وهم الاشتغال بالنفس، الداعي إلى الغم والحزن، الغالب فيه هو خوف الموت وانتهاء الحياة، أو يكون داعيه الخوف من المستقبل وماسيحصل له، وقد عالجت الآيات ذلك، فالموت لا مفر منه قال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] .
وقد حدد الله الآجل والأعمار، من لم يمت بالسيف مات بغيره. فلابد من تفويض الأمر لله سبحانه الذي بيده كل شيء.
أما ما يحصل للمؤمن في هذه الحياة من الهم والغم الذي هو سنة ربانية لاينفك عنها عبد، فليس المطلوب منه محاربة ذلك، وإنما تجنب أسباب الوقوع فيه، فإذا وقع داواه بكثرة ذكر الله، فبذكر الله تطمئن القلوب المضطربة، وتسكن النفوس القلقة قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] .
وأعظم ذكر تنشرح به الصدور قراءة كلامه عز وجل.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] .
ولما ضاق صدر النبي صلى الله عليه وسلم بما يقوله المشركون أمره الله بذكره.
قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 97 - 99] .
كذلك الدعاء بأن يجنبه الله أسباب الهموم، ففي الحديث: عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال) 83.
والتفطن لحال الدنيا، وأنها مهما عظمت لذتها فانية، وأن كدرها مهما طال فزائل، فليعلل نفسه من طال ليل همه، بأن الصبح قريب.
وفي ختام هذه السطور يتضح من خلال ما تقدم أن القرآن الكريم تفرد في استعمال الهم بالشيء في معرض الذم في المجالات جميعها؛ ولعل ذلك -والله أعلم- لأن الإنسان حريص كل الحرص على إخفاء النوايا والهموم والخواطر السيئة، أما نيته وهمه بالخير فلا يحرص على إخفائه -وإن كان يبطنه مرات- ولكن ليس بدافع الحرج منه، والخوف من إظهاره. فجاءت الآيات مبينةً لهذا الهم السيئ الخفي؛ فضحًا للكافرين، وليتداركه المؤمنون، مستشعرين فضل الله عليهم وولايته لهم في ذلك.
وورد الهم في الحديث على حدٍ سواء في معرض المدح والذم كما هو في اللغة.
كذلك غلب استعمال الهم بالشيء في القرآن بمعنى العزم. فالسياقات الواردة غالبها دلالة الهم بالشيء فيه تتوجه إلى العزم على الفعل، دون حديث النفس أومجرد الفكر وخطورته في القلب، ودون اشتغال النفس بالشيء اشتغالًا يحملها على الهم والقلق؛ ولعل القصد -والعلم عند الله- لأنها جميعًا جاءت في معرض الذم، ثم إن العزم هو الذي ينبغي الحذر منه، فليس بعد العزم إلا صدور الفعل ووقوعه.
تحدث القرآن الكريم عن توابع الهم بالشيء وآثاره، وسوف نتناولها بالتوضيح فيما يأتي:
أولًا: جزاء الكافرين على همهم السيء:
لأهل الهم السيئ من الكفار المكذبين لرسلهم، الساعين بكل سبيل للحط من شأنهم وماجاءوا به من الدين، جزاء وعقوبة استحقوها في الدنيا، سوى ماينتظرهم يوم القيامة من الخزي والنكال.
الهم في ميادين القتال، أو ضد ميادين الدعوة، وسواء كان همهم لإيذاء الرسل أو المؤمنين والدعاة، فإن لهمهم تبعةً وأثرًا في الدنيا، من عدم موالاتهم، ولا التسليم والأمن لهم، ووجوب قتالهم وأخذ الحيطة والحذر منهم.
توابعه وآثاره:
إذا ما ظهر من الكافرين همٌ بغدرٍ أو خيانة، فقد أوجبوا لأنفسهم من المؤمنين الانتصار، ونصبوا أنفسهم لغيرهم محل اعتبار، ووجب معاداة ومواجهة أصحاب الهمم الفاسدة في همهم بإخراج الرسل، أو إضلالهم، وإيذاء المؤمنين بما يستحقون.
ففي قوله تعالى: (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ?) [التوبة: 13] .
الآية فيها تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين لأيمانهم، الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ? وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ? وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30] 84.
فلما ظهر منهم الهم بإخراج الرسول استحقوا القتل في الدنيا. وانظر لجميل ما ختمت به الآية من بديع القول الداعي لمعاداة أولئك الناكثين، وقتالهم أشد القتال: (أَتَخْشَوْنَهُمْ ? فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [التوبة: 13] .
ففي هذا الكلام تقوية داعي القتال من وجوه:
الأول: أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوي هذه الداعية.
الثاني: أنك إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك؟! كان ذلك تحريكًا له فيستنكف أن ينسب إلى كونه خائفًا من خصمه.
الثالث: أن قوله: (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ) يفيد ذلك، كأنه قيل: إن كنت تخشى أحدًا فالله أحق أن تخشاه؛ لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة. والضرر المتوقع منهم غايته القتل، أما المتوقع من الله فالعقاب الشديد في القيامة، والذم اللازم في الدنيا.
الرابع: أن قوله: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) معناه: إنكم إن كنتم مؤمنين بالإيمان وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة، ومعناه إنكم إن لم تقدموا عليها وجب أن لا تكونوا مؤمنين، فثبت أن هذا كلام مشتمل على أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد 85.
وأما الكافرون فهم في وادٍ آخر من محاولة التنكيل بالمؤمنين والنيل منهم واستئصالهم، والله يتولى من آمن به، ويخزي الكافرين.
فأهل الهموم السيئة في الله ودينه ورسله، انطوت نفوسهم على دسائس عظيمة من الشبهات أوجبت جهادهم في الدنيا، وعقاب الله الشديد لهم يوم الخزي والندامة.
توابعه وآثاره:
استحقاق عذاب الله للمكذبين لرسلهم، ولأهل الهم السيئ بهم في الدنيا ويوم القيامة: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5] .
فالمقصود من تعداد جرائم الأمم السابقة من تكذيب الرسل، والهم بقتلهم، والجدال بالباطل: تنظير حال المشركين النازل فيهم قوله: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [غافر: 4] .
بحال الأمم السابقين سواء؛ لينطبق الوعيد على حالهم أكمل انطباق في قوله: {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} 88.
ومن هنا يكون السبب المسبب عنه الأخذ المذكور في قوله: {فَأَخَذْتُهُمْ} قيل: مجموع التكذيب، والهم بالأخذ، والجدال بالباطل، واختار الزمخشري كونه الهم بالأخذ فقط؛ وذلك لأن قوله تعالى: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا} هو التكذيب بعينه، والأخذ يشاكل الأخذ، وإنما التكذيب موجب استحقاق العذاب الأخروي المشار إليه بعد، ولا ينكر أن كليهما يقتضي كليهما، لكن لما كان ملاءمة الأخذ للأخذ أتم، والتكذيب للعذاب الأخروي أظهر أنه متعلق بالأخذ؛ تنبيهًا على كمال الملاءمة 89.
ولا ضير أن يكون مجموع ما صدر منهم من التكذيب، والهم بالرسل والجدال بالباطل سببًا للأخذ، أو أن يكون أخذ الرسل وحده سببًا؛ لعظمته، وقد استوجبوا الأخذ والخزي والعذاب الشديد جزاء ما فعلوا.
ثانيًا: هم المؤمنين بالسوء:
أما المؤمنين فهمهم بالسوء -كما ظهر من الآيات- قد يكون باعثه الشهوات التي تستحكم أحيانًا، وقد يكون سببه ما جبل عليه البشر من حب الحياة، وهؤلاء لم ينسلخوا من بشريتهم بتلك الهموم، وإنما هي مشاعر إنسانية رافقت أحداثًا، يحسن التفطن لها، والاستعانة بالله في تهذيبها.
فلجؤوهم إلى الله واعتصامهم به كان سببًا في ربط الله على قلوبهم، وتنجيتهم من الهم السيء، ومن ثم التجاوز عنهم.
توابعه وآثاره:
فيعرف عجزهم عن صرف ذلك عن أنفسهم، وفقرهم لعون مولاهم -جل وعلا- فإن توكلوا عليه تولاهم؛ فكفاهم شر أنفسهم وشر عدوهم. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ?) [الطلاق: 3] .
ففي قوله تعالى المتقدم: (إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) [آل عمران: 122] .
عبر بالطائفتين دون ذكرها إشارةً لطيفة إلى الكناية عن من يقع منه ما لا يناسب والستر عليه؛ إذ لم يعين بأنفسهما، ولا صرح بمن هما منه من القبائل سترًا عليهما 90، وهو غاية في حفظه سبحانه لهم والعناية بهم؛ مما جعل همهم ذلك يئول إلى السرور.
فعن جابر رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية فينا (إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا) بني سلمة وبني الحارثة، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) 91. ومعنى ذلك: فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى 92، فصرف عنهم الهم السيئ بتوليه لهما.
فيوسف عليه السلام حفظه الله من الوقوع في براثن الرذيلة أو حتى الهم بها، ودلائل الآي تبين ذلك؛ فالمراودة تقتضي تكرير المحاولة منها، قيل: المفاعلة تقديرية بأن اعتبر العمل من جانب والممانعة من الجانب الآخر، فهي تحاول الإيقاع به، وامتنع واعتصم بالله الذي أحسن مثواه.
وفي هذا الكلام عبرة عظيمة من العفاف، والتقوى، وعصمة الأنبياء قبل النبوة من الكبائر.
وفي قوله: (? كَذَ?لِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ?) [يوسف: 24] .
الصرف: نقل الشيء من مكان إلى مكان، وهو هنا مجاز عن الحفظ من حلول الشيء بالمحل الذي من شأنه أن يحل فيه، عبر به عن العصمة من شيء، والتعبير عن العصمة بالصرف يشير إلى أن أسباب حصول السوء والفحشاء موجودة ولكن الله صرفهما عنه 93. وهذا غاية الحفظ لعبده الذي لجأ إليه، فلم يضيعه.
وفي السيرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله تعالى فيهما. قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا، فقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي؛ حتى أدخل مكة فأسمر فيها كما يسمر الفتيان. فقال: بلى. قال: فدخلت، حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفًا بالغرابيل والمزامير، فقلت: ما هذا؟ فقيل: تزوج فلان فلانة. فجلست أنظر، وضرب الله تعالى على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي. فقال: ما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا، ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي؛ حتى أسمر بمكة. ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فسألت. فقيل: فلانٌ نكح فلانة، فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي. فقال: ما فعلت؟ فقلت: لا شيء. ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت ولا عدت بعدها لشيء من ذلك، حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته) 94.
وهذا من فضل الله وكرمه سبحانه حتى في مجرد الهم والخاطر القلبي، وإن لم تظهر صورة العمل على أرض الواقع، وهو أيضًا من أثر الهم بالخير وبركته. وربما يكون العمل القلبي أعظم من عمل الجوارح، وكم من عملٍ صغيرٍ عظمته النية.
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه عز وجل قال: قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة) 95.
فمن قصد وحدث نفسه بفعل الخير، كتبت له حسنة وإن لم يعمل لعائق حال بينه وبين فعلها. وإن ترك السيئة خوفًا من الله عز وجل، لا عجزًا عنها، استحقها حسنة كاملة لم تنقص بسبب الهم والقصد إلى فعلها؛ لأنه إنما تركها أيضًا لأمر عظيم قام في قلبه. وليس بعد هذا الفضل فضل.
الذي يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب: الأولى- الهاجس وهو ما يلقى فيها، ثم جريانه فيها وهو الخاطر، ثم حديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أو لا؟ ثم الهم وهو ترجيح قصد الفعل، ثم العزم وهو قوة ذلك القصد والجزم به 96.
والمراتب الثلاث الأولى لا يؤاخذ عليها العبد وهي ترد عليه، وباستطاعته دفعها والانصراف عنها، قبل أن تصبح همًا يتردد، أو عزمًا على المعصية وقصدًا يؤاخذ به.
وفي خضم الحياة، يواجه المؤمن سيلًا من الفتن، التي إن لم يتحصن منها بحصن قوي زلت به القدم. وهاهنا وقفة لمعالجة ذلك:
فيوسف ذكر امرأة العزيز بالله رجاء أن تنتهي عن فعلها ومراودتها له، فقال: (مَعَاذَ اللَّه) [يوسف: 23] .
أي: أعتصم بالله من الذي تدعوني إليه، واستجير به منه.
وبعض هذه الهموم والخواطر لا يمكن دفعها وقطعها، فهي كما يقول ابن القيم: «تهجم عليه هجوم النفس» 97.
كيف وقد استحكمت في امرأة العزيز حتى دفعتها للمجاهرة بهذا الأمر من غير حياء ولا خجل. والسبيل لقبول أحسن هذه الخواطر والهموم ودفع سيئها، يكون بقوة الإيمان والعقل؛ فكلما قوي الإيمان دفع ماعداه، والعكس؛ فإنها تشوش الإيمان وتضعفه. لذا كان أول ماذكرها به يوسف عليه السلام الله عز وجل.
فذكرها يوسف عليه السلام بنعمة مولاه عليه، المستوجبة لحفظها ومراعاتها؛ سواء كان المراد بربه: الله عز وجل، أو ربه بمعنى سيده 98.
و (أَحْسَنَ مَثْوَايَ) أي: أحسن منزلتي، وأكرمني وائتمنني؛ فلا أخونه 99.
قال ابن عاشور: «وذكر وصف الرب على الاحتمالين؛ لما يؤذن به من وجوب طاعته وشكره على نعمة الإيجاد بالنسبة إلى الله، ونعمة التربية بالنسبة لمولاه العزيز» 100.
وهكذا ينبغي أن يؤدب العبد نفسه ويردعها بتذكيرها بفضل الله عليه، يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار: 6] .
ما الذي جرأك عليه حتى عصيته؟!! ألأنه أكرمك ونعمك؟!!
وإيثار تعريف الله بوصف (بِرَبِّكَ) دون ذكر اسم الجلالة لما في معنى الرب من الملك والإنشاء والرفق؛ ففيه تذكير للإنسان بموجبات استحقاق الرب طاعة مربوبه؛ فهو تعريض بالتوبيخ.
وكذلك إجراء وصف (الْكَرِيمِ) دون غيره من صفات الله للتذكير بنعمته على الناس ولطفه بهم؛ فإن الكريم حقيق بالشكر والطاعة 101. لا بالمعصية.
(الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ?7?فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ?8?) [الانفطار: 7 - 8] .
لمسة عتاب مبطنة بالوعيد لهذا الإنسان الذي يتلقى من ربه فيوض النعمة في ذاته وخلقته، ولكنه لا يعرف للنعمة حقها، ولا يعرف لربه قدره، ولا يشكر على الفضل والنعمة والكرامة، فتذكيره بنعمة الله الأولى عليه من خلقه في هذه الصورة السوية، على حين يملك ربه أن يركبه في أي صورة تتجه إليها مشيئته، ولكنه اختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة تكرمًا عليه من ربه، راعيه ومربيه سبحانه 102.
فقد قال يوسف في ذلك:. إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) فإجابتها لمراودته ظلم؛ لأن فيها ظلم كليهما نفسه بارتكاب معصية مما اتفقت الأديان على أنها كبيرة، وظلم سيده الذي آمنه على بيته وآمنها على نفسها إذ اتخذها زوجًا وأحصنها 103.
فلابد من النظر للعاقبة، فكم أعقبت المعصية ألمًا، وكم أورثت ندمًا، وكم منعت رزقًا، وحرمت توفيقًا، وكم أنست علمًا، وجلبت همًا وغمًا. ومن تعجل شيئًا قبل أوانه، عوقب بحرمانه 104.
وليحذر من المعصية مهما صغرت، فليس بينك وبين الله نسب، وقد أخرج آدم عليه السلام من الجنة بلقمة، وإبليس بترك سجدة، ودخلت امرأة النار في هرة.
وما أحسن هذا التنصل من الوقوع في السوء. فيوسف عليه السلام استعاذ أولًا بالله الذي بيده العصمة وملكوت كل شيء، ثم نبه على أن إحسان الله أو إحسان العزيز الذي سبق منه، لا يناسب أن يجازى بالإساءة، ثم نفى الفلاح عن الظالمين وهو الظفر والفوز بالبغية، فلا يناسب أن أكون ظالمًا أضع الشيء غير موضعه، وأتعدى ما حده الله تعالى لي 105.
وقد أبدع ابن القيم في علاجه؛ حيث يذكر طرقًا في حراسة الخواطر وحفظها، إذ هي مبدأ الفعل بعدها، فلابد من حفظها والحذر من إهمالها والاسترسال معها، فإن أصل الفساد كله من قبلها، فهي بذر الشيطان والنفس في أرض القلب، فإذا تمكن بذرها تعاهدها بسقيه حتى تصير إرادات، ثم يسقيها بسقيه حتى تكون عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال، ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم.
وطرق حفظ الخواطر -كما قال- عديدةٌ؛ أوجزها في الآتي:
ولما كانت تلك الخواطر خفيةً، احتيج في التخلص منها إلى عبادات قلبية خفية، من إجلال الله، والحياء والخوف منه، وخشيته وإيثار محبته، ولا يتحقق ذلك إلا بالإيمان والعلم؛ إذ يثمران له اليقين بوعد الله ورجاء ثوابه، فيحتقر كل لذة دونها.
وقبل الختام نقول لمن اعتلجت في صدره هموم سوء: النفس مثل الرحى تدور بما يرمى فيها، فإن كانت خواطرها وأفكارها وهمومها خيرًا أخرجت خيرًا والعكس 107. فاحرص على تنقية فكرك مما يشوبه من الشبهات والشهوات تنج.
موضوعات ذات صلة:
الإخلاص، الثبات، العزم، الغم
1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 6/ 13، مجمل اللغة، ابن فارس، 1/ 892.