قبل أن نبدأ الحديث عن اليهود وعن انحرافاتهم وضلالاتهم وطباعهم القبيحة كان حريًا بنا أن نميز بين مصطلحي اليهود وبني إسرائيل، حيث إن كثيرًا من الباحثين والكتاب يختلط الأمر عليهم، فيتحدثون عن اليهود وكأنهم هم بنو إسرائيل، وعن بني إسرائيل كأنهم هم اليهود أنفسهم، وهذا الأمر يجب أن يوضح منذ البداية.
أولًا: التعريف باليهود:
اليهود: هم من ينتسبون إلى الديانة اليهودية.
واختلفت الأقوال في سبب تسميتهم بهذا الاسم، فمنها:
قيل: إنهم سموا يهودًا؛ «لأنهم يتهودون، أي: يتحركون عند قراءة التوراة» 1 بنو إسرائيل: هم ذرية سيدنا يعقوب عليه السلام، فإسرائيل هو اسم سيدنا يعقوب.
و «اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ومعناه: عبدالله؛ لأن (إسرا) في لغتهم هو العبد و (إيل) هو الله، وقيل: إن له اسمين. وقيل: إسرائيل لقب له. وهو اسم أعجمي غير منصرف» 2.
وقيل: إنهم سموا يهودًا نسبة إلى (يهوذا) الابن الرابع ليعقوب عليه السلام، قال البيروني: «وإنما سموا باليهود نسبة إلى يهوذا أحد الأسباط، فإن الملك استقر في ذريته، وأبدلت الذال المعجمة دالًا مهملة؛ لأن العرب كانوا إذا نقلوا أسماء أعجمية إلى لغتهم غيروا بعض حروفها» 3.
وقيل: من التوبة والرجوع، ذكر ابن منظور في معجمه «الهود: التوبة، هاد يهود هودًا: تاب ورجع إلى الحق فهو هائد، وفي التنزيل العزيز: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: (156) ] ، أي: تبنا ورجعنا إليك، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم، ويهودا اسم للقبيلة وقالوا: (اليهود) فأدخلوا الألف واللام فيها على إرادة النسب يريدون اليهوديين، وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: (146) ] ، معناه: دخلوا اليهودية، وهود الرجل: حوله إلى اليهودية، وهاد ويهود إذا صار يهوديًا» 4.
ثانيًا: الفرق بين بني إسرائيل واليهود:
بنو إسرائيل: هم ذرية سيدنا يعقوب عليه السلام، فإسرائيل هو اسم سيدنا يعقوب.
«اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ومعناه: عبدالله؛ لأن (إسرا) في لغتهم هو العبد و (إيل) هو الله، وقيل: إن له اسمين. وقيل: إسرائيل لقب له. وهو اسم أعجمي غير منصرف» 5.
ولعل الفرق يتضح جليًّا بين مصطلحي اليهود وبني إسرائيل من خلال آيات القرآن الكريم:
فلقد ذكر مصطلح (بني إسرائيل) إحدى وأربعين مرةً في القرآن الكريم، والمتتبع للآيات التي ذكر فيها بنو إسرائيل في القرآن الكريم يجد أن ذكرهم قد قصد به أزمان وأوقات مختلفة:
-فآية واحدة فقط تحدثت عن بني إسرائيل قبل زمن سيدنا موسى عليه السلام، بقوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى? نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ? قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ?93?) [آل عمران: (93) ] .
-ونصف الآيات التي ذكر فيها مصطلح (بني إسرائيل) قصدت الذين عاصروا سيدنا موسى عليه السلام، ومثال ذلك قوله تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى? قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى? أَصْنَامٍ لَّهُمْ ? قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَ?هًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ? قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:(138) ] .
-وهناك بعض الآيات تحدثت عن بني إسرائيل بعد عهد سيدنا موسى عليه السلام، كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى? إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ? قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ? فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ?246?) [البقرة: (246) ] . وقوله سبحانه: (ٹ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى? لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ?78?) [المائدة: (78) ] .
-كما أن هناك بعض الآيات التي تحدثت عن بني إسرائيل الذين عاصروا سيدنا عيسى عليه السلام، كقوله سبحانه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ? وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ? إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ?72?) [المائدة: (72) ] .
-ومن الآيات ما تحدثت عن بني إسرائيل الذين عاشوا زمن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كقوله سبحانه: (إِنَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ?76?) [النمل: (76) ] .
ولقد ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، وما اشتمل عليه من الهدى والبينات والفرقان، أنه يقص على بني إسرائيل -وهم حملة التوراة والإنجيل- أكثر الذي هم فيه يختلفون، كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غلوا، فجاء إليهم القرآن بالقول الوسط الحق العدل، أنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام عليه أفضل الصلاة والسلام، كما قال تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} [مريم: (34) ] » 6.
وعن اختلاف بني إسرائيل بشأن عيسى عليه السلام قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: (14) ] .
ولقد ذكر ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية «الإخبار بأن بني إسرائيل افترقوا طائفتين، طائفة آمنت بعيسى وما جاء به، وطائفة كفرت بذلك، وهذا التفريع يقتضي كلامًا مقدرًا وهو «فنصروا الله بالدعوة والمصابرة عليها» فاستجاب بعض بني إسرائيل وكفر بعض، وإنما استجاب لهم من بني إسرائيل عدد قليل، فقد جاء في إنجيل «لوقا» أن أتباع عيسى كانوا أكثر من سبعين، والمقصود من قوله: {فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ} التوطئة لقوله: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} ، والتأييد النصر والتقوية، أيد الله أهل النصرانية بكثير ممن اتبع النصرانية بدعوة الحواريين وأتباعهم مثل بولس» 7.
بناءً على ذلك، يتضح جليًّا أن بني إسرائيل قد انقسموا إلى قسمين ظاهرين بديانتين مختلفتين، وهما اليهودية والنصرانية، فنبي الله عيسى عليه السلام هو من بني إسرائيل وأرسل إليهم رسولًا مصدقًا لما بين يديه من التوراة ومبشرًا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما أوتي الإنجيل فيه هدىً ونور.
فاختلف بنو إسرائيل بشأن سيدنا عيسى عليه السلام، فمنهم من آمن به وصدقه وناصره، ومنهم من لم يؤمن به وكذبه وحاول قتله: فالقسم الأول من بني إسرائيل هم النصارى الذين قاموا بعد ذلك بنشر دينهم للعالمين، وما زالت الحملات التنصيرية التي يقوم بها هؤلاء شاهدًا على حرصهم على نشر دين النصرانية أو المسيحية التي حرفت وحادت عن طريق الحنيفية السمحاء.
والقسم الآخر من بني إسرائيل «وهم الأغلب» كذبوا عيسى عليه السلام وحاربوه وحاولوا قتله، فرفعه الله إليه، وهؤلاء بدورهم لم يقوموا بنشر دينهم كما فعل النصارى، بل حرصوا أشد الحرص على ألا يدخل في دينهم أحد، إلا أنه وفي فترات من التاريخ دخل الدين اليهودي مجموعة من الناس كيهود الخزر وغيرهم.
لذلك نجد في وقتنا الحالي أن عدد النصارى أكثر بكثير من عدد اليهود، مع العلم أنهم مع بداية افتراقهم كان عدد بني إسرائيل الذين اتبعوا الديانة النصرانية أقل بكثير من عدد بني إسرائيل الذين اتبعوا الديانة اليهودية، لذا عندما يطلق الحديث عن بني إسرائيل يتبادر للذهن مباشرةً أنهم هم اليهود.
وردت مادة (هود) في القرآن الكريم (( 21 ) )مرة 8.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... (11) ... {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الجمعة: (6) ]
الاسم (هود) ... (1) ... {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: (135) ]
الاسم (اليهود) ... (9) ... {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: (64) ]
واليهود هم أتباع الديانة اليهودية، وهم من بني إسرائيل، وليس كل بني إسرائيل من اليهود.
أهل الكتاب:
أهل الكتاب لغة:
أهل الرجل عشيرته وذوو قرباه، وأهل المذهب: من يدين به، وأهل الإسلام: من يدين به، وأهل الأمر: ولاته، وأهل البيت: سكانه، وأهل الرجل: زوجه وأخص الناس به، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: أزواجه وبناته وصهره 9.
والكتاب: كتبه كتبًا وكتابًا أي: خطه، وهو ما يكتب فيه، والدواة والتوراة والصحيفة والفرض والحكم والقدر 10.
ويراد به أيضًا الكتب السماوية، وحيثما ذكر في القرآن الكريم التركيب الإضافي {أَهْلِ الْكِتَابِ} فإنما أريد بالكتاب التوراة والإنجيل، وكذلك إذا ذكر التركيب الإسنادي {أُوتُوا الْكِتَابَ} أو (آتيناه الكتاب) 11.
وأهل الكتاب: «من يجتمعون حوله، والمراد اليهود والنصارى» 12.
أهل الكتاب اصطلاحًا:
هم اليهود والنصارى، ومن دان دينهم بفرقهم المختلفة، ومن عدا هؤلاء من الكفار فليس من أهل الكتاب؛ بدليل قول الله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: (156) ] 13.
قال الشهرستاني: «الخارجون عن الملة الحنيفية والشريعة الإسلامية ممن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام، وهم قد انقسموا إلى من له كتاب محقق مثل التوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم التنزيل بأهل الكتاب، وإلى من له شبهة كتاب، مثل المجوس» 14.
الصلة بين أهل الكتاب واليهود:
أهل الكتاب: هم أهل الديانات التي لها كتاب سماوي من يهود وهم أهل التوراة، ونصارى وهم أهل الإنجيل، فإذًا اليهود بعض أهل الكتاب.
بنو إسرائيل:
بنو إسرائيل اصطلاحًا:
إسرائيل لقب أطلق على يعقوب بن إسحاق عليهما السلام.
قال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: (93) ] .
وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب عليه السلام، وكانوا اثني عشر سبطًا.
قال تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: (211) ] 15.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في كلمة إسرائيل: معناه: (عبدالله) ، لأن إسرا بمعنى: عبد، وإيل: اسم الله، أي: إنه مركب من كلمتين: إسرا، وإيل، كما يقولون: بيت إيل 16.
الصلة بين بني إسرائيل واليهود:
اليهود هم من بني إسرائيل ذرية يعقوب عليه السلام.
أنعم الله الكريم المنان على بني إسرائيل بنعم خصهم بها دون العالمين، وقوبلت هذه النعم بالجحود والاستكبار والفساد في الأرض، وتنوعت هذه النعم وتعددت، وسنذكر منها أربعًا:
أولًا: التفضيل على عالمي زمانهم:
من النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل نعمة التفضيل على عالمي زمانهم، ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى في موضعين مختلفين من القرآن الكريم هذه النعمة، بقوله سبحانه: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: (47) ] .
والتفضيل على العالمين هنا تفضيل مرهون بزمان معين، وليس في كل الأزمنة والعصور، كما أن التفضيل هنا أيضًا جاء مذكرًا لبني إسرائيل بشكل عام واليهود في المدينة بشكل خاص بهذه النعمة التي أنعم الله بها على آبائهم من قبل، لكي يعودوا إلى الحق والصواب، ولاتباع ما أنزل إليهم من ربهم بقبول دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتفضيل على العالمين انتهى بسبب جحودهم وكفرهم ونقضهم للعهود وقتلهم للأنبياء، فكان الجزاء الغضب واللعنة على من كفر منهم.
ولقد عبر الإمام البغوي عن هذا التفضيل المذكور في الآية بقوله: «أي: عالمي زمانكم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء، ولكن يحصل به الشرف للأبناء» 17.
ثانيًا: أنبياء بني إسرائيل وكتبهم:
أقام الله سبحانه وتعالى الحجة على الناس بأن أرسل الرسل؛ ليبلغوا رسالته، وأنزل معهم الكتب لتبين للناس طريق الهدى والصلاح في الدنيا والآخرة.
يقول سبحانه: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: (165) ] .
فلقد أنعم الله على بني إسرائيل بأن بعث فيهم رسلًا من أنفسهم ومن أبناء جلدتهم، ابتداءً بيعقوب ويوسف ومن بعدهم موسى وهارون وداود وسليمان وإلياس واليسع وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام جميعًا، فبلغوا رسالة ربهم لبني إسرائيل الذين بادروهم إما بالتكذيب وإما بالقتل.
يقول الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: (70) ] .
ولقد ذكر الخازن في تفسيره: «قوله عز وجل: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} يعني أخذنا العهود عليهم في التوراة بأن يعملوا بما فيها من التوحيد والعمل بما أمرناهم به والانتهاء عما نهيناهم عنه، {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا} يعني لبيان الشرائع والأحكام {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ} يعني: بما يخالف أهواءهم ويضاد شهواتهم من ميثاق التكليف والعمل بالشرائع، {فَرِيقًا كَذَّبُوا} يعني: من الرسل الذين جاءتهم، {وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} يعني: من الرسل، فكان فيمن كذبوا عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكان فيمن قتلوا زكريا ويحيى عليهما السلام، وإنما فعلوا ذلك نقضًا للميثاق وجراءة على الله عز وجل ومخالفة لأمره» 18.
أما الكتب التي أنزلت على بني إسرائيل فهي التوراة والزبور والإنجيل، ولقد قاموا بتحريف كتبهم وزوروها وكتموها.
يقول سبحانه: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: (79) ] .
ويقول سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: (187) ] .
ثالثًا: النجاة من بطش فرعون وإهلاك عدوهم:
من نعم الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل أن أنجاهم مع سيدنا موسى عليه السلام من بطش فرعون وجنوده، ففرق الله بهم البحر فنجاهم وأغرق الله فرعون وجنوده.
يقول سبحانه: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: (49) - (50) ] .
والمتأمل في هاتين الآيتين يجد الوصف الرباني لبلاء بني إسرائيل من رب العالمين، حيث وصفه سبحانه بأنه بلاء عظيم، عظيم لما فيه من زيادة في العذاب، وليس أي عذاب، بل سوء العذاب، وهذا البلاء عظيم لما فيه من قتل وذبح للأبناء فلذات الأكباد، وحتى أمر استحياء النساء فيه بلاء عظيم أيضًا، لما تتكبده المرأة في حياتها من كدر وهم لفقدها لابنها بالقتل والذبح.
وبعد أن وصف الله هذا البلاء بأنه عظيم بين سبحانه النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، حين أنعم الله عليهم بمعجزة لم تحدث إلا مرة واحدة في التاريخ، حيث فرق الله البحر وجعله فرقين كل فرق كالطود العظيم، وليس هذا فحسب بل أنعم الله عليهم بالنجاة، وبالسير بين الفرقين دون فرعون وقومه الذين طبق عليهم البحر فأغرقهم سبحانه وتعالى، كل ذلك وأنتم يا بني إسرائيل تشاهدون بأم أعينكم ما يحدث من نعم ومعجزات، ومع كل ذلك قابل كثير من بني إسرائيل هذه النعم بالجحود، فعبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري، وخالفوا أمر ربهم ونبيه موسى عليه السلام.
رابعًا: تفجير ينابيع المياه لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم:
من النعم التي خص الله بها بني إسرائيل أن فجر لهم من الحجر ماءً نقيًا؛ ليشربوا منه من بعد الظمأ، وأن الله أنزل عليهم المن والسلوى بعد أن نجاهم من فرعون وجنوده.
يقول سبحانه: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: (60) ] .
ويقول سبحانه: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: (80) - (82) ] .
ونلاحظ من الآيات التي يذكر الله فيها بني إسرائيل بالنعم التي أنعمها عليهم أنه سبحانه يحذرهم من الفساد أو الطغيان، {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ، {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ} فالنعم من الله تستوجب الحمد والشكر، ونعم الله على بني إسرائيل كانت لمساعدتهم على تحكيم شرع الله في أنفسهم وفي الأرض، ولإقامة الحجة عليهم بأن وفر لهم كل السبل التي تعينهم على ذلك.
رغم كل هذه النعم الواضحة البينة التي أنعم الله بها على بني إسرائيل وخصهم بها دون العالمين قابل كثير من بني إسرائيل تلك النعم بالجحود والإنكار والجدال والاستكبار، وانحرف كثير منهم انحرافات مقيتة في العقائد والسلوك والأخلاق.
[انظر: بنو إسرائيل: من نعم الله على بني إسرائيل]
بين الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز الانحرافات والضلالات التي اتصف بها اليهود، سواءً كانوا من نسل بني إسرائيل أو ممن تهود معهم، كما أن هناك آيات أخرى تحدثت مباشرة عن انحرافات اليهود الذين عاصروا النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
أولًا: انحرافات في العقيدة:
1.قولهم: إن الله فقير.
لم يكتف اليهود بالتجرؤ على أنبيائهم فحسب، بل بلغ الكبر والغرور فيهم أن قالوا في حق الله ما لا يليق به سبحانه وتعالى، ونعتوه بالفقر، سبحانه وتعالى عما يقولون، فهو الغني الكريم الجواد جل في علاه، ولقد أخبر الله سبحانه في كتابه عن سماعه لما افتراه اليهود بقوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ? سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ?181? [آل عمران:(181) ] .
ذكر البيضاوي في تفسيره لهذه الآية: (قالته اليهود لما سمعوا(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [البقرة: (245) ] .
وروي «أنه عليه الصلاة والسلام كتب مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضًا حسنًا، فقال فنحاص بن عازوراء: إن الله فقير حتى سأل القرض. فلطمه أبو بكر رضي الله عنه على وجهه، وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك. فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله، فنزلت» 1920.
2.قولهم: يد الله مغلولة.
أي جرأة تجرأ بها هؤلاء؟! وأي وقاحة وصلوا إليها بتجرئهم على الله سبحانه وتعالى، وبأبشع الأوصاف وأقبحها؟! كل هذا من أجل المال والنفقة، لقد تسرب حب المال في عروقهم، وتشبعت نفوسهم بالبخل والشح، فأخذوا يلقون التهم على الله سبحانه وتعالى الكريم المنان.