فالمشركون الذين أشركوا مع الله غيره، أو نسبوا لله الصاحبة أو الولد، أو افتروا على الله الكذب والبهتان، ما عرفوا الله حق المعرفة، وما عظموه وما قدروه حق قدره، وهو الذي يجعل الأرض بكل طبقاتها وأجزائها في قبضته، والسموات يطويها بيمينه -وذلك يوم القيامة-، فالسموات والأرض جميعًا في يده، ويقول: أنا الملك، أين الملوك؟ صاحب هذه القدرة العظمى كيف يعبد معه آلهة أخرى؟!
لذا نزه الله تعالى نفسه بقوله: {سُبْحَانَهُ} أي تنزه وتقدس عن الشريك والنظير والصاحبة والولد، وعن صفات المحدثين، وتعالى عما يشركون، وترفع عن أن يكون له شريك، وهو رب كل شيء ومليكه 33.
أما في آية الحشر فقد نزه الله عز وجل نفسه بعد أن ذكر بعض أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فقال سبحانه: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر: 23] .
«فالله سبحانه هو المعبود بحق، الذي لا إله إلا هو، الملك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة، المنزه عن كل نقص، الذي سلم من كل عيب، المصدق رسله وأنبياءه بما يرسلهم به من الآيات البينات، الرقيب على كل خلقه في أعمالهم، العزيز الذي لا يغالب، الجبار الذي قهر جميع العباد، وأذعن له سائر الخلق، المتكبر الذي له الكبرياء والعظمة. تنزه الله تعالى عن كل ما يشركونه به في عبادته» 34.
هذه هي المواضع من كتاب الله عز وجل التي ورد فيها تسبيح الله عز وجل لنفسه بلفظ التسبيح الصريح، وقد رأينا أن التسبيح فيها كان بمعنى تقديس الله عز وجل وتنزيهه عن كل ما لا يليق به سبحانه؛ فنزه تعالى نفسه عن اتخاذ الولد، ونزه نفسه عن اتخاذ الشريك، ونزه نفسه عن المثيل والشبيه، وسمى سبحانه نفسه بأعظم الأسماء وأحسنها، ونبه سبحانه عباده على بعض مظاهر قدرته وعظمته وجبروته، وفي ذلك توجيه عظيم للعباد بأن يعظموا ربهم، ويسبحوه، ولا يغفلوا عن ذكره سبحانه طرفة عين.
لقد بين الله عز وجل في كتابه العزيز أن جميع المخلوقات تسبح له سبحانه، {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44] .
وذكر عز وجل في كتابه العزيز تسبيح بعض مخلوقاته على وجه الخصوص؛ فذكر تسبيح الملائكة، وتسبيح بعض الأنبياء، وتسبيح المؤمنين، وتسبيح من عبدوا من دون الله، وفي المطالب التالية سنقف بإذن الله تعالى مع الآيات التي ذكرت تسبيح هذه المخلوقات لربها عز وجل.
أولًا: تسبيح الملائكة عليهم السلام:
الملائكة خلق من خلق الله عز وجل، وهم عباد مكرمون، خلقهم سبحانه لعبادته، {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] .
والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان الستة، فمن أنكرهم فهو كافر، {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] .
ولقد أخبر الله عز وجل عن تسبيح الملائكة لربها سبحانه في عشرة مواضع من الكتاب العزيز 35.
وبتأمل الآيات التي ورد فيها ذلك نستخرج منها الحقائق الآتية:
1.وظيفة الملائكة عبادة الله عز وجل وتسبيحه وتقديسه وتنزيهه سبحانه.
فهم عبادٌ لله، لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] .
وفي هذا إبطال لما افتراه المفترون من أن الملائكة بنات الله، أو أنهم شركاء لله عز وجل، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وقد صرحت الملائكة نفسها بذلك في قوله تعالى على لسانهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] .
وتسبيح الملائكة لله بمعنى تعظيمه سبحانه، وتنزيهه عن كل سوء أو نقص، وقيل: تسبيح الملائكة: أي صلاتهم لله عز وجل، وقيل: تسبيحهم: أي التسبيح المعلوم، وهو قولهم سبحان الله 36.
قال القرطبي: «اختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة، فقال ابن مسعود وابن عباس: تسبيحهم: صلاتهم. وقيل: تسبيحهم: رفع الصوت بالذكر، قاله المفضل. وقال قتادة: تسبيحهم: سبحان الله، على عرفه في اللغة. وهو الصحيح لما رواه أبو ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: (ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده، سبحان الله وبحمده) 37» 38.
2.الملائكة يبدؤون حديثهم مع ربهم عز وجل بتسبيحه سبحانه.
وذلك من شدة تعظيمهم له، وعظيم تأدبهم معه سبحانه، فعندما علم الله عز وجل آدم الأسماء كلها وقال لملائكته: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31] .
ردت ملائكة الرحمن بأدب جمٍ وتعظيم وإجلال للرب سبحانه: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] .
فبدأوا قولهم بتسبيح ربهم عز وجل، وفي ذلك تقديس وتنزيه لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، أو أن يعلم الملائكة شيئًا إلا ما علمهم الله تعالى 39.
ويوم القيامة يحشر الله عز وجل الخلق جميعًا، ويقول لملائكته: {أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] .
فيكون جوابهم لربهم مبتدءًا بالتسبيح له سبحانه: {قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 41] .
فالملائكة بدأت كلامها بتنزيه الله عز وجل عن الشرك أو الند، ثم تبرأت مما افتراه المشركون من عبادتهم من دون الله عز وجل، ثم أقرت الملائكة لربها بأنهم مفتقرون إلى ولايته، مضطرون إليها، فكيف يدعون غيرهم إلى عبادتهم؟ أم كيف يصلح لأن يتخذوا من دون الله أولياء وشركاء؟ فما هم إلا عباد لله منقادون مطيعون له سبحانه 40.
3.الملائكة تسبح ربها عز وجل تسبيحًا دائمًا متواصلًا من غير انقطاع ولا فتور ولا سآمة.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] .
فقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} يعني بهم الملائكة 41.
وقد وصفهم الله عز وجل في الآية بثلاثة أوصاف: أنهم لا يستكبرون عن عبادة الله تعالى، وأنهم يسبحونه، وأنهم يسجدون له، وهذه الأوصاف الثلاثة دالة على كمال عبوديتهم لله تعالى؛ حيث قد اجتمعت لهم العبادة القلبية والقولية والبدنية؛ فعدم استكبارهم عبادة قلبية نشأ عنها العبادة القولية والبدنية 42.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19 - 20] .
وقد تضمنت هذه الآية بيان أن الملائكة -زيادة على عدم استكبارهم عن عبادة ربهم عز وجل- {وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} أي: لا يتعبون ولا يملون 43، ولهذا فهم {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} ، وهذا كالبيان لقوله: {وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} ؛ لأن من يحب أمرًا ولا يتعب منه، لا يتركه ولا يمل منه؛ بل يواظب عليه 44.
ونظير هذا أيضًا في كتاب الله عز وجل قوله تعالى: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] .
فهذه الآيات دالة على قوة الملائكة وكمال حياتهم، وشدة الداعي القوي منهم إلى تسبيح الله تعالى وملازمته، فلا يلحقهم فيه فتور ولا سآمة، ولا يشغلهم عنه شاغل، وهم مستغرقون دائمًا في العبادة والتسبيح في جميع أوقاتهم، فليس في أوقاتهم وقت فارغ ولا خالٍ منها، وهم على كثرتهم بهذه الصفة، وفي هذا من بيان عظمة الله عز وجل وجلالة سلطانه وكمال علمه وحكمته 45.
4.لقد أخبر القرآن الكريم عن تسبيح الملائكة على العموم، وأخبر كذلك عن تسبيح حملة العرش والحافين من حوله من الملائكة على الخصوص.
وذلك في موضعين منه.
الموضع الأول: قوله تعالى: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] .
وقد جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن أحداث يوم القيامة وما يقع فيه من القضاء بين العباد، ووفيت كل نفس ما عملت، ودخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار، فقوله تعالى: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} ، أي في ذلك اليوم العظيم ترى الملائكة محدقين محيطين بالعرش {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} ، أي: يمجدونه ويعظمونه ويقدسونه، وينزهونه عن الظلم والجور، وعن كل ما لا يليق بجلاله، وقوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} أي: قضي بين الخلائق بالعدل، {وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وهذا إخبار عن حمد الكون أجمعه لله رب العالمين، عقب قضائه سبحانه بالحق بين خلقه 46.
أما الموضع الآخر: فهو قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: 7] .
حيث بينت الآية الكريمة تسبيح صنفين من ملائكة الرحمن: من يحملون العرش، ومن يطوفون حول العرش، ثم أخبرت الآية الكريمة بثلاثة أمور عن هؤلاء الملائكة العظام:
الأمر الأول: أنهم {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} وهذا مدح لهم بكثرة عبادتهم لله عز وجل، وخصوصًا التسبيح والتحميد 47.
والأمر الثاني: أنهم {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: «يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويشهدون بذلك، لا يستكبرون عن عبادته» 48.
والأمر الثالث: أنهم {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} أي: يستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض، ممن آمن بالغيب، وأقر بمثل إقرار الملائكة من توحيد الله عز وجل والبراءة من كل معبود سواه 49.
وتخصيص هذين الصنفين من الملائكة بالذكر في الموضعين السابقين دليل على ما لهما من شأن عظيم؛ إذ اختارهم الله عز وجل لحمل عرشه العظيم والطواف من حوله، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة وأعظمهم وأقواهم وأقربهم منه عز وجل 50.
5.الملائكة تمدح نفسها بتسبيحها لربها عز وجل؛ إظهارًا لعبوديتها له سبحانه، وإخبارًا بفضله وامتنانه عليهم.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .
والشاهد من الآية هنا: قول الملائكة مقرين بتسبيحهم لله عز وجل، مادحين أنفسهم بذلك: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} أي: ننزهك ونبرئك مما يصفك المشركون مما لا يليق بك 51.
وفي سورة الصافات 52 تمدحت الملائكة بتسبيحها لله عز وجل: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 165 - 166] .
قال قتادة: «هذا قول الملائكة يثنون بمكانهم من العبادة» 53.
وقال ابن كثير في قوله تعالى حكاية عن ملائكته: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} : «أي نصطف، فنسبح الرب، ونمجده ونقدسه، وننزهه عن النقائص، فنحن عبيد له، فقراء إليه، خاضعون لديه» 54.
6.وصف الله عز وجل حال الملائكة في تسبيحهم له سبحانه.
قال تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13] .
فالملائكة تسبح ربها عز وجل من خيفته؛ ومن هنا: للتعليل، وخيفته يعني: هيبته وإجلاله ورهبته 55.
وعلى هذا فلا يظن ظانٌ من وصف الملائكة بأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأنهم يلهمون التسبيح كما يلهم الناس النفس 56 أن التسبيح يصدر منهم على وجه العادة بلا شعور ولا اهتمام، فهذا الظن بعيد غير صحيح؛ إذ الملائكة يسبحون الله خاشعين له، خائفين منه.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «يخافون الله، وليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه، ومن على يساره، ولا يشغله عن عبادة الله شيء» 57.
7.إذا علم المؤمن بتسبيح الملائكة لربها عز وجل كما أخبر سبحانه، فينبغي له أن يقتدي بهم في ذلك.
فيكثر من تسبيح ربه عز وجل بالليل والنهار على قدر طاقته؛ فإن إخبار الله عز وجل عن تسبيحهم فيه حثٌ للمؤمنين، وترغيبٌ لهم أن يقتدوا بهم فيما ذكر عنهم 58.
ثانيًا: تسبيح الأنبياء عليهم السلام:
الأنبياء عليهم السلام هم صفوة البشر، وأكملهم علمًا وعقلًا وخلقًا، وأعظمهم عبادة وتسبيحًا وتقديسًا لله عز وجل؛ اعتقادًا وقولًا وعملًا؛ لأن الله عز وجل قد اصطفاهم على الناس برسالاته، وخصهم بوحيه، وجعلهم واسطة بينه وبين عباده في تبليغ دينه، وأقام بهم الحجة على خلقه.
وقد ذكر الله عز وجل في كتابه تسبيح بعض أنبيائه، وذلك في سياق ما قصه سبحانه من قصصهم وأخبارهم، فقد ذكر الله عز وجل تسبيح يونس عليه السلام، وتسبيح موسى عليه السلام، وتسبيح داود عليه السلام، وتسبيح زكريا عليه السلام، وتسبيح عيسى عليه السلام، وتسبيح محمد صلى الله عليه وسلم، وسنقف بإذن الله مع الآيات التي ورد فيها ذلك فيما يأتي:
أولًا: تسبيح يونس عليه السلام.
قص الله عز وجل في غير موضع من كتابه العزيز جوانب من قصة يونس عليه السلام، ويونس عليه السلام قد بعثه الله عز وجل إلى أهل قرية نينوى من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه وتمادوا في كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاثٍ، فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم يتضرعون إلى الله عز وجل، فرفع الله عنهم العذاب.
وأما يونس عليه السلام فإنه ذهب فركب مع قومٍ في سفينة، فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس عليه السلام، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، فقام عليه السلام وألقى بنفسه في اليم، فالتقمه الحوت، وغاص به في ظلمات البحار 59.
قال الله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 139 - 144] .
لقد أخبر الله عز وجل أن عبده ونبيه يونس عليه السلام بادر -وهو في تلك الظلمات- إلى مناداة ربه عز وجل، وتسبيحه وتوحيده، واعترف بظلمه لنفسه.
قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .
وبهذا الدعاء العظيم، الذي فيه إقرار لله تعالى بكمال الألوهية، وتنزيه عن كل نقص وعيب، واعترف بظلم النفس وجنايتها، كان الفرج من الله عز وجل 60، {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] .
لقد كان تسبيح يونس عليه السلام لربه عز وجل سببًا لتفريج كربته وزوال شدته، {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 - 144] .
وللمفسرين ثلاثة أقوال في معنى قوله تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} :
أولها: من المصلين، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير.
والثاني: من العابدين، قاله مجاهد ووهب بن منبه.
والثالث: قول {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، قاله الحسن 61.
أما الزمن الذي كان فيه هذا التسبيح فقد قال بعض المفسرين: إنه عليه السلام كان من المسبحين قبل أن يلتقمه الحوت.
وقال آخرون: إنه كان من المسبحين وهو في بطن الحوت 62، ولا خلاف بين القولين؛ فإن نبي الله يونس عليه السلام كان -ولاشك- من المسبحين قبل التقام الحوت له، فهو نبي من أنبياء الله، وهم خير خلق الله عز وجل، وخير من سبحه سبحانه.
وأما كونه من المسبحين في بطن الحوت فقد دل عليه قول الله تعالى: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .
والخلاصة: أن تسبيح يونس عليه السلام كان سببًا في تفريج كربته، وفي ذلك موعظة وفائدة للعباد جميعًا بأن التسبيح سبب لتفريج الكروب وزوال الشدائد 63.
فقد قال الله سبحانه: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] .
ففي الآية بشارة لكل مؤمن يقتدي بيونس عليه السلام في إخلاصه وصدق توبته، ودعائه لربه، بأن الله عز وجل ينجيه من كربه، ويخلصه من همه 64.
وقد جاء هذا المعنى في حديث النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له) 65.
ثانيًا: تسبيح موسى عليه السلام.
ذكر الله عز وجل تسبيح عبده ونبيه وكليمه موسى عليه السلام في موضعين من كتابه العزيز:
الموضع الأول: قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] .
ففي هذه الآية بيان أن موسى عليه السلام طمع في رؤية ربه عز وجل حين كلمه من وراء حجاب، ولم يعنفه الله عز وجل على ذلك؛ لأنه سأل ما يجوز 66؛ ولكن الله عز وجل أراد أن يري موسى عليه السلام من كمال عظمته وجلاله ما يعلم به أن القوة البشرية في هذه الدار الدنيا لا تثبت لرؤيته ومشاهدته عيانًا، ولهذا قال له: {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} ، يعني أن الجبل -رغم صلابته وعظمته- لا يستقر مكانه إذا تجلى الله عز وجل له، فكيف بالإنسان الضعيف؟! 67.
وقد تبين ذلك لموسى عليه السلام حين رأى الجبل قد صار دكًا عندما تجلى له ربه سبحانه، وسقط موسى عليه السلام مغشيًا عليه من هول ما رأى، وهذا معنى قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} 68.