فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 2431

وذلك حينما أوقدوا له النار؛ بسبب ما كان يدعوهم إليه من التوحيد، ونبذ الشرك بالله تبارك وتعالى.

يقول سبحانه وتعالى: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ?97? فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ?98? وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات:97 - 99] .

ثانيًا: أساليب دعوته:

التنويع في أساليب الدعوة أمر هدى الله إليه رسله وأنبياءه؛ فإن لكل مقام مقالًا، ولكل حادثة حديثًا، والأسلوب الذي يحسن استعماله في موطن؛ لا يصلح أن يستعمل في موطن آخر، وهذا من الحكمة التي آتاها الله إبراهيم عليه السلام؛ فقد استعمل مع قومه أساليب نظرية في دعوتهم، وأخرى عملية، سنعرض لها على النحو التالي:

1.الأساليب النظرية.

2.الحوار.

يقص علينا القرآن الكريم ما دار بين إبراهيم عليه السلام وأبيه من حوار حول عبادة غير الله.

يقول الله جل جلاله: (وَاذكُر فِي الكِتابِ إِبراهيمَ إِنَّهُ كانَ صِدّيقًا نَبِيًّا ?41? إِذ قالَ لِأَبيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعبُدُ ما لا يَسمَعُ وَلا يُبصِرُ وَلا يُغني عَنكَ شَيئًا ?42? يا أَبَتِ إِنّي قَد جاءَني مِنَ العِلمِ ما لَم يَأتِكَ فَاتَّبِعني أَهدِكَ صِراطًا سَوِيًّا ?43? يا أَبَتِ لا تَعبُدِ الشَّيطانَ إِنَّ الشَّيطانَ كانَ لِلرَّحمنِ عَصِيًّا ?44?يا أَبَتِ إِنّي أَخافُ أَن يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحمنِ فَتَكونَ لِلشَّيطانِ وَلِيًّا ?45? قالَ أَراغِبٌ أَنتَ عَن آلِهَتي يا إِبراهيمُ لَئِن لَم تَنتَهِ لَأَرجُمَنَّكَ وَاهجُرني مَلِيًّا ?46? قالَ سَلامٌ عَلَيكَ سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبّي إِنَّهُ كانَ بي حَفِيًّا ?47? وَأَعتَزِلُكُم وَما تَدعونَ مِن دونِ اللَّهِ وَأَدعو رَبّي عَسى أَلّا أَكونَ بِدُعاءِ رَبّي شَقِيًّا) [مريم:41 - 48] .

حوار عذب هادئ رصين، ملؤه الحنان والعطف والشفقة، سمته الأدب والبر والتقدير، وهذا من جهة إبراهيم 45.

وفي المقابل الفظاظة والجفاء والغلظة من جهة والده، وتظهر السمات سالفة الذكر في أسلوب إبراهيم عليه السلام من خلال ما يلي:

نادى والده مستعملًا في ندائه تاء الاحترام (أبت) بدلًا من استعمال ياء الإضافة.

لم ينعت أباه بالجهل، بل أشعره بأنه يعترف بما لديه من علم، لكنه أخبره أنه قد أتاه الله علمًا زائدًا على الذي عنده.

طلب منه أن يتبعه؛ معللًا ذلك بأنه قد عرف طريق الحق، ولم يذكر له أنه على طريق عوجاء.

ذكر له الداعي الذي دعاه لهذا الحوار-الأمر الذي قد يراه أبوه جرأة منه عليه-، وهو الخوف والإشفاق على أبيه من عذاب الله تعالى.

قوله له بعد التهديد والوعيد الذي قابله به: (قالَ سَلامٌ عَلَيكَ سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبّي إِنَّهُ كانَ بي حَفِيًّا) .

3.التعريض والإشارة.

وذلك في يوم اجتماع لقومه يعظمون فيه النجوم، خرج معهم وأظهر أنه سيفعل مثل فعلهم، وما كان ذلك عن إيمان، وإنما مجاراة لهم؛ ليبين لهم ضعف عقولهم، إذ لم يتفكروا ولم يتبصروا، فالمعبود الذي يستحق العبادة لا ينبغي له أن يتغيب عن عبيده، ولما كانت النجوم تظهر وتختفي؛ كان هذا دليلًا على نقصها وعجزها 46.

يقول الله سبحانه وتعالى عن هذا الأسلوب وكيف وظفه إبراهيم عليه السلام: (وَكَذلِكَ نُري إِبراهيمَ مَلَكوتَ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَلِيَكونَ مِنَ الموقِنينَ ?75?فَلَمّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأى كَوكَبًا قالَ هذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلينَ ?76? فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِن لَم يَهدِني رَبّي لَأَكونَنَّ مِنَ القَومِ الضّالّينَ ?77? فَلَمّا رَأَى الشَّمسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبّي هذا أَكبَرُ فَلَمّا أَفَلَت قالَ يا قَومِ إِنّي بَريءٌ مِمّا تُشرِكونَ ?78? إِنّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرضَ حَنيفًا وَما أَنا مِنَ المُشرِكينَ) [الأنعام: 75 - 79] .

وكان من حكمته أن قد بدأ بالأصغر؛ ليبين أنه إن لم يستمر في الظهور؛ فلا يستحق أن يعبد، ثم ثنى بما هو أكبر، وهو القمر، فلربما كان هو الأبقى الذي يستحق العبادة؛ لأنه أقدر على الظهور، فلما غاب؛ بين لهم أنه جدير بالكفر بعبادته، ثم التفت إلى الشمس وقد كانت منافعها أكثر، لكنها جرت على سنة سابقيها من الاختفاء؛ فكانت لها نفس النتيجة، وهي عدم استحقاق العبادة.

4.الدعوة إلى التبصر والتدبر.

كان إبراهيم أمة كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه، فقد استنفد كل الأساليب والوسائل في دعوة أبيه وقومه، وذكر الله جل جلاله أمثلة عليها.

ومن هذه الأمثلة قوله عز وجل: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ?69? إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ?70? قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ?71? قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ?72? أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ?73? قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ?74? قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ?75? أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ?76? فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ?77? الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ?78? وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ?79? وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ?80? وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ?81? وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) [الشعراء: 69 - 82] .

دعاهم إلى النظر والتأمل في طبيعة آلهتهم، فهل لديها ما يوجب لها العبادة من مقومات الألوهية، فهل هي تسمع دعاءهم؟ وهل يمكنها جلب المنافع لهم؟ أم هل يمكنها دفع المضار؟ فأجابوه: بأن هذا فعلٌ عهدوا عليه آباءهم، فهم متبعون لهم على هذه الطريقة؛ فأخبرهم بأن هذا لا يبرر فعلهم، وهو فوق ذلك يعلن العداء لكل معبود عبده قومه وآباؤهم، إلا أن يكون المعبود هو الله؛ لأنه وحده الذي بيده الرزق، وهو الذي بيده الشفاء من الأمراض، وهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يغفر الذنوب جميعًا يوم القيامة، ففيه الرجاء لفعل هذا؛ فهو حقيق بالعبادة 47.

5.المحاجة والمجادلة.

ويظهر هذا الأسلوب في موقفين ذكرهما القرآن:

الموقف الأول: حين خوفه قومه من آلهتهم أن تصيبه بسوء:

يقول الله سبحانه وتعالى في عرض هذا المشهد: (وَحاجَّهُ قَومُهُ قالَ أَتُحاجّونّي فِي اللَّهِ وَقَد هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشرِكونَ بِهِ إِلّا أَن يَشاءَ رَبّي شَيئًا وَسِعَ رَبّي كُلَّ شَيءٍ عِلمًا أَفَلا تَتَذَكَّرونَ ?80? وَكَيفَ أَخافُ ما أَشرَكتُم وَلا تَخافونَ أَنَّكُم أَشرَكتُم بِاللَّهِ ما لَم يُنَزِّل بِهِ عَلَيكُم سُلطانًا فَأَيُّ الفَريقَينِ أَحَقُّ بِالأَمنِ إِن كُنتُم تَعلَمونَ ?81? الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدونَ ?82? وَتِلكَ حُجَّتُنا آتَيناها إِبراهيمَ عَلى قَومِهِ نَرفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكيمٌ عَليمٌ) [الأنعام:80 - 83] .

الموقف الثاني: مع النمرود:

يقول الله تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ? قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: 258] .

6.الاستهزاء والتهكم.

وقد ذكر الله له ثلاثة مواقف:

الموقف الأول: عند دعوتهم له؛ ليشهد عيدهم الديني:

ويصف المولى هذا المشهد قائلًا: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ?88? فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ?89? فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ?90? فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ?91? مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ?92? فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) [الصافات: 88 - 92] .

ولنا وقفة مع هذه الآيات الثلاث، حيث إن المفسرين اختلفوا في سبب قول إبراهيم عليه السلام: (إِنِّي سَقِيمٌ) على أقوال كثيرة؛ ليخرجوها مخرج الصدق، وهو بلا شك مقصد حسن.

لكنه يتعارض مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا ثلاث كذباتٍ، ثنتين في ذات الله، قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وواحدةٌ في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبارٍ ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار، إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك) 48.

وذهب بعض العلماء إلى رد الحديث، وتضعيفه، وهو مروي في الصحيحين.

إن الناظر في اختلاف المفسرين في هذه المسألة يجدها على أقوال 49، وإن كانت محمولة على الاعتذار لنبي الله إبراهيم عليه السلام، إلا أنها تضعف عن النهوض للتوفيق بين ما يرونه وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم في إبراهيم عليه السلام.

والذي يؤكد أن الكذب هنا هو المراد حقيقة، وذلك في حديث الشفاعة الذي جاء فيه قول إبراهيم عليه السلام حين يأتيه الناس؛ ليشفع لهم: (فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أنهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟، فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذباتٍ) 50.

ولكنه كذب لا يذم فاعله؛ كغيره من الأنواع التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا أعده كاذبًا، الرجل يصلح بين الناس، يقول القول ولا يريد به إلا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث زوجها) 51.

وما واحد من هذه المواطن في الشرف بمكانة، مثل المواطن الذي كذب فيها إبراهيم عليه السلام، إذن هو كذب مشروع، ومأجور عليه صاحبه، وما كان من اعتذار لإبراهيم عليه السلام عن الشفاعة، -معللًا ذلك بهذه المواقف-، إلا حياؤه من الله عز وجل؛ لأنه كان بإمكانه أن يأتي بالعزيمة؛ لبيان الحق في تلك الأقوال مباشرة، وتحمل تبعات ذلك في سبيل الله سبحانه وتعالى، والله جل جلاله أعلم.

وتوجيه القول بأن ما صدر من إبراهيم إنما هو كذب؛ أن قوم إبراهيم عليه السلام حينما دعوه لحضور عيدهم، -وكانوا قومًا يعظمون النجوم-؛ فنظر إلى النجوم قائلًا: إني سقيم أعجز عن حضور عيدكم، فإن كانت هذه النجوم التي تعظمونها قادرة على شفائي؛ أذهب معكم، حينها تولوا عنه مدبرين، حيث إنه أفحمهم بحجته، وقد علموا أنه إنما قال ما قال على سبيل الاستهزاء؛ فتركوه؛ حتى لا ينغص عليهم عيدهم، ويسمعهم ما يكرهون في آلهتهم.

وهي ليست بالأمر الغريب على إبراهيم عليه السلام، فقد سبق له أن خاطبهم بالطريقة نفسها، حينما بين لهم عدم صلاحية الشمس والقمر والنجم للعبادة، حيث أوهمهم بقوله كما يبينه لنا القرآن: (قَالَ هَ?ذَا رَبِّي) [الأنعام: 76] .

مرة في الكوكب، ومرة في القمر، ومرة في الشمس، وهو لا يريد بقوله هذا أنه آمن بها، وإنما أراد التدرج معهم؛ لبيان عدم صلاحيتها للألوهية.

وهذه كانت قبل قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) وفي مرة أخرى حينما سألوه عمن حطم آلهتهم، قال: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَ?ذَا) [الأنبياء:63] .

وهذه حدثت بعد قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) .

وقد توسطت هذه الحادثة، تلكما الحادثتين، وهما من قبيلٍ واحد، وقد أشبهتهما هذه الحادثة؛ فلا يمتنع أن تكون من جنسهما، أي: أنه قال هذا القول على سبيل الاستهزاء والله سبحانه وتعالى أعلم.

الموقف الثاني: قبل تحطيم الأصنام:

حين دخل على الأصنام، وقرابين قومه التي قربوها إليها موضوعة أمامها؛ فسأل الأصنام، -وهو يعلم أنها لن تجيبه-، فكان سؤالًا على سبيل الاستهزاء بفعل قومه، فهو يعلم أنه لا ذنب لحجر -لا اختيار له فيما صنع به من التعظيم-؛ ليكون ندًا لله عز وجل.

يقول الله تبارك وتعالى مخبرًا لنا عن هذا الموقف: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ?91? مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ?92? فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) [الصافات: 91 - 93] .

ثم قام بتحطيمها لا عقوبة لها، ولكن تبكيتًا لقومه، وتنفيذًا لوعيده الذي توعدهم به، واستحضارًا بهذا الفعل لعقولهم؛ لعلهم يرشدون حين يرون آلهتهم وهي محطمة، لم تستطع الدفاع عن نفسها 52.

الموقف الثالث: بعد تحطيم الأصنام:

بعد ذهاب قوم إبراهيم عليه السلام إلى عيدهم فعل إبراهيم عليه السلام ما كان قد توعدهم به من كيد للأصنام، فقام بتحطيمها، ثم لما رجعوا؛ وجدوا ما حل بها، فتساءلوا عمن فعل هذا بها؟، ثم تذكروا أن إبراهيم عليه السلام قد ذكرها وتوعدها، فذهبوا إليه؛ ليتثبتوا منه، وقد أضمروا الكيد به، والانتقام لآلهتهم من فعلته.

وقد كان بينهم هذا الحوار، حيث يقول الله عز وجل: (قالوا أَأَنتَ فَعَلتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبراهيمُ ?62? قالَ بَل فَعَلَهُ كَبيرُهُم هذا فَاسأَلوهُم إِن كانوا يَنطِقونَ ?63? فَرَجَعوا إِلى أَنفُسِهِم فَقالوا إِنَّكُم أَنتُمُ الظّالِمونَ ?64? ثُمَّ نُكِسوا عَلى رُءوسِهِم لَقَد عَلِمتَ ما هؤُلاءِ يَنطِقونَ ?65? قالَ أَفَتَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَنفَعُكُم شَيئًا وَلا يَضُرُّكُم ?66? أُفٍّ لَكُم وَلِما تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ أَفَلا تَعقِلونَھ) [الأنبياء: 62 - 67] .

قالوا له: هل أنت الفاعل بآلهتنا ما نراه يا إبراهيم؟ فأجابهم إجابة يعلم أنها ليست بحق، ولكنه أراد بهذه الطريقة أن يوقفهم على ما فيه نقص عقولهم بمنهاج عملي، ولنا معه وقفة، فهو لما قال لهم: إن الفاعل هو أكبر أصنامهم، وأشار عليهم بأن يسألوه هو بدلًا من أن يسألوا إبراهيم عليه السلام، وهو يقول لهم ذلك مستهزئًا بعجز آلهتهم؛ لعلمه القاطع بعدم قدرتها على الإجابة، توقفوا مع قول إبراهيم عليه السلام، وفهموا مراده.

لكن سرعان ما انقلبوا رأسًا على عقب؛ فقد أقروا بعجز آلهتهم، ثم لم يلبثوا أن تركوا التأمل في طبيعة أصنامهم، واحتجوا لأنفسهم على إبراهيم عليه السلام بما أراده أن يكون حجة عليهم، فإذا بلغ منهم الأمر هذا المبلغ؛ فأي رجاء حينئذٍ في هداية قوم احتجوا بالباطل البين -الذي هو حجة على بطلان الباطل-؛ فجعلوا به الباطل حقًا؟

فجاء رد إبراهيم عليه السلام بالتضجر منهم ومن عقم تفكيرهم، متسائلًا كيف تقبلون على أنفسكم أن تكونوا عبادًا لشيء لا يحصل لكم منه نفع، ولا يحل بكم منه ضر؟! وأكبر دليل أنه لا يستطيع أن يشفي غليلكم في إجابة هذا السؤال الذي أنتم بحاجة ملحة لمعرفة إجابته، أين عقولكم؟!! 53.

2.الأساليب العملية.

7.اعتزالهم ورفض المشاركة في أعيادهم.

هذا خبر إبراهيم عليه السلام حين دعاه قومه للاحتفال بعيدهم، وكيف رد عليهم، يقول الله عز وجل: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ?88? فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ?89? فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) [الصافات: 88 - 90] .

قد مر معنا في الأساليب النظرية أن إبراهيم عليه السلام قد استعمل مع قومه في هذه الحادثة أسلوب التعريض والاستهزاء في عبادة النجوم، وبيان عدم قدرتها على الثبات على حال الظهور، وعجزها عن تحقيق الخير الذي يرجوه الإنسان من معبوده.

وقد كان الموقف الأخير حين جاءوا إليه لدعوته لأن يشاركهم في عيدهم؛ فرفض وتهكم بهم وبعيدهم ومعبودهم؛ ففروا من أمامه؛ لعلمهم أنهم لو مكثوا عنده مزيدًا من الوقت؛ لأسمعهم مما يكرهون في آلهتهم أكثر.

فجاء التعبير القرآني بقوله تعالى: (فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) ، فشبههم بالذي يفر من الزحف موليًا دبره للعدو خوفًا، لا من الهزيمة؛ فإنه لا يفعل ذلك انهزامًا، ولكن خوفًا من القضاء عليه.

وهم قد خافوا من أن يقضي إبراهيم عليه السلام على فرحتهم إذا قضى على صحة معتقدهم، وأبطل دينهم وحجتهم، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد آتاه الحجة الدامغة في مواقف المحاجة والمناظرة 54.

8.تحطيم الأصنام.

يذكر الله عز وجل هذا الموقف من فعل إبراهيم عليه السلام بعد إقامة الحجة منه على قومه في مواطن كثيرة، وبعد سابق وعيدهم على أنه سيكيد أصنامهم، وبيان عدم خوفه منها، واستنفاد كل الأساليب النظرية في بيان الحق، فقد قام بأسلوب من نوع آخر، إنه الأسلوب العملي في إبطال الباطل، إنه تحطيم مصدر الخوف المانع لهم من اتباعه، والإثبات بطريق عملي حسي قاطع، شاخص أمام أعينهم، وماثل بين يدي عقولهم، وشاهد يسمعهم أن هذه الآلهة التي يعبدونها لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا؛ فحري بهم أن يهجروها، وجدير بهم أن يهملوها، ولكن (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ?) [الحج: 18] .

يقول الله تبارك وتعالى: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ?91? مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ?92? فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) [الصافات: 91 - 93] .

ويأتي بيان الحال التي ترك عليها الأصنام في قوله تعالى: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) [الأنبياء:58] .

وإبقاء الكبير أيضًا كان من أجل تقوية الحجة على عجزهم، وذلك أنهم قد يظنون أن الحادث قد وقع بشكل مفاجئ؛ فلم تكن الفرصة للنجاة أو الدفاع عن النفس قد توفرت لديها، وهذا إنما يأتي على سبيل المجاراة لعقولهم العقيمة؛ وإلا فإن من كان يستحق الألوهية يجب أن يكون محيطًا بعلم الحوادث قبل وقوعها، ولا يمكن بحال أن تغيره أو تؤثر فيه، فإن وجود الكبير والحال هذه دليل على عجزه عن الدفاع عن حاشيته 55.

9.الهجرة.

بعد أن استفرغ إبراهيم عليه السلام وسعه، وبذل كل جهده، في إصلاح قومه، إلى أن انقطع أمله منهم، وذلك بعد أن بلغ بهم الإصرار والعناد مبلغًا، دفعهم إلى الكيد له، والسعي في قتله شر قتلة؛ هجرهم.

يقول الله جل جلاله: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] .

ويقول أيضًا: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 48] .

ولم يكن مراده الهجرة إلى الله سبحانه وتعالى من الأرض إلى السماء؛ ليصير إلى جوار ربه، ولا الهجرة من بلد أهله وقومه إلى بلد آخر من أجل الدنيا، وإنما هجرة من الأرض التي يعبد غير الله عز وجل فيها إلى أرض يستطيع فيها عبادة ربه وحده لا شريك له 56.

ولم يلجأ إلى هذا الفعل بمجرد أذى لحق به، فلطالما آذاه وقومه، ولكن الأمر قد بلغ النهاية، كما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أرادوا قتله، حينها أذن له بالهجرة.

أولًا: محاجته عليه السلام لأبيه وقومه:

إن أعلى رتب الكمال البشري تكون حيث كمال الرجل بأخلاقه، وإن الوالدين هم أولى الناس بتحسين الأخلاق معهم بعد رسل الله عليهم السلام، وقد صور لنا القرآن هذا الخلق الحسن فيما دار بين إبراهيم عليه السلام وأبيه، وتقدم بيان هذا في ما سبق، حين تعرضنا لأسلوب الحوار في الدعوة.

وكان حوارًا أقام فيه إبراهيم الحجة على والده، ببطلان ما هو عليه من عبادة الأصنام، كما أخبر الله عز وجل: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم:41 - 48] .

فقد أقام الحجة في هذا المقام، ببيان معالم العجز التفصيلية في آلهة أبيه، والمقتضية ممن له مسحة عقل، وملحة رشد أن يتبرأ من عبادتها؛ فهي عاجزة عن السمع لمن ناداها، عمياء عن رؤية من تقرب إليها وتولاها، ولا تغني شيئًا عمن استجداها، وما هي في حقيقتها إلا عبادة للشيطان، ومعصية للرحمن، وموالاة للعدو الأول للإنسان، فماذا كانت حجة الوالد، التهديد والوعيد، والطرد المديد، وهذه حجة من بغى وطغى، ليس فيها حق ولا هدى 57.

كانت دعوة إبراهيم عليه السلام الدعوة إلى ترك ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام والتصديق بالنجوم وهجرهما، والتوجه إلى الله جل جلاله بالتوحيد الخالص، وكان قومه يخافون من أن يكون للأصنام والنجوم تأثير في مقادير الناس؛ فحذروه من أن يصيبه من شؤم فعله على حد تعبيرهم ما يكره؛ فرد عليهم أنهم أهل لهذا الخوف بما اعتقدوه في أصنامهم من هلاوس، وما أحدثه الشيطان في نفوسهم من وساوس.

أما إبراهيم عليه السلام فهو في أمان من هذه الهواجس، فمن خاف الله سبحانه وتعالى؛ أمنه الله جل جلاله من كل شيء، ومن خاف غير الله عز وجل؛ أخافه الله تبارك وتعالى من كل شيء 58.

يقول الله سبحانه وتعالى في عرض هذا الحوار: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:80 - 83] .

أعطى الله عز وجل إبراهيم عليه السلام الحجة في كل موطن؛ فكان الأعلى دائمًا على من وقف أمامه، وقد عجز قومه عن إقامة الدليل على صحة ما يعتقدونه؛ فلجأوا إلى أسلوب الإرهاب والتخويف بآلهتهم، فجاءهم الجواب من إبراهيم عليه السلام بأن الله سبحانه وتعالى قد هداه، فهو على غير شاكلتهم، لا يخاف إلا أن يقضي الله جل جلاله أمرًا أراد به أن يهلك أحدًا من خلقه، ولو أنهم كانوا يعقلون؛ لعلموا أن الله عز وجل وحده هو الذي يستحق أن يخشى بالغيب.

أما آلهتهم فليس هناك أدنى مبرر للخوف منها، فعلى الأقل هي لا تسمع؛ فهي صماء، لا تبصر؛ فهي عمياء، لا تنطق؛ فهي بكماء، لا تعقل؛ فهي بهماء، لا تتحرك؛ فهي شلاء، ولا تعبر؛ لأنها عجماء، فلا علم لها بأي شيء، ولم يمنحها الله جل جلاله القدرة على أي فعل مما يحذرون، والله سبحانه وتعالى هو السميع البصير، حكيم في أفعاله وأوامره ونواهيه، عطاؤه كلام، ومنعه كلام، وخلقه كلام، يفعل ما يشاء بقدرته، ويقضي ما يريد بحكمته، عالم الغيب والشهادة، وهو الرحمن الرحيم، فمن الذي يستحق أن ينطبق عليه وصف الخوف؟، الذي آمن بالله جل جلاله وكفر بكل إله سواه، أم من كفر بالله واتخذ من الأصنام والنجوم إله!! 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت