمل عبء نشر الرسالة، ولقد قاموا بها خير قيام، حتى استحقوا وصف: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] .

قال ابن كثير بعد أن ذكر الأقوال في المراد بهذه الآية: «الصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: خيارًا {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] » .

وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبيًا قبله ولا رسولًا من الرسل؛ فالعمل على منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه» 32.

خامسًا: الوعد لهم جميعًا بالحسنى:

لاشك أن الصحابة رضي الله عنهم يتفاوتون في الفضل، فهم ليسوا على درجة واحدة، وهذا مما دل عليه القرآن الكريم والسنة المطهرة.

فمن ذلك قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد:10] .

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو سعيد الخدري: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) 33.

والذي نود تأكيده، أن الجميع قد وعدوا الجنة بنص الآية التي قررت تفاضلهم، يقول تعالى في الآية نفسها: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} قال القرطبي مبينًا المراد من الآية: «المتقدمون المتناهون السابقون، والمتأخرون اللاحقون، وعدهم الله جميعًا الجنة مع تفاوت الدرجات 34.

والنص على أن الجميع وعدوا الحسنى؛ «لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر، فيتوهم متوهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه مع تفضيل الأول عليه» 35.

يقول ابن عاشور: «وقوله: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} احتراس من أن يتوهم متوهم أن اسم التفضيل مسلوب المفاضلة للمبالغة، مثل ما في قول: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف:33] .

أي: حبيب إلي دون ما يدعونني إليه من المعصية، وعبر بـ {الْحُسْنَى} ؛ لبيان أن الدرجة هي درجة الحسنى؛ ليكون للاحتراس معنى زائد على التأكيد وهو ما فيه من البيان، والحسنى: لقب قرآني إسلامي يدل على خيرات الآخرة.

قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26] .

وهذه الآية أصل في تفاضل أهل الفضل فيما فضلوا فيه، وأن الفضل ثابت للذين أسلموا بعد الفتح من أهل مكة وغيرهم. وبئس ما يقوله بعض المؤرخين من عبارات تؤذن بتنقيص من أسلموا بعد الفتح من قريش مثل كلمة «الطلقاء» ، وإنما ذلك من أجل حزازات في النفوس قبلية أو حزبية، والله يقول: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات:11] » 36.

والذي يعنينا هنا أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعًا قد وعدوا بالجنة.

سادسًا: الرضوان من الله تعالى:

إن غاية ما يرجوه المسلم: رضا الله سبحانه وتعالى، ولقد بشر الله تعالى الصحابة رضي الله عنهم بذلك، وحازوا هذا الفضل وهم في دار الدنيا.

قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) } [الفتح:18] .

ولبيان من هم، وكم عددهم؟ أذكر ما أخرجه الإمام البخاري بسنده (عن البراء رضي الله عنه قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية: بئر فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا) 37.

يقول ابن كثير عن هذه الآية الكريمة: «يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وقوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الصدق والوفاء والسمع والطاعة» 38.

وقل مثل ذلك في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) } [التوبة:100] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت