فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 2431

الفرق بين الأمانة والميثاق كالفرق بين الأمانة والعهد من حيث العموم والخصوص، فالأمانة عامة، تشمل كل ما اؤتمن عليه الإنسان، والميثاق خاص بالعهد المؤكد باليمين.

-تنوعت الأساليب القرآنية في الحث على الأمانة؛ حثًا للعباد على التمسك بها، وسوف نتناولها فيما يأتي:

أولًا: الأمر الصريح بأداء الأمانة:

أمر الله تعالى في كتابه الكريم بأداء الأمانات إلى أهلها، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58] .

والمعنى: إن الله تعالى يأمركم بأداء مختلف الأمانات التي اؤتمنتم عليها إلى أصحابها، فلا تفرطوا فيها، ولا تضيعوها.

وتصدير الكلام بكلمة التحقيق {إِنَّ} تأكيد لوجوب امتثال الأمر، والدلالة على الاعتناء بشأنه، وإضافة (الأمر) إلى الله سبحانه وتعالى يفيد معنى التأكيد أيضًا، كما يقال لتأكيد الأمر للعبد بالطاعة: سيدك يأمرك بكذا، ولله المثل الأعلى في أوامره ونواهيه.

وهذه الصيغة صيغة قوة وسلطان، فهو لم يقل: إني آمركم، إنما قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} يأمركم بألوهيته وعظمته وهذا نحو: إن الرئيس يأمر بكذا، فهذا أبلغ وأقوى من قولنا: صدر قرار بكذا وكذا.

واسم الجلال {اللَّهَ} أيضًا يوحي بالخشية والرهبة على عقبى التفريط بها، ثم إن الخطاب المباشر منه تعالى للناس كافة {يَأْمُرُكُمْ} دون توسيط الرسول صلى الله عليه وسلم الذي تنتهي مهمته بالإبلاغ مما زاد الأمر تأكيدًا وأهمية.

فيكون قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} خبرًا في الظاهر، لكنه في حقيقته أمر وطلب، فهو كاسم فعل الأمر، وكصيغة (عليك) في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105] .

وكقوله سبحانه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] .

وعلى هذا فجملة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} صريحة في الوجوب، مثل صراحة النهي في قوله في الحديث: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) 16.

ثم هو تعالى يأمر الناس جميعًا من عنده الأمانة والمجتمع الذي يراقب ويتابع ويساعد على التنفيذ، ويأمر بالأداء بفعل المضارع المفيد استمرار الوفاء بحق الأمانة؛ لتظل شارة الأمة التي تريد لنفسها البقاء، ثم هو الأداء إلى أهل الأمانة فجارًا كانوا أم أبرارًا.

فالخطاب في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} خطاب يعم حكمه المكلفين قاطبة، كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بذممهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية، وإن كان هذا الأمر قد ورد في شأن عثمان بن طلحة بن عبد الدار سادن الكعبة المعظمة.

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان رضي الله عنه باب الكعبة، وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: «لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه» ، فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده، وأخذه منه وفتح، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السقاية والسدانة، فنزلت الآية -وظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة-، فأمر عليًا أن يرده إلى عثمان، ويعتذر إليه، فقال عثمان لعلي: «أكرهت وآذيت، ثم جئت ترفو؟!» ، فقال: «لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنًا» ، فقرأ عليه الآية، فقال عثمان: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله» ، فهبط جبريل عليه السلام، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدًا 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت