فهرس الكتاب

الصفحة 1691 من 2431

قال تعالى: {ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الجاثية: 35] .

في الآية دلالة على أنهم مأيوس من الرضا عنهم يوم الحشر بحيث يعلمون أن لا طائل في استعتابهم، فلذلك لا يشير أحد عليهم بأن يستعتبوا، وقد يكون المعنى أنهم يطردون ولا يجدون من يشير عليهم بأن يستعتبوا 89.

وقال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [الأنعام: 70] .

فهؤلاء لما جعلوا اللعب واللهو دينًا أو اتخذوا دينهم الذي كان ينبغي لهم لعبًا ولهوًا فقد أسلموا أنفسهم للهلاك، أو ارتهنوها للهلاك جزاء فعلهم، وقال العوفي: أسلموا إلى خزنة جهنم 90.

وقال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} [الأعراف: 169] .

جاءت هذه الآية في حق اليهود الذين ورثوا التوراة وتابعوا أسلافهم على المعاصي وضيعوا العمل بما فيها، ومع إقدامهم على هذا الذنب العظيم يتمنون على الله الأماني الباطلة الكاذبة بأن الله سيغفر لهم، وإن وجدوا من الغد مثله حلالا كان أو حراما أخذوه وتمنوا على الله المغفرة 91.

قال مجاهد: «يعني: يأخذون ما يجدون حلالًا أو حرامًا ويتمنون المغفرة» 92.

وهذا الغرور مهلك لأنه عكس ما ينبغي للمرء أن يكون، فالمؤمن ينبغي أن يبتعد عن الذنوب وأن لا يحرص على الدنيا، ويتهم نفسه بالتقصير، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب بين يدي الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) . ومعنى قوله: (من دان نفسه) يقول: حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة» 93.

وفي هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافيةٌ» 94.

ومن غرور الإنسان بالله تعالى ظنه أن مقامه في الجنة رغم فسقه وفجوره، قال تعالى في وصف هؤلاء: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [فصلت: 50]

ترسم هذه الآية صورة الإنسان الذي لا يميز بين عطاء الله وبلائه، فهو يحسب أن ما أوتي من نعيم الدنيا لأجل أن الله تعالى يحبه، وأن له حظوة سيأخذها إن رد إلى الآخرة.

قال سيد قطب في وصف هذا المغرور: «انتفخ في عين نفسه فراح يتألى على الله، ويحسب لنفسه مقاما عنده ليس له! وهو غرور، عندئذ يجيء التهديد في موضعه لهذا الغرور: {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} وهذا الإنسان إذا أنعم الله عليه استعظم وطغى وأعرض ونأى بجانبه، فأما إذا مسه الشر فيتخاذل ويتهاوى ويصغر ويتضاءل» 95.

فهو لما ظن أن له الحسنى في الآخرة قاس أمر الآخرة على أمر الدنيا 96.

من رحمة الله تعالى بنا أن أبان لنا في كتابه الكريم الداء وأتبعه بالعلاج الذي فيه الشفاء، فآيات القرآن الكريم تزخر في المقابلات بين الخير والشر، الإيمان والكفر، والنفقة والبخل، والجنة والنار، وفي ذلك إرشاد للمرء بأن يختار ما هو أهدى سبيلًا.

أولًا: الإيمان بأن الله تعالى هو المنعم:

إذا علم المرء أن المنعم هو الله وأن ما به من نعمة فمن الله فإنه يخضع لله ويتواضع له، ويعلم أن المال والولد والدنيا بكل زينتها ومفاتنها وبهارجها هي من الله، وأن زوالها بيد الله، حينها لا يسع الإنسان إلا الشكر للمنعم، فبالشكر تدوم النعم، أما الكبر والغرور فعاقبته الخذلان والخسران، وقد بين الله لنا أن متاع الدنيا إلى زوال، وأن ثمار عدم الاغترار بها المغفرة من الله والرضوان.

قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20] .

وإن من أعظم الفتن التي يتعرض لها المغرور أن يظن أن ما به من نعمة هي من نفسه حازها بعلمه وحوله وقدرته لا بقدرة المنعم سبحانه، فهذا قارون الذي أصابه الغرور بما آتاه الله، أنكر الواهب وتعلق بأوهام النفس قائلًا: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78] .

وصاحب الجنة الذي حدثتنا عنه سورة الكهف ظن أن أمر بقاء جنته بيده وتغافل عن الله قائلًا: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} [الكهف: 35] .

بل وصل الغرور في فرعون أن يظن نفسه إلها، وأن ما تحت ملكه من خيرات وجنان هي من تدبيره ورعايته، فنسي المنعم سبحانه وقال لقومه: {يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51] .

وشأن الإنسان بشكل عام أنه في الخيرات والنعم يغفل عن المنعم، وعند الضيق والكربات يتوجه إلى الله تعالى مقرا بذنبه راجيًا عفوه كي يذهب عنه ما ألم به من بلاء ويكشف عنه السوء.

قال تعالى: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) } [الزمر: 49 - 51] .

يخبر تعالى عن حالة الإنسان وطبيعته، أنه حين يمسه ضر من مرض أو شدة أو كرب يلح في الدعاء، فإذا كشف الله ضره وأزال مشقته عاد بربه كافرًا ولمعروفه منكرًا قائلًا: إنما أوتيته علم من الله، إني له أهل، وإني مستحق له، لأني كريم عليه. أو على علم مني بطرق تحصيله.

وقد بين الله أن هذه فتنة يبتلي بها عباده لينظر من يشكره ممن يكفره، أما أهل الغرور فيعدون الفتنة منحة، ويشتبه عليهم الخير المحض بما قد يكون سببًا للخير أو للشر، ولا يقرون بنعمة ربهم، ولا يرون له حقًّا، فلم يزل دأبهم حتى أهلكوا، فما أغنى عنهم ما كسبوا.

ولما ذكر تعالى أنهم اغتروا بالمال وزعموا بجهلهم أنه يدل على حسن حال صاحبه أخبرهم تعالى أن بسط الرزق وقبضه لا يرجع لعلمهم، وأن مرجع ذلك عائد إلى الحكمة والرحمة، وأنه أعلم بحال عبيده، فقد يضيق عليهم الرزق لطفا بهم، لأنه لو بسطه لبغوا في الأرض، فيكون تعالى مراعيا في ذلك صلاح دينهم الذي هو مادة سعادتهم وفلاحهم 97.

ثانيًا: التزود بالتقوى:

التقوى علاج كل علة، وسلاح المؤمن على مر الأزمان، وسد منيع في وجه الشيطان، فلا ينفذ الشيطان إلى نفس التقي فيسول له الكبر والغرور، وقد أوصى الله بها عباده جميعا، وخص المؤمنين بها، فهي سبيل النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] .

وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق:2] .

وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] .

وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 5] .

يعني: من يصبر على طاعة الله تعالى، ويصبر على المصائب، وعن المعاصي، ييسر الله عليه أمره، ويوفقه ليعمل على طاعتة، ويعصمه عن معاصيه 98.

ومجمل دعوى الأنبياء تقوم على توحيد الله تعالى وتقواه، فمعظم الأنبياء أوصوا أقوامهم بالتقوى، وبينوا لهم أن ما هم فيه من النعم من مال ومصانع وبنيان وأولاد؛ إنما هو بمشيئة رب السماوات والأرض.

قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 124 - 136] .

وكان الله تعالى قد أعطاهم قوة عظيمة، وكان الواجب عليهم أن يستعينوا بقوتهم على طاعة الله، ولكنهم فخروا، واستكبروا، وأصابهم الغرور فقالوا على غرار قول فرعون وقارون: (من أشد منا قوةً) ، واستعملوا قوتهم في معاصي الله، وفي العبث والسفه، فلذلك نهاهم نبيهم عن ذلك، وأمرهم بالتقوى 99.

والآيات في سورة الشعراء فيها تسلسل واضح بأن الأمر بالتقوى دأب الأنبياء مع أقوامهم، فبعد ما سبق من الآيات في شأن هود مع قومه، تلتها آيات مشابهة في المضمون تعرض موقف صالح مع قومه ودعوته لتقوى الله وعدم الاغترار بأمر المسرفين قائلا لهم: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} [الشعراء: 150 - 151] .

قال السعدي: «أي: الذين وصفهم ودأبهم الإفساد في الأرض بعمل المعاصي والدعوة إليها إفسادًا لا إصلاح فيه، وهذا أضر ما يكون لأنه شر محض وكأن أناسا عندهم مستعدون لمعارضة نبيهم موضعون في الدعوة لسبيل الغي، فنهاهم صالح عن الاغترار بهم» 100.

ثالثًا: عدم اتباع خطوات الشيطان:

وسوسة الشيطان عبارة عن الخواطر التي يجدها الإنسان في قلبه، وفاعل هذه الخواطر هو الله تعالى، وهو المحدث لها في باطن الإنسان، وإنما الشيطان كالعرض، والله هو المقدر له على ذلك 101.

ومع أن الله تعالى مكن الشيطان من الوسوسة إلا أنه لم يجعل له سلطانًا على الإنسان، إنما هو قرين يوسوس له ويزين المنكر والباطل، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) 102.

ولما أن كان الشيطان من أهم أسباب دخول الغرور إلى نفس الإنسان، فقد نهي الإنسان من تتبع خطواته، لأن اتباعه طلب للفحشاء والمنكر:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 - 169]

وقال تعالى: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأنعام: 142]

وقال عز من قائل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: 21] .

يعني: لا تتبعوا آثاره ومسالكه {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} يعني بالقبائح من الأقوال والأفعال وكل ما يكره الله عز وجل والآية عامة في حق كل أحد 103.

وإن من أسباب النجاة عدم مجالسة المغرورين الذين غرهم الشيطان فأصبحوا عونا له وجندا من جنوده، وقد نهى الله تعالى نبيه عن مجالستهم وهم يخوضون في منكرهم مبينا أن الشيطان له الدور الأكبر في جر الناس إلى مجالس الباطل قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68] .

يخوضون في آياتنا في الاستهزاء بها والطعن فيها، وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك فأعرض عنهم فلا تجالسهم وقم عنهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره فلا بأس أن تجالسهم حينئذ وإما ينسينك الشيطان وإن شغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم.

أي: يخوضون في آيات الله بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} فلا تجالسهم وقم عنهم. {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} بأن يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي 104. وقرأ ابن عامر: (يُنَسِّيَنَّكَ) بالتشديد 105.

رابعًا: الاتعاظ بمصارع المغرورين:

دعانا القرآن الكريم للسير في الأرض والنظر في مصارع الغابرين لا للتسلية والتأكد من الخبر؛ بل لأخذ المواعظ والعبر.

قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [غافر: 82، يوسف:109] .

أفلم يسيروا فيدركوا أن مصير أسلافهم من المكذبين والغاوين كمصيرهم، وأن سنة الله الواضحة الآثار في آثار الغابرين ستنالهم.

فتدبروا سنن الله في الغابرين؟ أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟ 106.

إن قارون لما أن اغتر بماله زاعمًا أن ما أوتيه بعلم من عنده، وخرج على قومه في زينته متباهيًا مغرورًا اغتر قومه بزينته قائلين: {يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 78 - 79] .

فماذا كانت العاقبة قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) }

«فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر، وازينت الدنيا عنده، وكثر بها إعجابه، بغته العذاب {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} جزاء من جنس عمله، فكما رفع نفسه على عباد الله، أنزله الله أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره وأثاثه، ومتاعه» 107.

ولما جاء العذاب لم يكن ينفع قارون جماعة أو أقارب أو أصدقاء أو جنود، لم يكن له عاصم من أمر الله فجاءه العذاب، فما نفعه مال ولا جاه فكان من المهلكين.

قال تعالى: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص: 81 - 82] .

أما موقف المغرورين بزينته من قومه، فقد اتعظوا وبتفكير يسير علموا أن القليل الدائم خير من الزينة التي سرعان ما تذهب وتذهب أهلها معها، فمع سقوط قارون وهلاكه هوت معه الفتنة الطاغية التي جرفت بعض الناس وردتهم الضربة القاضية إلى الله وكشفت عن قلوبهم قناع الغفلة والضلال.

وقف قوم قارون -الذين اغتروا بماله بالأمس- يحمدون الله أن لم يستجب لهم ما تمنوه بالأمس، ولم يؤتهم ما آتى قارون. وهم يرون المصير البائس الذي انتهى إليه بين يوم وليلة. وأيقنوا أن الثراء ليس آية على رضي الله. فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويضيقه لأسباب أخرى غير الرضا والغضب. ولو كان دليل رضاه ما أخذ قارون هذا الأخذ الشديد العنيف. إنما هو الابتلاء الذي قد يعقبه البلاء. وعلموا أن الكافرين الذين يغترون بالنفس والمال لا يفلحون 108.

وأما الغرور على صعيد الجماعات والأقوام فهو كثير في الأمم الغابرة، ومنه غرور قوم هود عليه السلام، فقد اغتروا بقوتهم وصدوا عن دعوة رسولهم، «فبعث الله إليهم هودًا نبيًّا وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم حسبًا، فأمرهم أن يوحدوا الله ويكفوا عن ظلم الناس لم يأمرهم بغير ذلك، فكذبوه وقالوا من أشد منا قوةً، وبنوا المصانع وبطشوا بطشة الجبارين» 109.

قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} [فصلت: 15 - 16] .

«والاستكبار: المبالغة في الكبر، أي: التعاظم واحتقار الناس، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل: استجاب، والتعريف في الأرض للعهد، أي: أرضهم المعهودة. وإنما ذكر من مساويهم الاستكبار لأن تكبرهم هو الذين صرفهم عن اتباع رسولهم وعن توقع عقاب الله.

وقوله: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} زيادة تشنيع لاستكبارهم، فإن الاستكبار لا يكون بحق إذ لا مبرر للكبر بوجه من الوجوه لأن جميع الأمور المغريات بالكبر من العلم والمال والسلطان والقوة وغير ذلك لا تبلغ الإنسان مبلغ الخلو عن النقص وليس للضعيف الناقص حق في الكبر، ولذلك كان الكبر من خصائص الله تعالى. وهم قد اغتروا بقوة أجسامهم وعزة أمتهم وادعوا أنهم لا يغلبهم أحد، وهو معنى قولهم: من أشد منا قوة، فقولهم ذلك هو سبب استكبارهم؛ لأنه أورثهم الاستخفاف بمن عداهم، فلما جاءهم هود بإنكار ما هم عليه من الشرك والطغيان عظم عليهم ذلك لأنهم اعتادوا العجب بأنفسهم وأحوالهم فكذبوا رسولهم، فلما كان اغترارهم بقوتهم هو باعثهم على الكفر وكان قولهم: من أشد منا قوة دليلا عليه خص بالذكر» 110.

وقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} هذا تفسير الصاعقة التي أرسلها عليهم، أي: ريحًا باردة شديدة البرد وشديدة الصوت والهبوب.

{فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} قيل: باردات. وقيل: متتابعات. وقيل: شداد.

{لِنُذِيقَهُمْ} أي: لكي نذيقهم {عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: العذاب بالريح العقيم، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى} أي: أعظم وأشد، {وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} 111.

ثم كانت عاقبة المتقين غير عاقبة المغرورين قال الله تعالى عن المتقين الذين استجابوا لدعوة نبيهم، ولم تفتنهم قوة أجسامهم، ولا وفرة أموالهم، ولا كبرياء نفوسهم: {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [فصلت: 18] .

قال الطبري: «فأما عادٌ قوم هود {فَاسْتَكْبَرُوا} على ربهم وتجبروا {فِي الْأَرْضِ} تكبرًا وعتوًّا بغير ما أذن الله لهم به» 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت