فهرس الكتاب

الصفحة 990 من 2431

يقول الإمام الطبري في شرح المثل الأول في سورة يونس: «إنما مثل ما تباهون في الدنيا وتفاخرون به من زينتها وأموالها، مع ما قد وكّل بذلك من التكدير والتنغيص وزواله بالفناء والموت، كمثل ماءٍ أنزلناه من السماء، يقول: كمطر أرسلناه من السماء إلى الأرض {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} ، يقول: فنبت بذلك المطر أنواعٌ من النبات، مختلطٌ بعضها ببعض، فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم وزخارفها، فيفنيها ويهلكها كما أهلك أمرنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها، حتى صارت كأن لم تغن بالأمس، كأن لم تكن قبل ذلك نباتًا على ظهرها» 51.

وللإمام ابن القيم كلام لطيف في شرح هذا المثل فيقول: «شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر فتروقه بزينتها وتعجبه، فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها حتى إذا ظن أنه مالك لها قادر عليها سلبها بغتة (إما بالموت وهذا ظاهر، وإما بمرض ينزل بالمرء فلا يستفيد بها أو بآفة تجتاحها وتزيلها أحوج ما كان إليها وحيل بينه وبينها، فشبهها بالأرض الذي ينزل الغيث عليها فتعشب ويحسن نباتها ويروق منظرها للناظر، فيغتر به ويظن أنه قادر عليها مالك لها، فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتة، فتصبح كأن لم تكن قبل فيخيب ظنه وتصبح يداه صفرا منهما، فهكذا حال الدنيا والواثق بها سواء» 52.

والمتأمل في المثل السابق يجد أنه يمثل طرقات قوية تهز القلب البشري الغافل الذي تخدعة زينة الحياة ونضارتها، فيتوهم فيها الخلود الخادع، ويغره الأمل الكاذب حتى ينسى في غمرة انشغاله بشهواتها الحياة الحقيقية التي وعد الله عز وجل بها عباده الصالحين {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) } [يونس:25] .

«فيالبعد الشقة بين دار يمكن أن تطمس في لحظة، وقد أخذت زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فإذا هي حصيد كأن لم تغن بالأمس، ودار السلام التي يدعو إليها الله، ويهدي من يشاء إلى الصراط المؤدي لها، حينما تنفتح بصيرته، ويتطلع إلى دار السلام» 53.

المثل الثاني: قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) } [الكهف:45] .

يقول الشيخ المراغي رحمه الله: «شبّهت الدنيا في نضرتها ثم صيرورتها إلى الزوال بحال نبات اخضرّ والتف وأزهر، ثم صار هشيمًا متفتّتًا تنثره الرياح ذات اليمين وذات الشمال ومن ثم لا يغترّنّ أهلها بها، ولا يفخرنّ ذو الأموال الكثيرة بأمواله، ولا يستكبرنّ بها على غيره، فإنما هي ظل زائل، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} أي: وكان اللّه ذو الكمال والجلال قادرًا على كل شئ إنشاء وإفناء وإعادة، فهو يوجد الأشياء ثم ينمّيها ثم يفنيها، وما حال الدنيا إلا هذه الحال، فهي تظهر أولًا ناضرة زاهرة ثم تتزايد قليلا قليلا، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تصير إلى الهلاك والفناء، فلا ينبغي للعاقل أن يبتهج بما يحوزه منها أو يفخر به أو يصعّر خذه استكبارًا» 54.

فما أضل الإنسان الذي تخدعه مظاهر الحركة والنمو والبهجة والنضارة والزهو والشباب .. وتثير في نفسه مشاعر الفرح والغرور والخيلاء، فينشغل بالزينة عن القيمة، وينخدع بظواهر الأمور، فيركن إليها، ويقصر اهتمامه عليها، ولا يستثمر من زينتها شيئًا لمستقبله الآخروي.

المثل الثالث: قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } [الحديد:20]

يقول ابن كثير رحمه الله: «ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ونعمة زائلة فقال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ} وهو: المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس، وقوله: {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} أي: يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث؛ وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها، {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} أي: يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرًّا بعد ما كان خضرًا نضرًا، ثم يكون بعد ذلك كله حطامًا، أي: يصير يبسًا متحطمًا، هكذا الحياة الدنيا تكون أولًا شابة، ثم تكتهل، ثم تكون عجوزًا شوهاء، والإنسان كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضًّا طريًّا لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه وينفد (يفقد) بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخًا كبيرًا، ضعيف القوى، قليل الحركة، يعجزه الشيء اليسير، كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) } [الروم:54] » 55.

وهكذا فالمتدبر في هذه الأمثال الثلاثة يجد أن القرآن الكريم لم ينتقص من الحياة ذاتها، وإنما انتقص من انشغال الإنسان فيها بما لا يعود عليه بآجل الثواب، واغفاله مالا ينبغي أن يغفل عنه، فهذه الأمثال تدفع المرء للنظر إلى الحياة الدنيا من موقع الفكر والتأمل لا من موقع الانبهار والالتذاذ.

«إن الآيات ليست في صدد التزهيد في الدنيا وطيباتها والكسب والمال والولد. وكل ما في الأمر أن فيها تنبيهًا على عدم ميل المرء إلى الدنيا وجعل أعراضها أكبر همّه وقصارى آماله. وعلى عدم الاستغراق فيها استغراقًا ينسيه واجباته نحو الله ونحو الناس. ويجعله يغفل عن الآخرة وحسابها وهي دار الخلود في حين أن أمد الحياة الدنيا قصير جدًّا بالنسبة لكل إنسان يعيش فيها. والأسلوب بهذا البيان علاج روحاني شاف يفيد الإنسان في جميع ظروفه وبخاصة حينما تطغى المادة على الروح وتغطي أغراض الدنيا الغرارة مثل الإنسانية العليا وتقسي القلوب وتنزع منها خشية الله تعالى» 56.

«فالناس -كل الناس- ليسوا في حاجة أبدا إلى من يدعوهم إلى الإقبال على الدنيا، وإلى أخذ حظوظهم منها، إذ هم مقبلون بطبعهم عليها، مدعوون بحكم غريزتهم إلى الاندفاع في هذا الإقبال إلى مالا نهاية له.

وإنما الناس -كل الناس- محتاجون إلى من يمسك زمامهم ويروّض غرائزهم، في تعاملهم مع الدنيا، وفي تنافسهم المهلك على ما فيها من مال ومتاع، فكل معرض يعرض فيه القرآن الكريم، الحياة الدنيا، مستخفًّا بها، مهونًا من شأنها، إنما هو دواء ملطف لهذا السّعار الذي يدفع الناس دفعًا في غير وعي، إلى أن يلقوا بأنفسهم إلى مواطن التهلكة، دون أن يأخذوا حذرهم مما يلقاهم على هذا الطريق المحفوف بالمخاطر» 57.

قال الله عز وجل: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:100] .

قال الطبري في تفسير هذه الآية: «ومن أمامهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع، يعني: إلى يوم يبعثون من قبورهم، وذلك يوم القيامة، والبرزخ والحاجز والمهلة متقاربات في المعنى» 58.

وقال الراغب: «البرزخ: الحاجز والحدّ بين الشيئين، والبرزخ في القيامة: الحائل بين الإنسان وبين بلوغ المنازل الرفيعة في الآخرة، وذلك إشارة إلى العقبة المذكورة في قوله عزّ وجل: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) } [البلد:11] .

قال تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:100] .

وتلك العقبة موانع من أحوال لا يصل إليها إلا الصالحون. وقيل: البرزخ ما بين الموت إلى القيامة» 59.

«إن مقتضى العدل، وانطلاقًا من الشرع الحنيف، لا بد أن يكون هناك موقف يقفه الإنسان، ليحاسب على عمله، ويجازى على فعله، بعد انتهاء حياته الدنيا، وانتقاله إلى حياة أخرى التي هي بداية الحياة الأبدية، ألا إنها حياة البرزخ، لينعم أو ليعذب، حتى تتحقق العدالة الإلهية، ويوّفى الجميع وتطمئن قلوبهم، أن لهذا الكون إلهًا عادلًا، لا يظلم مثقال ذرة، والعقول السليمة، والفطرة المستقيمة ترى أن حياة الإنسان بعد موته لحسابه ومجازاته، ومنها حياة البرزخ، من أهم ضرورات الحياة الطبيعية، الحياة المستقرة الآمنة، التي تتمتع بالأمن والأمان، إذ لابد أن يكون هناك وقفة مع هذا الإنسان بعد الحياة الدنيا، لكي يجازى كل إنسان على عمله وفعله، وما كسبت يداه، وينعم المحسن، ويعذب المذنب» 60.

أولًا: نعيم البرزخ:

ورد في القرآن الكريم آيات دالة على نعيم البرزخ، وكذلك تظاهرت الأحاديث النبوية على إثبات ذلك.

قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) } [إبراهيم:27] .

روى الإمام البخاري بسنده، عن البراء بن عازب، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} ) 61.

وفي الحديث الذي رواه البراء بن عازب رضي الله عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يؤكد نعيم البرزخ، حيث ذكر فيه قبض نفس المؤمن بسهولة ويسر، ثم توضع روحه في كفن من أكفان الجنة ويصعد بها إلى السماء حتي يصل إلى السماء الدنيا، فيشيعة الملائكة المقربون، ثم تعاد روحه مرة أخرى إلى جسده ويبدأ الحساب والسؤال في القبر، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره. ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة. رب، أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي) 62.

ومن النعيم الذي حدث عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، ما يصيب الشهداء في حياة البرزخ، فقد صح عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (لمّا أصيب إخوانكم بأحدٍ، جعل اللّه أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ، ترد أنهار الجنّة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ معلّقةٍ في ظلّ العرش، فلمّا وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنّا أنّا في الجنّة نرزق، لئلّا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا في الحرب، فقال اللّه عزّ وجلّ: أنا أبلّغهم عنكم، فأنزل اللّه تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) } [آل عمران:169] ) 63.

ومن صور النعيم في البرزخ أن أرواح المؤمنين تتلاقى وتتذاكر في البرزخ.

قال الله عز وجل: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) } [آل عمران:169 - 170] .

«وفي هذه الآية دلالة على تلاقي أرواح الشهداء من ثلاثة أوجه:

أحدها: أنهم عند ربهم يرزقون، وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون.

الثاني: أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم ولقائهم لهم.

الثالث: أن لفظ {وَيَسْتَبْشِرُونَ} يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضًا مثل (يتباشرون) » 64.

قال الله عز وجل: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) } [النساء:69 - 70] .

يقول الإمام ابن القيم في التعقيب على هذه الآية: «وهذه المعية ثابتة في الدنيا وفي الدار البرزخ وفي دار الجزاء والمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاث» 65.

ثانيًا: عذاب البرزخ:

وردت نصوص كثيرة تدل على أن عذاب البرزخ حق، وأن الكافرين في الحياة البرزخية يعذبون حتى يبعثهم الله إليه يوم القيامة، ومن تلك النصوص:

قوله تعالى: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) } [غافر:45 - 46] .

قال ابن كثير رحمه الله: «وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} » 66.

وقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) } [طه:124]

قال الطبري بعد ذكر أقوال المفسرين في هذه الآية: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هو عذاب القبر، وذكر حديث بسنده، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أتدرون فيم أنزلت هذه الآية {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} أتدرون ما المعيشة الضّنك؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (عذاب الكافر في قبره، والّذي نفسي بيده أنّه ليسلّط عليه تسعةٌ وتسعون تنّينًا، أتدرون ما التّنين؟ تسعةٌ وتسعون حيّة، لكلّ حيّة سبعة رءوسٍ، ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة) 67.

وإن الله تبارك وتعالى أتبع ذلك بقوله: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه:127] فكان معلومًا بذلك أن المعيشة الضنك التي جعلها الله لهم قبل عذاب الآخرة، لأن ذلك لو كان في الآخرة لم يكن لقوله: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} معنى مفهوم، لأن ذلك إن لم يكن تقدّمه عذاب لهم قبل الآخرة، حتى يكون الذي في الآخرة أشدّ منه، بطل معنى قوله {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} ، فإذ كان ذلك كذلك، فلا تخلو تلك المعيشة الضنك التي جعلها الله لهم من أن تكون لهم في حياتهم الدنيا، أو في قبورهم قبل البعث، إذ كان لا وجه لأن تكون في الآخرة لما قد بيّنا، فإن كانت لهم في حياتهم الدنيا، فقد يجب أن يكون كلّ من أعرض عن ذكر الله من الكفار، فإن معيشته فيها ضنك، وفي وجودنا كثيرًا منهم أوسع معيشة من كثير من المقبلين على ذكر الله تبارك وتعالى، القائلين له المؤمنين في ذلك، ما يدلّ على أن ذلك ليس كذلك، وإذ خلا القول في ذلك من هذين الوجهين صحّ الوجه الثالث، وهو أن ذلك في البرزخ» 68.

وقوله تعالى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47) } [الطور:47] .

قال قتادة: «كان ابن عباس يقول: إنكم لتجدون عذاب القبر في كتاب الله {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ} » 69.

وقوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) } [التوبة:101] .

قال قتادة: «قال الله تعالى {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} «قال: عذابًا في الدنيا وعذابًا في القبر» 70.

وفي السنة النبوية نصوص كثيرة تثبت عذاب البرزخ، نأخذ منها هذين الحديثين:

روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنّة فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النّار فمن أهل النّار) 71.

وروى البخاري ومسلم أيضًا عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (إنّ العبد إذا وضع في قبره، وتولّى عنه أصحابه، إنّه ليسمع قرع نعالهم، أتاه الملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرّجل، محمد؟ فأمّا المؤمن فيقول: أشهد أنّه عبد اللّه ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النّار، قد أبدلك اللّه به مقعدًا من الجنّة. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:(فيراهما جميعًا) . قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ثم رجع إلى حديث أنس: وأمّا الكافر أو المنافق، فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول النّاس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثمّ يضرب بمطرقةٍ من حديدٍ ضربةً بين أذنيه، فيصيح صيحةً يسمعها من يليه إلّا الثّقلين) 72.

إن إيمان المسلم بحياة البرزخ يدفعه إلى تزكية نفسه وتهذيبها، وتقويم المعوج من سلوكه، كما يحجزه عن الوقوع فيما حرمه الله بما يغرسه في قلبه من الخوف والخشية، فيحرص على ضبط أقواله وأفعاله، وعلاقاته ومعاملاته بما يتوافق مع الشرع الحنيف، لأنه يعلم أن الحياة البرزخية صورة مصغرة لما سيكون عليه الجزاء في الحياة الآخرة، فإما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، كما أن المسلم يوقن أن حياة البرزخ هي من النتائج الأولى للامتحان والاختبار في الحياة الدنيا، وليس هناك فرصة للعودة مرة أخرى لتصحيح الأخطاء أو تعديل المسار، وهذا ما يجعله في يقظة وحذر دائمين، يحاسب نفسه كلما شردت عن الصراط المستقيم أو جرفتها الشهوات إلى لجج الغفلة.

وهذا الإيمان بالحياة البرزخية هو السبب الرئيس في نشر الخير وتفشي العدل وسيادة الأمن والأمان على مستوى الأفراد والجماعات والأمم.

جاء وصف القرآن الكريم للحياة الآخرة ليبين للناس حقيقتها، فلا تغيب عن أذهانهم صورتها وهم يعيشون في هذه الحياة الدنيا، ينشغلون بمعاشها وزخارفها، فتكون حافزًا لهم على النهوض للطاعات والعبادات، ومجاهدة النفس على إقامة الأوامر واجتناب المحظورات من أجل الفوز والنجاة في الآخرة.

أولًا: وصف الحياة الآخرة:

وصفت الحياة الآخرة بعدة أوصاف منها:

1.الحيوان.

الحيوان: مصدر حي، وقياسه حييان، فقلبت الياء الثانية واوًا، كما قالوا: حيوة، في اسم رجل، وبه سمى ما فيه حياة: حيوانًا. وفي بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي ما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب، والحياة: حركة، كما أن الموت سكون، فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة، مبالغة في معنى الحياة، ولذلك اختيرت على الحياة في هذا الموضع المقتضى للمبالغة 73.

قال الله تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) } [العنكبوت:64] .

قال الطبري في تفسير هذه الآية: «وإن الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع ولا موت معها» 74.

وأشار الإمام بن القيم إلى أن قوله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} يحتمل معنيين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت