فهرس الكتاب

الصفحة 1412 من 2431

وقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48] .

وقال سبحانه: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] .

وقال الله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48] .

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد لقضاء ربك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين بما أتيتهم به من هذا القرآن، وهذا الدين، وامض لما أمرك به ربك، ولا يثنيك عن تبليغ ما أمرت بتبليغه تكذيبهم إياك، وأذاهم لك» 89.

وقال ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى ممتنًا على رسوله صلى الله عليه وسلم بما نزله عليه من القرآن العظيم تنزيلًا: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي: كما أكرمتُكَ بما أنزلتُ عليك، فاصبر على قضائه وقَدَره، واعلم أنه سَيُدَبرك بحسن تدبيره، {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صَدك عما أنزل إليك، بل بَلِغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل على الله؛ فإن الله يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر بقلبه» 90.

وقال القرطبي رحمه الله: «قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي: لقضاء ربك، والحكم هنا القضاء، وقيل: فاصبر على ما حكم به عليك ربك من تبليغ الرسالة، وقال ابن بحر: فاصبر لنصر ربك، قال قتادة: أي: لا تعجل ولا تغاضب، فلا بد من نصرك، وقيل: إنه منسوخ بآية السيف» 91.

وقال الخازن رحمه الله في قوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} : «أي: لعبادته فهي من الحكمة المحضة، وقيل: معناه فاصبر لحكم ربك في تأخير الإذن في القتال، وقيل: هو عام في جميع التكاليف، أي: فاصبر لحكم ربك في كل ما حكم الله به، سواء كان تكليفًا خاصًا كالعبادات والطاعات، أو عامًا متعلقًا بالغير كالتبليغ، وأداء الرسالة وتحمل المشاق وغير ذلك» 92.

وقال الرازي رحمه الله: «ثم إنه تعالى لما بالغ في تزييف طريقة الكفار، وفي زجرهم عما هم عليه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} وفيه وجهان: الأول: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} في إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم، والثاني: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} في أن أوجب عليك التبليغ والوحي، وأداء الرسالة وتحمل ما يحصل بسبب ذلك من الأذى والمحنة» 93.

قال ابن سعدي رحمه الله في قوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} : «أي: لما حكم به شرعًا وقدرًا، فالحكم القدري، يصبر على المؤذي منه، ولا يتلقى بالسخط والجزع، والحكم الشرعي، يقابل بالقبول والتسليم، والانقياد التام لأمره» 94.

قال الله تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ} [القمر: 27] .

قال القرطبي رحمه الله في قوله: {وَاصْطَبِرْ} : «أي: اصبر على أذاهم، وأصل الطاء في اصطبر تاء؛ فتحولت طاء؛ لتكون موافقة للصاد في الإطباق» 95.

وقال ابن كثير رحمه الله: «ثم قال آمرا لعبده ورسوله صالح: {فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ} أي: انتظر ما يؤول إليه أمرهم، واصبر عليهم؛ فإن العاقبة لك، والنصر لك في الدنيا والآخرة» 96.

وقال ابن القيم رحمه الله: «الاصطبار وهو التلذذ بالبلوى، والاستبشار باختيار المولى، وهذا هو الصبر على الله، وهو صبر العارفين، فيقال: الاصطبار افتعال من الصبر، كالاكتساب والاتخاذ، وهو مُشْعِر بزيادة المعنى على الصبر، كأنه صار سجية وملكة، فإن هذا البناء مؤذن بالاتخاذ والاكتساب.

قال تعالى: {فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ} فالاصطبار أبلغ من الصبر، كما أن الاكتساب أبلغ من الكسب؛ ولهذا كان في العمل الذي يكون على صاحبه، والكسب فيما له، قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] تنبيهًا على أن الثواب يحصل لها بأدنى سعي وكسب، وأن العقاب إنما هو باكتسابها وتصرفها، وما تعانيه، وإذا علم هذا؛ فالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار الله سبحانه لا يخص الاصطبار، بل يكون مع الصبر، ومع التصبر ولكن لما كان الاصطبار أبلغ من الصبر وأقوى؛ كان بهذا التلذذ والاستبشار أولى والله أعلم» 97.

وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: «والاصطبار: الصبر القوي، وهو كالارتقاب أيضًا أقوى دلالة من الصبر، أي: اصبر صبرًا لا يعتريه ملل ولا ضجر، أي: اصبر على تكذيبهم ولا تيأس من النصر عليهم، وحذف متعلق {وَاصْطَبِرْ} ،ليعم كل حال تستدعي الضجر، والتقديرُ: واصطبر على أذاهم، وعلى ما تجده في نفسك من انتظار النصر» 98.

وقال ابن سعدي رحمه الله: «أي: اصبر على دعوتك إياهم، وارتقب ما يحل بهم، أو ارتقب هل يؤمنون أو يكفرون؟» 99.

وقال الله تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج: 5] .

قال الطبري رحمه الله في قوله: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} : «يعني: صبرًا لا جزع فيه، يقول له: اصبر على أذى هؤلاء المشركين لك، ولا يثنيك ما تلقى منهم من المكروه عن تبليغ ما أمرك ربك أن تبلغهم من الرسالة» 100.

وقال ابن كثير رحمه الله: «قوله: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} أي: اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، واستعجالهم العذاب استبعادًا لوقوعه، كقوله: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} [الشورى: 18] » 101.

قوله تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} أي: على أذى قومك، والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه، ولا شكوى لغير الله، وقيل: هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو، والمعنى متقارب 102، وقيل: بأن الأمر بالصبر في الآية قبل أن يؤمر بالقتال» 103.

وقال الثعالبي رحمه الله: «والصبرُ الجميلُ الذي لا يَلْحَقُه عَيْبٌ ولا شَكٌ ولا قِلَةُ رِضى، ولا غيرُ ذلك، والأمْرُ بالصبرِ الجميلِ مُحْكَمٌ في كل حالة، أعني: لاَ نَسْخَ فيه» 104.

وقال الماوردي رحمه الله: « {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} فيه أربعة تأويلات:

أحدها: أنه الصبر الذي ليس فيه جزع، قاله مجاهد.

الثاني: أنه الصبر الذي لا بثَ فيه ولا شكوى.

الثالث: أنه الانتظار من غير استعجال، قاله ابن بحر.

الرابع: أنه المجاملة في الظاهر، قاله الحسن.

وفيما أُمر بالصبر عليه قولان:

أحدهما: أُمر بالصبر على ما قذفه المشركون من أنه مجنون، وأنه ساحر، وأنه شاعر، قاله الحسن.

الثاني: أنه أُمر بالصبر على كفرهم، وذلك قبل أن يفرض جهادهم، قاله ابن زيد» 105.

وقال ابن سعدي رحمه الله: «وقوله: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} أي: اصبر على دعوتك لقومك صبرًا جميلًا لا تَضَجُرَ فيه ولا ملل، بل استمر على أمر الله، وادع عباده إلى توحيده، ولا يمنعك عنهم ما ترى من عدم انقيادهم، وعدم رغبتهم؛ فإن في الصبر على ذلك خيرًا كثيرًا» 106.

وقال الله تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 7] .

قال ابن كثير رحمه الله: «وقوله: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل، قاله مجاهد، وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله تعالى» 107.

وقال القرطبي رحمه الله: «أي: ولسيدك ومالكك فاصبر على أداء فرائضه وعبادته، وقال مجاهد: على ما أوذيت، وقال ابن زيد: حملت أمرا عظيمًا، محاربة العرب والعجم؛ فاصبر عليه لله، وقيل: فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله تعالى، وقيل: فاصبر على البلوى؛ لأنه يمتحن أولياءه وأصفياءه، وقيل: على أوامره ونواهيه، وقيل: على فراق الأهل والأوطان» 108.

ويقول الطاهر ابن عاشور رحمه الله: «ويعدى فعل الصبر إلى اسم الذي يتحمله الصابر بحرف «على» ، يقال: صبر على الأذى، ويتضمن معنى الخضوع للشيء الشاق؛ فيعدى إلى اسم ما يتحمله الصابر باللام، ومناسبة المقام ترجح إحدى التعديتين، فلا يقال: اصبر على الله، ويقال: اصبر على حكم الله، أو لحكم الله، فيجوز أن تكون اللام في قوله: {وَلِرَبِّكَ} لتعدية فعل الصبر على تقدير مضاف، أي اصبر لأمره وتكاليف وحيه، كما قال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] .

وقوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] .

فيناسب نداءه بـ {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ؛ لأنه تدثر من شدة وقع رؤية الملك، وترك ذكر المضاف لتذهب النفس إلى كل ما هو من شأن المضاف إليه مما يتعلق بالمخاطب.

ويجوز أن تكون اللام للتعليل، وحذف متعلق فعل الصبر، أي: اصبر لأجل ربك على كل ما يشق عليك.

وتقديم {وَلِرَبِّكَ} على {فَاصْبِرْ} ، للاهتمام بالأمور التي يصبر لأجلها مع الرعاية على الفاصلة، وجعل بعضهم اللام في {وَلِرَبِّكَ} لام التعليل، أي: اصبر على أذاهم لأجله، فيكون في معنى: إنه يصبر توكلًا على أن الله يتولى جزاءهم، وهذا مبني على أن سبب نزول السورة ما لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين» 109.

وقال الماوردي رحمه الله في قوله: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} : «أما قوله: {وَلِرَبِّكَ} ففيه ثلاثة أوجه:

أحدها: لأمر ربك.

الثاني: لوعد ربك.

الثالث: لوجه ربك.

وفي قوله: {فَاصْبِرْ} سبعة تأويلات:

أحدها: {فَاصْبِرْ} على ما لاقيت من الأذى والمكروه قاله مجاهد.

الثاني: على محاربة العرب ثم العجم، قاله ابن زيد.

الثالث: على الحق، فلا يكن أحد أفضل عندك فيه من أحد، قاله السدي.

الرابع: فاصْبِرْ على عطيتك لله، قاله إبراهيم.

الخامس: فاصْبِرْ على الوعظ لوجه الله، قاله عطاء.

السادس: على انتظام ثواب عملك من الله تعالى، وهو معنى قول ابن شجرة.

السابع: على ما أمرك الله من أداء الرسالة، وتعليم الدين، حكاه ابن عيسى» 110.

وقال السمرقندي رحمه الله: «قوله تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} يعني: اصبر على أمر ربك، قال إبراهيم النخعي: اصبر لعظمة ربك، وقال مقاتل: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} يعني يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ليصبر على أذاهم، ويقال: فاصبر نفسك في عبادة ربك {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر: 8] . يعني اصبر فعن قريب ينفخ في الصور» 111.

وقال الشوكاني رحمه الله في قوله: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} : «أي: لوجه ربك فاصبر على طاعته وفرائضه، والمعنى: لأجل ربك وثوابه، وقال مقاتل ومجاهد: اصبر على الأذى والتكذيب، وقال ابن زيد: حملت أمرًا عظيمًا، فحاربتك العرب والعجم؛ فاصبر عليه لله، وقيل: اصبر تحت موارده القضاء لله، وقيل: فاصبر على البلوى، وقيل: على الأوامر والنواهي» 112.

وقال ابن سعدي رحمه الله: « {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} أي: احتسب بصبرك، واقصد به وجه الله تعالى؛ فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وبادر إليه؛ فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس بعد منة الله، من غير أن يطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورًا، وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين» 113.

فالأمر بالصبر في القرآن يأتي بصيغة المفرد و بصيغة الجمع، والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، فنصبر لأمر الله لنا، ونصبر لوعد الله لنا، ونصبر مخلصين بصبرنا لله تبارك وتعالى، نصبر على فعل الطاعة وعن اجتناب المعاصي والسيئات، وعلى أقدار الله تبارك وتعالى، وعلى كل بلاء؛ لننال ما وُعد الصابرين من الثواب العظيم.

فكما أن الله تبارك وتعالى أمر بالصبر في القرآن فإنه نهى عن ضده، ومن ذلك فإنه تبارك وتعالى نهى عن الجبن عند مواجهة الأعداء، ومقارعتهم في ساحة الوغى، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال: 15] .

بمعنى: أنكم إذا تقاربتم، فثبتوا واصبروا وإياكم أن تفروا، ثم قال متوعدًا من لم يصبر وفرَ من الزحف بالنار فقال بعدها: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} ، وتكفل لهم سبحانه بالنصر والتثبيت قال تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .

وقال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] .

ونهى سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاستعجال بعد أن أمره بالصبر فقال: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35] .

فدل على أن الاستعجال هو ضد الصبر.

ونهى سبحانه وتعالى عن الجزع والهلع عند إصابة الإنسان بالشر كما في قوله: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} [المعارج: 20] .

وقال ابن منظور رحمه الله مبينًا معنى الجزع: «الجَزُوع ضد الصَبُورِ على الشرِ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَبْرِ، جَزِعَ بالكسر يَجْزَعُ جَزَعًا فهو جازع، وجَزِعٌ وجَزُعٌ وجَزُوعٌ، وقيل: إِذا كثر منه الجَزَعُ فهو جَزُوعٌ وجُزاعٌ» 114.

وفي مختار الصحاح: والجَزَعُ ضد الصبر 115.

وقال الزبيدي رحمه الله مبينًا معنى الهلوع: «وفي التنزيل قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج: 19] .

واختلف في تفسير الهلوع فقيل: هو من يجزع ويفزع من الشر، وقيل: هو الذي يحرص، ويشح على المال، وقال معمر والحسن: هو الشره، أو الضجور، قاله الفراء، قال: وصفته كما قال الله تعالى: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 20 - 21] .

فهذه صفته، وقيل: هو الذي لا يصبر على المصائب، وقال ابن بَرِي: قال أبو العباس المبرد: رجل هلوع: إذا كان لا يصبر على خير ولا شر؛ حتى يفعل في كل واحد منهما غير الحق، وأورد الآية» 116.

ومما يضاد الصبر وينافيه الغضب كما في قوله تعالى عن يونس عليه السلام عندما خرج مفارقًا لقومه غاضبًا عليهم: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] .

وقال ناهيًا عن فعل مثل فعله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم: 48] .

وقال الشنقيطي رحمه الله: «وآية القلم المذكورة تدل على أن نبي الله يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجل بالذهاب، ومغاضبة قومه، ولم يصبر الصبر اللازم بدليل قوله مخاطبًا نبينا صلى الله عليه وسلم فيها: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} الآية، فإن أمره لنبينا صلى الله عليه وسلم بالصبر ونهيه إياه أن يكون كصاحب الحوت دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي» 117.

فالصبر في القرآن الكريم إما أن يأتي بالأمر بالصريح للمفرد أو للجمع، فاصبر أو فاصبروا، أو يأتي بالنهي عن ضد الصبر، كالنهي عن الاستعجال أو الهلع والجزع، ذلك لأن الصبر هو حبس النفس، والاستعجال والهلع والجزع ينافي ذلك، والنهي عند ضد الصبر هو أمر بالصبر.

ثانيًا: الثناء على الصابرين:

إن أي عمل أو خلق لا يخلو صاحبه من أمرين: إما أن يمدح ويثنى عليه، إن كان عمله أو خلقه يستحق الثناء والمدح، وذلك بأن يكون حسنًا، أو يذم ويقبح، وما ذلك إلا لسوء عمله أو سوء خلقه، وخلق الصبر من الأخلاق النبيلة الفاضلة التي يستحق المتخلق بها الثناء عليه ومدحه في الحياة الدنيا بين الناس.

بل وقد أثنى الله تبارك وتعالى عليهم في كتابه الكريم ومدحهم في آيات متعددة تتلى إلى يوم القيامة، فمن ذلك:

الثناء عليهم بصبرهم في حال الفقر وحين البأس وحال المرض:

أثنى الله عليهم كما في قوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .

قال ابن كثير رحمه الله: «وقوله: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام، وهو الضراء، {وَحِينَ الْبَأْسِ} أي: في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومُرة الهمداني، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، والضحاك، وغيرهم.

وإنما نُصِبَ {وَالصَّابِرِينَ} على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال؛ لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان، وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صَدَقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} ؛ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات» 118.

وقال الله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 16 - 17] .

قال ابن كثير رحمه الله: « {الصَّابِرِينَ} أَيْ: فِي قِيَامِهِمْ بِالطَاعَاتِ، وَتَرْكِهِمُ الْمُحَرَمَاتِ» 119.

وقال الماوردي رحمه الله: «قوله عز وجل: {الصَّابِرِينَ} فيه ثلاثة تأويلات:

أحدها: الصابرين عما نهوا عنه من المعاصي.

والثاني: يعني في المصائب.

والثالث: الصائمين.

ويحتمل رابعًا: الصابرين عما زُيِن للناس من حب الشهوات» 120.

وقال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج: 34 - 35] .

يأمر الله تبارك وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يبشر المخبتين، والمخبتون: هم المطمئنون الراضون بقضاء الله وقدره، والمستسلمون له تعالى 121.

ثم أثنى عليهم بذكر أوصافهم وجعل من صفاتهم أنهم صابرون على ما أصابهم من المصائب والأقدار المؤلمة، وعلى طاعة الله تبارك وتعالى، وعن معصية الله تعالى.

الثناء عليهم بصبرهم على البلاء:

أثنى الله تبارك وتعالى عليهم على الصبر على البلاء، وبشرهم ببشرى فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 155 - 156] .

ثم قال مبينًا مالهم: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157] .

وأثنى الله تبارك وتعالى على نبيه أيوب عليه السلام على صبره على ما ابتلاه الله تبارك وتعالى كما في قوله سبحانه: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44] .

الثناء عليهم بصبرهم على الأذى، والشدائد:

قال الله تبارك وتعالى في وصفهم عباده المؤمنين: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 42] .

قال ابن كثير رحمه الله: «أي: صبروا على الأذى من قومهم، متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة» 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت