فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 2431

وقال سبحانه: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) } [الحجر: 28] . فالحمأ: جمع حمأة، وهو الطين الأسود المتغير 31، والمسنون: قيل: إنه المصور من سنة الوجه، وهي صورته. وقيل: المسنون المنتن المتغير، من قولهم قد أسن الماء إذا تغير 32. والمعنى متقارب، فإن هذا الطين المنتن المتغير الأسود حين تماسك صوره الله تلك الصورة الإنسانية.

المرحلة الرابعة: خلقه من صلصالٍ كالفخار.

والمراحل السابقة مجتمعة أدت إلى مرحلة الصلصال هذه.

قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) } [الرحمن: 14] .

والصلصال: الطين اليابس الذي تسمع له صلصلة، أي: صوتٌ إذا قرع بشيء 33.

وهذا الصلصال يشبه الفخار إلا أنه ليس فخارًا؛ لأن الفخار مطبوخ بالنار بخلاف الصلصال، فهو طين يابس غير مطبوخ بالنار.

هذا هو الطور الأول- طور التخليق- بمراحله الأربعة السابق ذكرها، وفي هذه المراحل رد على بعض الشبهات التي أثيرت حول القرآن الكريم في إخباره عن خلق آدم بألفاظ مختلفة، فتعبر الآيات القرآنية الكريمة عن تكامل هذه المراحل دونما أية شبهة للتعارض أو التناقض، حيث بدأت بالتراب الذي أضيف إليه الماء فصار طينًا، ترك الطين قليلًا فأصبح طينًا لازبًا، ثم تحول هذا الطين إلى حمأ مسنون، فلما يبس هذا الطين سمي صلصالًا.

الطور الثاني: طور التصوير.

يقول الله عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) } [الأعراف: 11] . ويلاحظ من خلال هذه الآية الكريمة أن مرحلة التصوير ثانية بعد الخلق، حيث عطفت جملة صورناكم بحرف (ثم) الدالة على تراخي رتبة التصوير عن رتبة الخلق 34، فبعد أن خلقه الله من الطين، صوره وسواه وجعله ثمثالًا مجسمًا على صورة الإنسان، وهذا قبل أن ينفخ فيه الروح.

الطور الثالث: طور نفخ الروح.

بعد أن سوى الله عز وجل الإنسان الأول وصوره، وهو آدم عليه السلام أراد أن يبث فيه الحياة، نفخ فيه من روحه، فصار بشرًا حيًا.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) } [الحجر:28 - 29] .

وقال سبحانه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) } [ص: 71 - 72] .

والنفخ: إجراء الريح في الشيء. والروح: جسمٌ لطيفٌ، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم. وحقيقة الإضافة (روحي) إضافة خلقٍ إلى خالق؛ فالروح خلقٌ من خلقه أضافه إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا، كقوله: أرضي، وسمائي، وبيتي، وناقة الله، وشهر الله. ومثله: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] 35.

وإنما سمى إجراء الروح فيه نفخًا؛ لأنها جرت في بدنه مثل جري الريح فيه 36.

[انظر: الإنسان: خلق الإنسان]

ثالثًا: تعليم آدم الأسماء كلها:

إن هذا التعليم بمثابة محطة مميزة في حياة آدم عليه السلام؛ إذ أكرمه الله بالسر الإلهي العظيم الذي أودعه فيه وهو يسلمه مقاليد الخلافة. سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض، ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، والمشقة في التفاهم والتعامل، حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه 37.

{وَعَلَّمَ} معناه: عرف. وتعليمه هنا: إلهام علمه ضرورةً. ويحتمل أن يكون بواسطة ملكٍ وهو: جبريل عليه السلام، وقرئ: {وعلم} غير مسمى الفاعل. والأول أظهر 38.

والابتداء بحكاية التعليم يدل بظاهره على أن ما مر من المقالة المحكية إنما جرت بعد خلقه عليه السلام بمحضرٍ منه، وهو الأنسب بوقوف الملائكة على أحواله عليه السلام بأن قيل إثر نفخ الروح فيه {إِنِّي جَاعِلٌ} إياه {خَلِيفَةً} فقيل: ما قيل 39.

والأسماء واحدها اسم، وهو: ما به يعلم الشيء، والمراد به: أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه؛ لكونه معلومًا مدلولًا عليه بذكر الأسماء؛ لأن الاسم لابد له من مسمى، ثم عرضهم، أي: عرض المسميات، وفيه تغليب العقلاء.

الأسماء التي علمها الله عز وجل آدم عليه السلام:

أكثر المفسرون من سرد الأقوال المختلفة في هذه الأسماء ومن ذلك:

قيل: كل شيء حتى القصعة والقصيعة.

وقيل: خلق الله كل شيء من الحيوان والجماد وغير ذلك، {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} فقال: يا آدم هذا بعير وهذا فرس وهذه شاة حتى أتى على آخرها 40.

وقيل: أسماء الملائكة وأسماء ذريته.

وقيل: علمه اللغات كلها {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} يعني: تلك الأشخاص 41.

قال ابن عباس: «هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس، إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وجمل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها» 42.

وقيل: اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وقال الربيع بن أنسٍ: أسماء الملائكة. وقيل: أسماء ذريته، وقيل: صنعة كل شيءٍ، قال أهل التأويل: إن الله عز وجل علم آدم جميع اللغات، ثم تكلم كل واحدٍ من أولاده بلغةٍ، فتفرقوا في البلاد، واختص كل فرقةٍ منهم بلغةٍ 43.

وعن ابن عباس قال: «علم الله آدم أسماء الخلق، والقرى والمدن والجبال، والسباع، وأسماء الطير، والشجر، وأسماء ما كان وما يكون، وكل نسمة الله عز وجل بارئها إلى يوم القيامة، وعرض تلك الأسماء على الملائكة» 44.

وذكر البخاري عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء) وذكر تمام الحديث 45.

والأولى بتأويل الآية: أن تكون الأسماء التي علمها آدم أسماء أعيان بني آدم وأسماء الملائكة وإن كان غيره جائزًا؛ لاتساع الكلمة (الأسماء كلها) ، إضافة إلى أنه دل على المسميات بضمير جمع الذكور العقلاء فقال: {عَرَضَهُمْ} ولم يقل عرضها؛ لأن في جملة هذه المسميات أنواعًا من العقلاء: كالملائكة، والإنس 46.

وقال ابن عطاءٍ: «لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها، وهذا واضحٌ» 47.

ويحتمل أن يكون التعليم بواسطة ملكٍ وهو: جبريل عليه السلام، أو بتكليم قبل هبوطه الأرض، فلا يشارك موسى عليه السلام في خاصته.

رابعًا: أول من تكلم اللغة العربية:

قيل: أول من نطق بالعربية جبريل، ويرد عليه بأن جبريل أول من نطق بالعربية من الملائكة.

وقيل: إن اسماعيل هو أول من نطق بها، ويرد على ذلك بأنه أول من نطق بها من ولد ابراهيم.

وقيل: يعرب بن قحطان.

والصحيح أن أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم عليه السلام، والقرآن يشهد له، فقال الله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] .

واللغات كلها أسماءٌ فهي داخلةٌ تحته، وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولًا على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته بالعربية بدليل ما ذكرنا والله أعلم، وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة، وألقاها على لسان نوحٍ بعد أن علمها الله آدم أو جبريل 48.

خامسًا: الحكمة من خلق آدم وذريته:

يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ فإن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء» 49.

ويمكن استنباط الحكمة من ذلك: إن الله تعالى خلقه من التراب والطين لإظهار عظيم قدرته، «والمقصود من ذكر هذه الأشياء: التنبيه على عجيب صنع الله تعالى؛ إذ أخرج من هذه الحالة المهينة نوعًا هو سيد أنواع عالم المادة ذات الحياة» 50.

إن الله خلق هذا الإنسان لأمر عظيم، خلقه ليكون مستخلفًا في الأرض، مالكًا لما فيها، ودوره في الأرض إذن وفي أحداثها وتطوراتها هو الدور، وليس تابعًا للتطورات التي تحدثها الآلة في علاقات البشر وأوضاعهم كما يدعي أنصار المادية المطموسون، وكل قيمة من القيم المادية لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان، فكرامة الإنسان أولًا، والنعمة التي يمتن الله بها على الناس هنا ليست مجرد الإنعام عليهم بما في الأرض جميعًا، ولكنها -إلى ذلك- سيادتهم على ما في الأرض جميعًا، هي نعمة الاستخلاف والتكريم فوق نعمة الملك والانتفاع العظيم، فيقرر أن الله خلق كل ما فيها لهم، فهنا في هذا الجو تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض، ومنحه 51.

يقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] .

«وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود، زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتسخير له كل شيء في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه، فهناك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض، والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته؛ كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس، وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم.

ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال، أو من تجارب سابقة في الأرض، أو من إلهام البصيرة، ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق، ثم هم بفطرتهم البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق، يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له، هو وحده الغاية المطلقة للوجود، وهو وحده العلة الأولى للخلق، وهو متحقق بوجودهم هم، يسبحون بحمد الله ويقدسون له» 52.

أخبر الله عز وجل الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، فأجابت بقولها لله سبحانه وتعالى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] .

تعجب الملائكة من استخلاف الله من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفه الله في أرضه وينعم عليه بذلك، أو كان ذلك على طريق الاستعظام للاستخلاف، والعصيان معًا. أو على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ أو على جهة الاسترشاد والاستعلام؟ هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به قبل أو غيره؟ 53 كما مر في إعلام الملائكة بخلق آدم من الكلام السابق.

فأجابهم الله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ} من المصلحة في استخلافه مما هو خفي عنكم، وأعلم كيف تصلح الأرض، وكيف تعمر، ومن هو أصلح لعمارتها، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها 54.

أولًا: تعليم آدم الملائكة أسماء الأشياء:

يقول الله تعالى: {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] .

عقد الرب سبحانه وتعالى امتحانًا للملائكة؛ لإظهار عجزهم، وإبطال زعمهم أنهم أحق بالخلافة من خليفته، بعد أن علم آدم أسماء الأشياء والأجناس المادية من نبات وجماد وإنسان وحيوان، مما تعمر به الدنيا، ثم عرض مجموعة المسميات على الملائكة، وقال لهم: أخبروني بأسماء هؤلاء، إن كنتم صادقين في ادعائكم أنكم أحق بالخلافة من غيركم، فعجزوا، وقالوا: يا رب {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ} بكل شيء، {الْحَكِيمُ} في كل صنع 55.

يقول الإمام الطبري: «إن الله جل ثناؤه عرف ملائكته -الذين سألوه أن يجعلهم الخلفاء في الأرض- أنهم من الجهل بمواقع تدبيره ومحل قضائه، قبل إطلاعه إياهم عليه، على نحو جهلهم بأسماء الذين عرضهم عليهم، إذ كان ذلك مما لم يعلمهم فيعلموه، كما علم آدم أسماء ما عرض على الملائكة، ومنعهم علمها إلا بعد تعليمه إياهم.

{فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ} يقول: فلما أخبر آدم الملائكة بأسماء الذين عرضهم عليهم، فلم يعرفوا أسماءهم، وأيقنوا خطأ قيلهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ} ، قال لهم ربهم: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} والغيب: هو ما غاب عن أبصارهم فلم يعاينوه» 56.

والأمر {أَنْبِئُونِي} : تعجيز؛ لأن المأمور يعلم أن الآمر عالمٌ بذلك {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في أنكم أفضل من هذا المخلوق إن كان قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ} إلخ تعريضًا بأنهم أحقاء بذلك، أو {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في عدم جدارة آدم بالخلافة، قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: 30] .

للتفويض أو الإعلان للسامعين من أهل الملأ الأعلى بالبراءة من شائبة الاعتراض، وإذا انتفى الإنباء انتفى كونهم صادقين في إنكارهم خلافة آدم 57.

ثم قال المولى جل جلاله: أخبرهم يا آدم بأسماء الأشياء التي عجزوا عن علمها، فلما أخبرهم بكل أسماء تلك الأشياء، أدركوا السر في خلافة آدم وذريته، وأنهم لا يصلحون للاشتغال بالماديات، والدنيا لا تقوم إلا بها، إذ هم خلقوا من النور، وآدم خلق من الطين، والمادة جزء منه.

وحينئذ قال تعالى للملائكة: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ} ما غاب في {السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} عنكم، وما حضر أيضًا، ولا أجعل الخليفة في الأرض عبثًا، وأعلم ما تظهرون وما تكتمون من نحو قولكم فيما روي عن ابن عباس: لن يخلق الله خلقًا أكرم عليه منا، فنحن أحق بالخلافة في الأرض 58.

ويقول ابن عباس في قوله: {وَأَعْلَمُ} -مع علمي {غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} - ما تظهرون بألسنتكم، وما كنتم تخفونه في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواءٌ عندي سرائركم وعلانيتكم، والذي أظهروه بألسنتهم ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه، وهو قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} والذي كانوا يكتمونه: عن ابن عباس وابن مسعود: المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والكفر، والتكبر عن طاعته، أو كتمان الملائكة بينهم لن يخلق الله خلقًا إلا كنا أكرم عليه منه 59.

قالوا -يعني الملائكة-: {سُبْحَانَكَ} تنزيهًا لك، وذلك لما ظهر عجزهم {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} أي: إنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ} أي: بخلقك وهو من أسماء الصفات التامة وهو المحيط بكل المعلومات {الْحَكِيمُ} أي: في أمرك، القاضي العدل والمحكم للأمر؛ كيلا يتطرق إليه الفساد 60، وفي هذا اعتراف من الملائكة بقصور علمهم واعتذار لله عز وجل.

ثانيًا: أيهما أفضل بنو آدم أم الملائكة؟

اختلف العلماء في أيهما أفضل الملائكة أم بنو آدم؟ على قولين: فذهب قومٌ إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، وأكثر أهل السنة على ذلك، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة 61.

وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل، واحتج من فضل الملائكة بأنهم {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26 - 27] .

{لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] .

واحتج من فضل بني آدم بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7] .

بالهمز، من برأ الله الخلق، وقوله عليه السلام: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم) 62.

وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل.

وقال بعض العلماء: ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا القطع بأن الملائكة خيرٌ منهم؛ لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة، وليس ها هنا شيء من ذلك 63.

ثالثًا: سجود الملائكة لآدم:

والسجود معناه في كلام العرب: التذلل والخضوع، وغايته وضع الوجه على الأرض، سجد إذا تطامن، وكل ما سجد فقد ذل، والإسجاد: إدامة النظر. وسجد إذا طأطأ رأسه 64.

ويكون السجود تعظيمًا وتقربًا إلى من سجد له، وهذا سجود عبادة ولا يكون إلا لله وحده في جميع الشرائع.

ويكون سجود تحية وتكريم، وهذا ما أمر الله به الملائكة لآدم فسجدوا له تكريمًا، وهو منهم عبادة لله سبحانه بطاعتهم له إذ أمرهم بالسجود.

يقول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} [البقرة: 34] .

ويقول أيضًا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} [الأعراف: 11] .

ويقول أيضًا: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] .

ويقول أيضًا: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} [طه: 116] .

ويقول أيضًا: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [ص: 72 - 73] .

إنه التكريم في أعلى صوره لهذا المخلوق الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء لقدرته على تحكيم إرادته في شق طريقه، واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله، ولقد سجد الملائكة امتثالًا للأمر العلوي الجليل 65.

يقول ابن عاشور في تفسير قول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} [البقرة: 34] .

«عطفٌ على جملة {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] عطف القصة على القصة، وإعادة {إِذْ} بعد حرف العطف المغني عن إعادة ظرفه تنبيهٌ على أن الجملة مقصودةٌ بذاتها؛ لأنها متميزةٌ بهذه القصة العجيبة فجاءت على أسلوبٍ يؤذن بالاستقلال والاهتمام، ولأجل هذه المراعاة لم يؤت بهذه القصة معطوفةً بفاء التفريع فيقول: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} وإن كان مضمونها في الواقع متفرعًا على مضمون التي قبلها فإن أمرهم بالسجود لآدم ما كان إلا لأجل ظهور مزيته عليهم؛ إذ علم ما لم يعلموه ... وإظهار لفظ الملائكة ولفظ آدم هنا دون الإتيان بضميريهما كما في قوله: {قَالُوا سُبْحَانَكَ} [البقرة: 32] .

وقوله: {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ} [البقرة: 33] .

لتكون القصة المعطوفة معنونةً بمثل عنوان القصة المعطوف عليها، إشارةً إلى جدارة المعطوفة بأن تكون قصة مقصورة غير مندمجةٍ في القصة التي قبلها. وأسنده إلى ضمير العظمة {وَإِذْ قُلْنَا} وأتى به في الآية السابقة مسندًا إلى رب النبيء {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} [البقرة: 30] للتفنن، ولأن القول هنا تضمن أمرًا بفعلٍ فيه غضاضةٌ على المأمورين فناسبه إظهار عظمة الآمر، وأما القول السابق بمجرد إعلامٍ من الله بمراده ليظهر رأيهم، ولقصد اقتران الاستشارة بمبدأ تكوين الذات الأولى من نوع الإنسان المحتاج إلى التشاور، فناسبه الإسناد إلى الموصوف بالربوبية المؤذنة بتدبير شأن المربوبين. وأضيف إلى ضمير أشرف المربوبين وهو النبيء صلى الله عليه وسلم كما تقدم في: (إعلام الله الملائكة بخلق آدم) » 66.

ويقول الإمام الطبري: «خطابٌ من الله جل ثناؤه لخاصٍ من الملائكة دون الجميع، وأن الله إنما خصهم بقيل ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً؛ ليعرفهم قصور علمهم وفضل كثير ممن هو أضعف خلقًا منهم من خلقه عليهم، وأن كرامته لا تنال بقوى الأبدان وشدة الأجسام، كما ظنه إبليس عدو الله» 67.

طبيعة سجود الملائكة لآدم عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت