فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 2431

أولًا: البدء بالأهم والأيسر:

لما كانت الشريعة منها ما هو أركان، ومنها ما هو واجبات، ومنها مستحبات، كان لابد عند الأخذ بمبدأ التدرج الانتباه إلى البدء بالأهم والأيسر.

ولهذا نجد أن الشارع قد بدأ في الدعوة بالأهم، ثم المهم، فافترض عليهم أول شيء بعد التوحيد الصلاة؛ وذلك لعظيم أهميتها، فكان فرض الصلاة متقدمًا قبل بقية أركان الشريعة، يدل على ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى) 63.

ففي قولها: «ثم هاجر» دليل على تقدّم فرض الصلاة، وأنها فرضت قبل هجرته صلى الله عليه وسلم؛ مما يدل على مزيتها على سائر الفرائض والعبادات، يؤكد هذه الأهمية أنه صلى الله عليه وسلم كان يبايع عليها بعد التوحيد، يدل على ذلك ما رواه البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) 64.

يقول ابن حجر مبيّنًا البدء بالصلاة بعد التوحيد: «وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة؛ لأنها رأس العبادات البدنية، ثم أداء الزكاة؛ لأنها رأس العبادات المالية، ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمس» 65.

وكما كان صلى الله عليه وسلم يشترط بعد التوحيد الصلاة قبل غيرها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقدّمها على غيرها في فعله، يدل على ذلك حديث عتبان رضي الله عنه قال: (أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلى، قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء الله من أصحابه ... ) 66.

وقد استنبط الإمام النووي فائدة عظيمة من هذا الحديث الكريم، حيث قال: «وفيه البداءة بالأهم فالأهم، فإنه صلى الله عليه وسلم في حديث عتبان هذا بدأ أول قدومه بالصلاة، ثم أكل» 67.

فدل هذا العمل النبوي الكريم على أهمية التدرج، ومراعاة البدء بالأهم فالأهم في الدعوة إلى الشريعة، وقد نبّه الإمام القرطبي إلى هذا التدرج الحكيم، فقال: «قال ابن عباس رضي الله عنهما: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه فيها زادهم الصلاة، فلما صدقوه زادهم الزكاة، فلما صدقوه زادهم الصيام، فلما صدقوه زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم) 68.

ويدل على ذلك أيضًا حديث ابن عباس رضي الله عنهما حيث يقول: (لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى نحو أهل اليمن، قال له:(إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحّدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من غنيهم فتردّ على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوقّ كرائم أموال الناس) 69، فقرر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث التدرج في الدعوة إلى هذه الأركان، والبدء بالأهم فالمهم، وإلى هذا يشير النووي بقوله: «ولأنه صلى الله عليه وسلم رتّب ذلك في الدعاء إلى الإسلام وبدأ بالأهم؛ ألا تراه بدأ بالصلاة قبل الزكاة» 70، فدل على أهمية مراعاة التدرج في الدعوة والتعليم، والبدء بالأهم فالأهم 71.

وكما تدرج الشارع في الدعوة إلى أركان الإسلام مراعيًا بالبدء بالأهم ثم المهم؛ فقد راعى هذا الجانب في الدعوة إلى أخلاق الإسلام؛ حيث ابتدأ بالدعوة إلى أصول الأخلاق من الصدق والعدل وأداء الأمانة والعفة 72 مراعيًا في ذلك جانب التدرج في الوجوب والعلو 73 حيث حاجة الفرد إليها أمس، وأداؤها عليه أوجب، وقد جاءت الأدلة تؤكد اهتمامه صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب في عهد مبكّر من دعوته، من ذلك ما رواه البخاري عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره: «أن هرقل أرسل إليه، فقال: فما يأمركم؟ يعني: النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة» 74، فدل هذا على أن هذه حاله صلى الله عليه وسلم مع الناس في ابتداء دعوته» 75.

يؤيد هذا حديث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مع النجاشي، وفيه قوله: (فأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ... ) 76، فلما هاجر صلى الله عليه وسلم وطبّق المسلمون الإسلام، وامتد ميدان الدعوة، واتسعت البيئة أصّل الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى ركائز أخرى في أخلاق المسلم من التآخي والتراحم والتعاون وترك التباغض والتحاسد، حيث حاجة الأمة المسلمة إلى هذه الأخلاق أشد، ممتثلًا قول الله تعالى: نَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] .

وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ? وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ? أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات: 12] .

وكما كان صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على التخلّق بكماليات الأخلاق، فقد كان يحذّرهم من الأخلاق السيئة التي تفضي بهم إلى التشبه بالمنافقين، والتخلّق بأخلاقهم 77، ويستفاد من هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان يركّز في هذا العهد على الدعوة إلى كماليات الأخلاق التي فيها خير وصلاح للأمة الإسلامية 78.

وكذلك من التدرج البدء بالأيسر قبل الأثقل والأصعب، فالحانث مثلًا في اليمين مخيّر في الإطعام أو الكسوة أو العتق، وبدأ الله تعالى عباده بالأيسر فالأيسر.

قال تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ? ذَ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ? [المائدة: 89] .

قال الفخر: «وبدأ سبحانه بالإطعام لأنه أعمّ وجودًا، والمقصود منه التنبيه على أنه سبحانه يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف» 79.

وكذلك في حالة الدفاع عن النفس، فقد قال أهل العلم: «الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر، وليس له أن يقصد القتل، بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك» .

وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها: (ما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه) 80.

قال النووي: «فيه استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق، ما لم يكن حرامًا، أو مكروهًا، قال القاضي: ويحتمل أن يكون تخييره صلى الله عليه وسلم هنا من الله تعالى فيخيّره فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال، وأخذ الجزية، أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة أو الاقتصار، وكان يختار الأيسر في كل هذا» 81.

ثانيًا: مراعاة حال المخاطبين:

من ضوابط التدرج ودواعيه مراعاة حال المخاطب، ومستوى فهمه، واستيعابه للأمور، فإن من الناس من يكون حي القلب، تام الفطرة، ومنهم من يكون عكس ذلك.

وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (ما أنت بمحدّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) 82.

وفي صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه قال: (حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله؟) 83، وقوله: «بما يعرفون» أي: بما يفهمون، قال الحافظ: «وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له، عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: ودعوا ما ينكرون، أي: ما يشتبه عليهم فهمه، قال: وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة» 84.

وممن رأى التحديث ببعض دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة في الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة.

قال الشيخ ابن عثيمين: «ولهذا كان من الحكمة في الدعوة ألا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه، بل تدعوهم رويدًا رويدًا حتى تستقر عقولهم، وليس معنى: «بما يعرفون» أي: بما يعرفونه من قبل؛ لأن الذي يعرفونه من قبل يكون التحديث به من تحصيل الحاصل ... فإن قيل: هل ندع الحديث بما لا تبلغه عقول الناس وإن كانوا محتاجين لذلك؟

أجيب: لا ندعه، ولكن نحدّثهم بطريقة تبلغه عقولهم؛ وذلك بأن ننقلهم رويدًا رويدًا حتى يتقبّلوا هذا الحديث، ويطمئنوا إليه، ولا ندع ما لا تبلغه عقولهم، ويقال: هذا شيء مستنكر لا نتكلم به.

ومثل ذلك: العمل بالسنّة التي لا يعتادها الناس ويستنكرونها، فإننا نعمل بها، ولكن بعد أن نخبرهم بها، حتى تقبلها نفوسهم، ويطمئنوا إليها، ويستفاد من هذا الأثر: أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل، وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوين، وينزّل كلّ إنسانٍ منزلته» 85.

فالحاصل أن طالب العلم والواعظ والمعلم يجب عليه أن يراعي أحوال الحاضرين وأحوال الناس، ويعطيهم ما يحتاجون إليه من المسائل، ولا يلقي عليهم المسائل الغريبة التي لم يتوصلوا إليها، فلو أتيت عند طلبة علم مبتدئين، فلا تلق عليهم غرائب المسائل التي لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، بل تعلّمهم مبادئ ميسّرة سهلة يتدرّجون بها شيئًا فشيئًا.

ولهذا لما سئل صلى الله عليه وسلم عن الهلال: لم يبدو دقيقًا، ثم يزيد حتى يمتلئ نورًا -أي: يصير بدرًا- ثم يعود دقيقًا كما كان؟! نزل القرآن منبهًا إلى فائدة، دون الإجابة عن الحقيقة العلمية مع أنها محطّ السؤال، قال عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ? قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ? [البقرة: 189] .

والله سبحانه وتعالى وهو خالق الكون علويّه وسفليّه ومدبّره، والعليم بكل أسراره، كان يعلم الحقيقة العلمية ولا ريب، وكان من الممكن اليسير أن يعلّمها لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ ليجيب بها، أو لعله أعلمه بها، ولكن جاء القرآن على هذا الأسلوب الحكيم، بالتنبيه إلى الفائدة والغاية من هذا؛ رحمة بالناس، ورفقًا بعقولهم، فليست كل العقول كانت متهيئة في هذا الزمن البعيد لتقبّل الحقيقة العلمية، وقد يكون لبعضهم فتنة، فمن ثمّ ترك ذلك إلى العقول؛ لتصل إلى الحقيقة بعلمها وجدّها وبحثها، والعالم في تقدّمه مدين لهذا المنهج القرآني، فهو الذي فتح للبشرية آفاق العلم، والمعرفة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس على قدر عقولهم، واستعداداتهم، وله في ذلك السياسة الحكيمة، والتوجيهات الرشيدة 86.

ومن هنا نستطيع أن نفهم السر في هذه الإجابة التي جاء بها القرآن الكريم للسائلين عن أوجه القمر بصرفهم عن السؤال ولفت أنظارهم إلى فوائد ذلك ومزاياه ... (ومنها) : أن القرآن الكريم لو عرض لبيان هذه الشئون كلها، واستوعب حقائقها وتفصيلاتها لصعب على الناس حفظه، ولمضت الأزمان الطويلة دون استيعابه نزولًا أو معرفة، ولنسي الناس هديه وإرشاده، فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا، ولقد يسّره الله تعالى وسهّله؛ ليكون ذلك أدعى إلى تذكّره، وأقرب للوصول إلى مقاصده، والعمل بما فيه: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 17] .

وهذه من بعض الحكم التي من أجلها لم يتناول القرآن الكريم حقائق العلوم الكونية بالتفصيل والتوضيح، وترك ذلك للعقل البشري يرقى إليه ببحثه المتواصل، ويتذوق لذة معرفته بكفاحه وجهاده، وهناك حكم أخرى لا نطيل القول فيها، وحسبك من القلادة ما أحاط بالجيد، والكلام في أسرار كتاب الله ذو سعة.

ومن ذلك: أن القرآن الكريم جاء بهذه الظواهر واستعرضها وعرضها على الناس في كثير من المواضع لغرض واحد؛ هو العبرة والعظة، ولفت العقل والقلب إلى ما فيها من جمال وروعة ورقة، وإعجاز وإبداع لا يكون إلا عن صانع حكيم 87.

والمقصود أن التدرج ومراعاة أحوال المخاطبين ونفسياتهم وأفهامهم، وبخاصة أن الناس مختلفون، فيراعى في أهل الريف محدودية ثقافتهم، وضعف مستواهم التعليمي، مما يجعل الداعية يستخدم من العبارات ما يتناسب مع قدراتهم الذهنية، وأيضًا فالمتعلمون أنفسهم تتفاوت درجاتهم، فالمتعلم في رحاب جامعة أكاديمية يختلف عن المتعلم في رحاب وسيلة من وسائل الإعلام الأخرى، فالأول لا يخشى عليه عند عرض المادة العلمية من اختلاف المختلفين؛ إذ إنه يعلم عند التعارض والاختلاف كيف يكون الجمع أو الترجيح؟

ولهذا لا ينبغي أن يطرح على العوام بعض أحاديث الصفات-كحديث الصورة- التي لا تصل إليها أفهامهم، أو بعض شبهات المبتدعة والكافرين، أو بعض النصوص التي قد تبدو للجاهل وبادي الرأي متعارضة، أو بعض مسائل الاختلاف، أو الحديث عن مسائل القضاء والقدر، وأطفال المشركين، ووالدي الرسول، ونحو ذلك من المسائل التي قد تكون فتنة للجاهل والعامي؛ ولأجل هذا جاء النهي عن كثير من السلف عن الأغلوطات والمسائل المشكلة، وقد ترجم لهذا المعنى البخاري في صحيحه، فقال: «باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا» 88 89.

فليعلم الداعية إلى الله أن مفاجأة الناس بالسنّة التي يجهلونها، والإنكار عليهم بما يفعلونه؛ قد يسبّب بغضًا للسنّة وأهلها من قبلهم، وهو ما يصنع الحواجز بين الدعاة وبعض الناس في تعليمهم وتبيين السنّة لهم، ولا يعني هذا ترك نصحهم، وإنما المراد التدرج في دعوتهم.

ثالثًا: القدرة:

التدرج في تطبيق الشريعة المحكمة هو التدرج المبني أو المرتبط بالقدرة والعجز، فما قدرنا عليه وجب فعله، وما عجزنا عنه فلا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها، ومن المعلوم وجوب امتثال المكلف لأمر الله عز وجل قدر استطاعته، وأن من قدر على فعل المأمور، وترك المحظور لم يسعه المخالفة.

فالتدرج يكون حسب قدرة المكلّف، والله تعالى قد قيّد التكليف بالقدرة والاستطاعة، والوسع والطاقة، فلا تكلّف نفس إلا وسعها، وقد قرّر الله سبحانه وتعالى ذلك المبدأ في كثير من الآيات، فقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] .

وقال: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ? [البقرة: 286] .

والحجة تقوم على الإنسان، ويجب عليه العمل إذا كان مستطيعًا له، عالمًا به، يقول الإمام ابن تيمية: «والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به» 90.

فإذا عجز المكلّف عن فعل الأثقل، تدرّج به إلى ما هو دونه، وأسهل منه، مع الأخذ في الاعتبار أن العجز نوعان:

-حسي.

-ومعنوي.

فمن صور العجز الحسي: المرض والكبر وغيرهما.

ومن صور العجز المعنوي: ترتب مفاسد أكبر من المصلحة التي تم تحصيلها بإقامة الشرع، وقد قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] .

ولا يجوز تغيير المنكر بمنكر أعظم منه، فإذا ترتب على فعل المعروف أو النهي عن المنكر ما هو أشد منه فسادًا في عرف الشرع كان المكلف في حكم العاجز في هذه الحالة.

ومن هذا الباب امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن هدم الكعبة وبنائها بناءً صحيحًا خشية الفتنة، وأن يرتد الناس عن الإسلام، فهذا من أدلة العجز المعنوي، رغم كونه كان فاتحًا لمكة، ومع ذلك امتنع عن تطبيق بعض المعروف لما ذكرنا.

ومن هذا امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل بعض المنافقين خشية من الضجيج الإعلامي الذي قد يشوّه صورة الإسلام عند من لا يعرف حقيقته، فيصد عن الدخول فيه؛ إذ سينتشر الخبر في الشام والعراق وغيرها أن محمدًا يقتل أصحابه 91.

وليس من التدرج في شيء: الامتناع عن تطبيق ما قدرت عليه، أو ما ترتب عليه مفسدة أقل من المصلحة المترتبة على الفعل، فقد دل الشرع على إهدار بعض المفاسد، وعدم اعتبارها، قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة: 28] .

ونقل القرطبي الإجماع على أن اللوم والتوبيخ من الفاسق لا يعدّ من الإكراه الذي يسقط وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر 92.

وليس من التدرج في شيء: الوقوع في الحرام، أو التوسع فيه وتكثيره أو إقراره! قال ابن رجب: «والتحقيق في هذا أن الله لا يكلّف العباد من الأعمال ما لا طاقة لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرًا من الأعمال بمجرد المشقة رخصة عليهم، ورحمة لهم، وأما المناهي فلم يعذر أحد بارتكابها بقوة الداعي والشهوات، بل كلّفهم تركها على كل حال، وأن ما أباح أن يتناول من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة، لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما قاله الإمام أحمد: «إن النهي أشد من الأمر» ، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- من حديث ثوبان وغيره أنه قال: (استقيموا ولن تحصوا) 93 يعني: لن تقدروا على الاستقامة كلها» 94.

والحاصل: أنه ينبغي الالتزام بهذه الضوابط عند الأخذ بالتدرج، وإلا تحوّل التدرج في تطبيق الشريعة إلى شعار يؤدي لتفريغ الشريعة من مضمونها.

رابعًا: ما لا يجوز التدرج فيه:

التدرج بصفته منهجًا ربانيًّا تشريعيًّا لا يمكن أن يؤخذ على إطلاقه، بدون ضوابط ولا قيود، بل لابد من معرفة ضوابطه، وما يجوز فيه التدرج وما لا يجوز، ومما لا يدخل فيه التدرج ما يلي:

1.أصول العقيدة.

إن عقيدة المسلم تقوم على الإيمان بالله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وهي تتعلق بالفكر والقلب، وهي أمور نظرية، فلا تخضع للتدرج؛ لأنها جازمة باتة، ولا تقبل المساومة، ولا التجزؤ، ولا المهادنة في إعلانها رسميًّا، والنطق بها أمام العالم في الداخل والخارج، وهي في الغالب أمور فردية وشخصية، ولا علاقة لها بالتنظيم والتقنين والتشريع.

وهذا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أول البعثة، وعند تبليغ الدعوة، وهو ما سار عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم 95.

2.التدرج في الشريع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

إن الأحكام الشرعية الأساسية تثبت بالنصوص القاطعة، وتواتر النقل فيها تواترًا حقيقيًّا أو معنويًّا، واستقر العمل عليها بالقبول، وأصبحت مسلمات في الدين، فلا تحتاج إلى دليل كأركان الإسلام، وأصول المباحثات والعقود، وكبائر المنهيات والمحرمات، فهذه الأحكام لا تقبل التدرج أيضًا كأمور العقيدة؛ لأنها ثوابت الشرع التي يقوم عليها، وتحدد الإطار العام للشريعة، ومقاصد التشريع، وإن المساس بها يخل بالموازين والأسس التي يقوم عليها المجتمع 96.

فالأمور المحرمة قطعًا والثابتة في النصوص كالزنا والربا والخمر لا يمكن التدرج بها بإقرارها وإباحتها مبدئيًّا، ثم التدرج في إبطالها؛ لأنها تدخل ضمن المعلوم من الدين بالضرورة؛ لذلك يجب الإعلان عنها، والتصريح بتحريمها؛ ولكن يمكن التدرج في تعليم الناس، فيسكت عن بعضها إلى حين تمكن الإيمان من القلب وتعلم الأهم فالمهم.

-شرع الله سبحانه وتعالى التدرج لحكم عظيمة، ومقاصد جليلة، منها:

أولًا: تهيئة النفوس لتقبل التكاليف:

سلك الشرع أسلوب التدرج؛ لترويض النفوس على تقبّل أحكام الله، فلم تفرض التكاليف كلها مرة واحدة، ولم تفرض بشكلها النهائي دفعة واحدة، بل تدرج بهم شيئًا فشيئًا.

فمثلًا: نجد أن الصلاة شرعت في أول الأمر صلاتين فقط، صلاة في الغداة، وصلاة في العشي، واستمر المسلمون على ذلك في مكة حتى نهاية العام العاشر للبعثة، ووقع الإسراء والمعراج وفرض الله خمس صلوات على المسلمين، وكانت صلاة الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين، فأقرّت في السفر، وزيدت في الحضر إلى أربع، كما سبق بيان ذلك.

قال ابن القيم: «كان فرض الصلاة أولًا ركعتين ركعتين؛ لما كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يكونوا معتادين لها، ولا ألفتها طباعهم وعقولهم فرضت عليهم بوصف التخفيف، فلما ذالت بها جوارحهم، وطوّعت بها أنفسهم، واطمأنت إليها قلوبهم، وباشرت نعيمها لذتها وطيبها، وذاقت حلاوة عبودية الله فيها، ولذة مناجاته، زيدت ضعفها، وأقرّت في السفر على الفرض الأول؛ لحاجة المسافر إلى التخفيف، ولمشقة السفر عليه، فتأمل كيف جاء كل حكم في وقته مطابقًا للمصلحة والحكمة! شاهدًا لله بأنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، الذي بهرت حكمته العقول والألباب، وبدا على صفحاتها بأن ما خالفها هو الباطل، وأنها هي عين المصلحة والصواب» 97.

وكانت الزكاة في أول الأمر اختيارية، وكان المسلم يخرج ما شاء صدقة لله تعالى؛ لقوله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت