فهرس الكتاب

الصفحة 2274 من 2431

النكاح

أولًا: المعنى اللغوي:

النون والكاف والحاء أصل واحد، وهو البضاع، نكح ينكح، يقال نكحت: تزوجت، وأنكحت غيري 1.

النكاح -بالكسر-: الوطء في الأصل، وقيل: هو العقد له، وهو التزويج؛ لأنه سببٌ للوطء المباح، واستعماله في الوطء والعقد مما وقع فيه الخلاف، قالوا: لم يرد النكاح في القرآن إلا بمعنى العقد؛ لأنه في الوطء صريحٌ في الجماع، وفي العقد كنايةٌ عنه 2.

نكحتها ونكحت هي، أي: تزوجت، وهي ناكحٌ في بني فلان، أي: هي ذات زوج منهم، ومعنى نكحها وأنكحها أي: زوجها، ورجلٌ نكحةٌ: كثير النكاح، والنكح والنكح لغتان، وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها، والاسم النكح والنكح 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

تعددت تعريفات العلماء للنكاح وهي على النحو التالي:

«عقد يرد على تمليك منفعة البضع قصدًا» 4.

وقيل: «إيلاج ذكر في فرج؛ ليصير بذلك كالشيء الواحد» 5.

وقيل: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمة 6.

وقيل: عقد ينشئ بين الرجل والمرأة حقوقًا شرعية تقوم على المودة والرحمة والمعروف والإحسان 7.

ولعل التعريف الأخير تضمن إبرام عقد النكاح، وحدد طرفي العقد وبين الثمرة المرجوة والغاية، وهي المودة والرحمة والمعروف والاحسان والسكن بين المتعاقدين، فهو بذلك أكثر وضوحًا وشمولًا.

وردت مادة (نكح) في القرآن الكريم (23) مرة 8.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:22]

الفعل المضارع ... 13 ... {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور:3]

فعل الأمر ... 3 ... {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3]

المصدر ... 5 ... {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة:235]

وجاء النكاح في القرآن على ستة أوجه 9:

الأول: العقد: ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] .يعني: لا تتزوجوهن.

الثاني: الجماع: ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] . يعني: حتى تجامع زوجًا غيره، ويجامعها زوجًا غيره.

الثالث: الحلم: ومنه قوله: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء: 6] . يعني الحلم.

الرابع: العقد والوطء: ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] .

الخامس: المهر: ومنه قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33] .

الزواج:

الزواج لغةً:

(زوج) الزاء والواو والجيم أصلٌ يدل على مقارنة شيءٍ لشيءٍ، من ذلك الزوج زوج المرأة، والمرأة زوج بعلها، وهو الفصيح، ويقال: لفلانٍ زوجان من الحمام، يعني: ذكرًا وأنثى 10.

الزواج اصطلاحًا:

هو عقد يقصد به حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر وائتناسه به طلبًا للنسل على الوجه المشروع، أو هو عقد يرد على ملك المتعة قصدًا 11، أو هو: عقد يفيد حل استمتاع كل من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع 12.

الصلة بين النكاح والزواج:

النكاح: اشتراك بين الرجل والمرأة في الوطء والجماع والمودة والمحبة، الزواج: اشتراك بين الرجل والمرأة قائم على المحبة والتعاون والرحمة، والظاهر أنهما مترادفتان في المعنى.

الوطء:

الوطء لغةً:

الواو والطاء والهمزة، كلمة تدل على تمهيد شيء وتسهيله، والوطاء: ما توطأت به من فراش 13. والوطء: كناية عن الجماع، وطئ امرأته: إذا جامعها ووطئ الرجل امرأته، يطأ فيهما، وسقطت الواو من يطأ، كما سقطت من يسع؛ لتعديهما 14.

الوطء اصطلاحًا:

هو جماع بين الرجل والمرأة بهدف المتعة، والانجاب؛ لتكثير النسل.

الصلة بين النكاح والوطء:

النكاح: أعم في معناه ودلالته وآثاره، أما الوطء: فهو يختص بالجماع الحاصل بين الرجل والمرأة.

العقد:

العقد لغةً:

العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها، والجمع أعقاد وعقود، وعقدة النكاح وكل شيء: وجوبه وإبرامه 15.

والعقدة -بالضم-: موضع العقد، وهو ما عقد عليه، والعقد -بالكسر-: القلادة 16.

العقد اصطلاحًا:

«هو اسم لما يعقد من نكاح ويمين» 17.

وقيل: «هو ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعًا» 18.

الصلة بين النكاح والعقد:

النكاح: أخص في معناه من العقد؛ لأنه يراد به الجمع بين الرجل والمرأة بكل ثمراتها، أما العقد: فهو في معناه أعم، فقد يراد به البيع والعهد والنكاح والحبل وغيرها.

رغب القرآن الكريم في النكاح، وحض عليه، وأخبر أنه آية من آيات الله تعالى، وأنه من سنن المرسلين، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:

أولًا: أنه من سنن المرسلين:

الزواج آية من آيات الله، وسنة من سنن المرسلين، فقد كان لهم أزواج وذرية، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38] .

أي: كما أرسلناك يا محمد رسولًا بشريًا، كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشرًا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية 19.

أي: جعلناهم بشرًا يقضون ما أحل الله من شهوات الدنيا، وجعلنا لهم النساء والبنين، وما جعلناهم ملائكة، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون، وذكر هذا في سياق الامتنان.

وكان هذا كمالًا في حقهم، ولم يكن ذلك قادحًا في صحة رسالتهم، ولا تلك العلاقات كانت شاغلة لهم؛ لأن من اشتغل بالله فكثرة العيال، وتراكم الأشغال، لا تؤثر في حاله، ولا يضره ذلك.

فنجد أن الله تعالى جعل الميل إلى النساء فطري في طبع الذكور؛ لأن في الأنس بهن انتعاش للروح، وتناوله محمودٌ إذا وقع على الوجه المبرأ من الإيقاع في فساد، كما في تناول الطعام والشراب 20.

وفي هذه الآية ردٌ على من عاب على الرسول صلى الله عليه وسلم كثرة النساء، وقال: لو كان مرسلًا حقًا لكان مشتغلًا بالزهد، وترك الدنيا والنساء، ولشغلته النبوة عن تزوج النساء، والتماس الولد، فرد الله مقالتهم، وبين أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس ببدعٍ في ذلك، بل هو كمن تقدم من الرسل 21. جعل الله لهم أزواجًا وذرية، فقد كان لأكثر الرسل أزواج، ولأكثرهم ذرية، وقد كان لسليمان بن داود عليه السلام مائة امرأة كما جاء في البخاري 22. ومثل نوح وإبراهيم ولوط وموسى وسليمان وغير هؤلاء عليهم السلام 23.

وأصحاب الشبهة هؤلاء إما أن يكونوا هم اليهود أو المشركين 24.

والصحيح أن القائلين هم المشركون؛ إذ هذه السورة مكية، ولم يكن لليهود حديث مع أهل مكة، ولا كان منهم في مكة أحد، على أنه لا يلزم أن يكون هذا نازلًا على سبب. وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ثم سودة رضي الله عنهما في مكة، فاحتمل أن المشركين قالوا قالة إنكار تعلقًا بأوهن أسباب الطعن في النبوءة، وهذه شبهة لا تعرض إلا للسذج، أو لأصحاب التمويه، وقد يموه بها المبشرون من النصارى على ضعفاء الإيمان، فيفضلون عيسى عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بأن عيسى لم يتزوج النساء وهذا لا يروج على العقلاء؛ لأن تلك بعض الحظوظ المباحة التي لا تقتضي تفضيلًا، وإنما التفاضل في كل عمل بمقادير الكمالات الداخلة في ذلك العمل، ولا يدري أحد الحكمة التي لأجلها لم يتزوج عيسى عليه السلام؛ فلعله لعارض آخر أمره الله به لأجله، وقد كان يحيى عليه السلام حصورًا، فلعل عيسى عليه السلام قد كان مثله 25.

وأيضًا قد قيل: إن عيسى عليه السلام سينكح إذا نزل الأرض، ويولد له 26.

وأما وصف الله تعالى يحيى عليه السلام بقوله: {وَحَصُورًا} [آل عمران: 39] .

فليس مقصودًا منه أنه فضيلة، ولكنه أعلم أباه زكريا عليه السلام بأنه لا يكون له نسل؛ ليعلم أن الله أجاب دعوته، فوهب له يحيى عليه السلام كرامة له، ثم قدر أنه لا يكون له نسل 27.

والتحقيق -كما قال الشنقيطي- أن معنى قوله: {وَحَصُورًا} أنه الذي حصر نفسه عن النساء، مع القدرة على إتيانهن؛ تبتلًا منه، وانقطاعًا لعبادة الله، وكان ذلك جائزًا في شرعه، وأما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهي التزويج، وعدم التبتل 28.

وما قيل: من أن يحيى عليه السلام قد تزوج ولم يجامع، وإنما فعل ذلك؛ لنيل الفضل، وإقامة السنة، ولغض البصر 29. فالظاهر أن هذا لا يصح.

وقوله في الآية: {وَذُرِّيَّةً} امتنان بالأولاد والذرية، وقد ترجم البخاري: « (باب طلب الولد) 30 فطلب الولد مطلوب لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد مماته، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث) وذكر منها: (أو ولد صالح يدعو له) » 31.

والمقصود أن هذه الآية تدل على أن النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدم، وبقيت في بنيه من الرسل والأنبياء، ومن دونهم، وتدل على الترغيب في النكاح، والحض عليه، وتنهى عن التبتل، وهو ترك النكاح، وقد جاءت السنة بمعناها، قال صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم) 32.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج) 33.

وقال: (وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) 34.

وفي الحديث: (أربع من سنن المرسلين: الحياء 35 - ويروى الختان- والتعطر، والسواك، والنكاح) 36.

وقوله: (من سنن المرسلين) أي: فعلًا وقولًا، يعني: التي فعلوها وحثوا عليها، وفيه تغليب؛ لأن بعضهم كعيسى ما ظهر منه الفعل في بعض الخصال وهو النكاح. قال المناوي: المراد أن الأربع من سنن غالب الرسل، فنوح لم يختتن، وعيسى لم يتزوج 37.

ومما يدل على أهمية النكاح، وأنه من سنن الأنبياء ما ورد في سورة القصص من قصة موسى عليه السلام أنه بقي ثمان سنين أو عشر يعمل لأجل أن يحصل مهر النكاح.

قال تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27] .

ومما يدل على أهميته أيضًا أن الله تعالى مدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] .

وما كان النكاح من سنن المرسلين إلا لمنفعته وآثاره سواء في الدنيا، أو في الآخرة، فله منافع دينية ومنافع دنيوية، ففيه تحصيلٌ لأفضل وخير متاع الدنيا ألا وهي المرأة الصالحة، وفيه إكمال لشطر الدين، وهو سبب لعون الله عز وجل وتوفيقه، وسبب لزيادة عدد الأمة، وله أثر صحي وبدني ونفسي.

ومن فوائده تحصين النفس وحمايتها من الوقوع في الفاحشة، وبه يتيسر للرجل والمرأة أنواع من العبادة والقرب لا تتيسر بغيره، من حسن العشرة، والصحبة بالمعروف، وقضاء حق العيال، والرحمة بهم، والانشغال بمصالحهم، كل ذلك قربة إلى الله عز وجل يحصل عليها المتزوج، ولا يحصل عليها الأيم.

والزواج مع أنه عبادة وقربة فإنه تحصل فيه راحة النفس ولذتها، وقضاء رغبتها، بل إن اللقاء بين الزوجين وتحصيل الشهوة أمر يثابان ويؤجران عليه، وفي الزواج أيضًا إتباع السنة، وابتغاء الولد الصالح، والمعونة على الطاعة، والمحافظة

عن المعصية، إضافة إلى ما يثمره الزواج من ترابط الأسرة، وتوطيد أواصر المحبة.

وفيه إشباع دافع الأمومة والأبوة لكلٍ من الزوجين، والشعور بالنوع، فالزواج يحقق إشباعًا اجتماعيًا يورث توازنًا في الشخصية، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في عزلة عن الآخرين.

والزواج يلائم الفطرة الإنسانية ويوافقها، وينسجم معها، ويحفظ المجتمع من الشرور، وتحلل الأخلاق، وانتشار الرذائل، وفيه بقاء النوع الإنساني على وجه سليم، وتدريب الذات على تحمل المسئولية، والقيام بشئون الطرف الآخر، وشئون الأولاد والرحم، كل هذه وغيرها من ثمار النكاح؛ ولهذا كان من سنن الأنبياء، رغبوا فيه، وحثوا عليه.

ثانيًا: الأمر بالنكاح:

أمر الله تعالى في القرآن الكريم بالنكاح في عدة آيات، فقال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] .

وقال: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32] .

وظاهر الأمر في قوله: {فَانْكِحُوا} الوجوب على كل من قدر عليه؛ لخبر الصحيحين عن ابن مسعود: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج) 38.

وعورض ظاهر الأمر بقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] .

فالصواب: أنه ليس بواجب. حتى على التسليم بالوجوب، فالوجوب بحالة الخوف، فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق 39.

ولأن الله تعالى قال: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ثم قال: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فخير سبحانه وتعالى بين النكاح والتسري؛ ولو كان النكاح واجبًا لما خير بينه وبين التسري؛ لأنه لا يصح عند الأصوليين التخيير بين واجب وغيره؛ لأنه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب، وأن تاركه لا يكون آثمًا، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن رغب عن سنتي فليس مني) 40.

فمعناه: من رغب عنها إعراضًا عنها، غير معتقد لها على ما هي 41.

والذي يبدو أن الزواج يختلف حكمه باختلاف الأحوال، فمن كان-مثلًا- قادرًا على الزواج، ويخشى إذا ترك الزواج أن يقع في الفاحشة، فإن الزواج بالنسبة له يكون واجبًا، بخلاف من أمن الوقوع في الفاحشة، فإن الزواج بالنسبة له يكون مستحبًا.

فالأمر بالنكاح يختلف من شخص إلى شخص، ومن نازلة إلى أخرى، ففي نازلة: يتصور وجوبه، وفي نازلة قد يكون مندوبًا، وغير ذلك، حسبما هو مذكور في كتب الفقه.

ويختلف الحكم في ذلك أيضًا باختلاف حال المؤمن من خوف العنت، ومن عدم صبره، ومن قوته على الصبر، وزوال خشية العنت عنه، فإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا أو فيهما، فالنكاح حتم، وإن لم يخش شيئًا وكانت الحال مطلقة، فالنكاح مستحب.

إلا أنه يبقى أن المبادرة بالزواج أمر مطلوب شرعًا لمن استطاع، ويتأكد هذا الأمر في حق الشباب؛ لقول-في الحديث السابق-: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج) 42.

وعلى من عجز أن يستعفف، وأن يصون نفسه من الوقوع في الفاحشة، وأن يراقب الله -جل جلاله-، ويكبح نفسه الأمارة بالسوء ويمنعها من الطموح إلى كل شهوة، فلا يكون أسيرًا لشهوات نفسه ولذاتها، بل ينتظر الفرج إلى أن يرزقه الله جل جلاله.

وقوله في الآية: {مَا طَابَ} يعني: من النساء؛ وقرئ: (مَنْ طَابَ) على ذكر من يعقل 43، و {مَا} هنا موصولة، وحكى البعض أن {مَا} في هذه الآية ظرفية، أي: ما دمتم تستحسنون النكاح، وفي هذا المنزع ضعف 44.

وقال: {مَا} ولم يقل: مَنْ؛ لأنه لم يرد تعيين من يعقل، وإنما أراد الجنس الذي هو الطيب من جهة التحليل، فكأنه قال: (فانكحوا الطيب) 45. مثلما تقول: ما عندك؟ فيقال: رجل أو امرأة، تريد ما ذلك الشيء الذي عندك، أو ما تلك الحقيقة؟

ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء، ومنه قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] .

ولأن (ما) و (من) يتعاقبان.

قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] .

وقال: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45] 46.

وقد يكون مرجع (ما) إلى النكاح نفسه لا إلى النساء، ومعناه: فانكحوا نكاحًا طيبًا، وقد يكون معنى قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ} الفعل دون أعيان النساء وأشخاصهن، فلذلك قيل: {مَا} ولم يقل: مَنْ، كما يقال: «خذ من رقيقي مَا أردت» إذا عنيت: خذ منهم إرادتك، ولو أردت: خذ الذي تريد منهم، لقلت: خذ من رقيقي من أردت منهم 47. أو أنه جاء بـ {مَا} ؛ لأنه نحا بها منحى الصفة، وهو الطيب بلا تعيين ذات، ولو قال: (من) لتبادر إلى إرادة نسوة طيبات معروفات بينهم 48.

ومعنى: {مَا طَابَ لَكُمْ} أي: ما حل لكم من النساء؛ لأن فيهن من يحرم نكاحها، وما حرمه الله فليس بطيب، واعترض عليه بأن قوله: {فَانْكِحُوا} أمر إباحة، فيئول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم، وهذا كلام مكرر، إلا إذا قلنا: إن الآية مجملة؛ لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية.

وعلى كلٍ فيدخل في الطيب: ما أباحه الشرع، وهو ما بقي بعد ما أخرجته آية: المحرمات من النساء، ويدخل في الطيب ما تستلذه الحواس، وما تستلذه النفوس، أو ما طاب حلًا وخلقًا وخلقًا.

وقال بعض المحققين: {مَا طَابَ لَكُمْ} معناه: ما لا تحرج منه؛ لأنه في مقابل المتحرج منه من اليتامى، ولا يخلو عن حسن، وكيفما كان فالتعبير عن الأجنبيات بهذا العنوان فيه من المبالغة في الاستمالة إليهن، والترغيب فيهن ما لا يخفى، والسر في ذلك الاعتناء بصرف المخاطبين عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل؛ رعاية ليتمهن، وجبرًا لانكسارهن؛ ولهذا الاعتناء أوثر الأمر بنكاح الأجنبيات على النهي عن نكاحهن، مع أنه المقصود بالذات، وذلك لما فيه من مزيد اللطف في استنزالهم، فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه 49.

ومثنى وثلاث ورباع، أي: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين ثنتين، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} بين هذه الأعداد {فَوَاحِدَةً} فالأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتموه فعليكم به، ثم قال: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فسوى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماء؛ لأنهن أقل تبعة، وأخف مؤنة من الحرائر، لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل 50.

ثالثًا: امتنان الله على خلقه به:

النكاح نعمة من الله امتن بها على عباده؛ إذ يحصل به مصالح دينية ودنيوية، فردية واجتماعية، مما يجعله من الأمور المطلوبة شرعًا، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] .

وقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: 72] .

وقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت