فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 2431

والمقصود أنه وإن كان هذا خطابًا للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخذ مفتاح الكعبة من حجبتها، وهم بعض بني شيبة، فجاء الأمر من الله للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرد لهم مفاتيح الكعبة إلا أن الآية أعم من ذلك، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول.

فيكون الخطاب لكل من يصلح لتلقي هذا الخطاب والعمل به من كل مؤتمن على شيء، ومن كل من تولى الحكم بين الناس في الحقوق 18.

فهو أمر عام للمؤمنين جميعًا، لا يختص به راع دون الرعية، ولا قوي دون ضعيف، ولا غني دون فقير، وهذا يدل على أهمية الأمانة، وتأكيد طلبها، وأنها فضيلة مطلقة.

وظاهر الآية أيضًا يفيد أن الأمر لعموم الناس مؤمنهم وكافرهم، ومن أهل العلم من قال: هو أمر لعموم المؤمنين.

وعبر بالأداء في قوله: {أَنْ تُؤَدُّوا} ؛ لأن الأداء: دفع الحق وتوفيته كاملًا، وهذا الموضع كقوله تعالى: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة:283] .

وقال: {وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:178] .

قال السعدي: «وفي قوله: {إِلَى أَهْلِهَا} دلالة على أنها لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمن، ووكيله بمنزلته؛ فلو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديًا لها» 19.

ولهذا أجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها، الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر 20.

وفي حديث سمرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) 21.

فإطلاق اسم الأمانة في الآية حقيقة؛ لأن عثمان سلم مفتاح الكعبة للنبي صلى الله عليه وسلم دون أن يسقط حقه، والأداء حينئذٍ مستعمل في معناه الحقيقي؛ لأن الحق هنا ذات يمكن إيصالها بالفعل لمستحقيها، فتكون الآية آمرة بجميع أنواع الإيصال والوفاءات، ومن جملة ذلك دفع الأمانات الحقيقة، فلا مجاز في لفظ: {تُؤَدُّوا} 22.

فيكون أداء الأمانة واجبًا عقلًا وشرعًا؛ لأن أداء الأمانة صفة من صفات الكمال، محبوبة بالذات؛ ولأن أداء الأمانة من أحد الجانبين سبب لأداء الأمانة من الجانب الثاني؛ قال بعض الصحابة: «رأيت أعرابيًا أتى باب المسجد، فنزل عن ناقته وتركها، ودخل المسجد، وصلى بسكينة ووقار، ودعا بما شاء، فتعجبنا، فلما خرج لم يجد ناقته، فقال: إلهي أديت أمانتك، فأين أمانتي؟ قال الراوي: فزدنا تعجبًا، فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته، وقد قطع يده، وسلم الناقة إليه، والسبب أنه لما حفظ أمانة الله، حفظ الله أمانته» 23.

وجمع (الأمانات) هاهنا باعتبار تعدد أنواعها، وتعدد القائمين بالحفظ، تنصيصًا على العموم. فللأمانة معانٍ كثيرة مادية ومعنوية، تدور كلها على صون حقوق الله، وحقوق الناس، في سائر الأعمال والأحوال، كما تتسع دائرة الأمانة؛ لتشمل المؤمن والكافر والبر والفاجر.

قال السعدي: «الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان، وأمر بالقيام به، فأمر الله عباده بأدائها، أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولًا بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات، والأموال، والأسرار؛ والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله، وقد ذكر الفقهاء على أن من اؤتمن أمانة وجب عليه حفظها في حرزٍ مثلها.

قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها؛ فوجب ذلك» 24.

ويدخل في ذلك: أمانات الطبيب أن يؤدي إلى المريض حقه من التشخيص، وأمانات أصحاب الصنائع أن يتقنوا صناعاتهم، وينصحوا للناس، كما علمهم الله تبارك وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت