فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 2431

التغيير

المعنى اللغوي والاصطلاحي.

أولًا: المعنى اللغوي: مصدر غير، والمضارع منه يغير، وهو فعل متعدٍ. والتغير مصدر من تغير، وهو فعلٌ لازمٌ، والمضارع منه يتغير. جاء في اللسان: «وتغير الشيء عن حاله تحول، وغيره حوله وبدله كأنه جعله غير ما كان. وفي التنزيل العزيز {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] . قال ثعلب: معناه: حتى يبدلوا ما أمرهم الله» .... «والغير: تغير الحال وانتقالها من الصلاح إلى الفساد، والغير: الاسم من قولك: غيرت الشيء فتغير» 1. وورد في السنة النبوية: عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) .2

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن نطاق المعنى اللغوي بل يطابقه، قال أبو البقاء: والتغيير: عبارة عن تبديل صفة إلى صفة أخرى، مثل: تغيير الأحمر إلى الأبيض. والتغيير إما في ذات الشيء أو جزئه أو الخارج عنه. ومن الأول: تغيير الليل والنهار، ومن الثاني: تغيير العناصر بتبديل صورها، ومن الثالث: تغيير الأفلاك بتبديل أوضاعها. والتحويل يتعدى ويلزم، والتغيير لا يكون إلا متعديًا.3

وقال الراغب: «والتغيير تبديل شيء بما يضاده، فقد يكون تبديل صورة جسم كما يقال: غيرت داري، ويكون تغيير حال وصفة، ومنه تغيير الشيب، أي: صباغه، وكأنه مشتق من الغير، وهو المخالف.4 وفرق الجرجاني بين التغيير والتغير، فقال: التغيير: هو إحداث شيء لم يكن قبله، والتغير: هو انتقال الشيء من حالة إلى حالة أخرى. 5

وردت مادة (غير) في القرآن الكريم (6) مرات فقط 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 5 ... {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11]

اسم فاعل ... 15 ... {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ} [الأنفال:53]

وجاءت صيغ (غير) -المضعف- في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: التحويل والتبديل 7.

قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ} [الأنفال:53] . معناه: حتى يبدلوا ما أمرهم الله.

الإصلاح:

الإصلاح لغة:

خلاف الإفساد 8.

الإصلاح اصطلاحًا:

التغيير إلى استقامة الحال 9.

وقيل: هو «إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من الفساد» 10.

الصلة بين التغيير والإصلاح

التغيير قد يكون للحسن وقد يكون للسيء، أما الإصلاح فلا يكون إلا من فسادٍ أو خلل فهو تغيير للخير وللأحسن. والإصلاح يشمل التغيير للأحسن بوجه عام أو الإصلاح بين متخاصمين.

التبديل:

التبديل لغة:

تبديل الشيء تغييره وإن لم تأت ببدل. واستبدل الشيء بغيره وتبدله به إذا أخذه مكانه والمبادلة التبادل 11.

والتبديل: التغيير والعين قائمةٌ. ويقال: بدلٌ وبدلٌ وبديل. والإبدال: أن تأتي بالبدل 12.

التبديل اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، وهو: تغيير الشيء عن حاله.

الصلة بين التغيير والتبديل

قال أبو حيان: «التغيير قد يكون بإزالة الذات، وقد يكون بإزالة الصفات، فقد تكون النعمة أذهبت رأسًا، وقد تكون قللت وأضعفت» 13.

قال الفراء: التبديل تغيير الشيء عن حاله، والإبدال جعل الشيء مكان الشيء 14.

وجاء في لسان العرب: «والأصل في التبديل تغيير الشيء عن حاله، والأصل في الإبدال جعل شيء مكان شيء آخر» 15، وقيل: هما بمعنى.

التغيير في الأشياء يقع مع بقاء أصلها، وفي الأحوال تقلبها وتبدلها إلى أحوال أخرى، ولكن تبديل الأشياء يستلزم تحويلها إلى غيرها.

الإفساد:

الإفساد لغة:

هو ضد الإصلاح 16.

الإفساد اصطلاحًا:

هو جعل الشيء فاسدًا خارجًا عما ينبغي أن يكون عليه وعن كونه منتفعًا به. وفي الحقيقة هو إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح 17.

الصلة بين التغيير والإفساد:

الفساد من أسباب التغيير، فالتغيير قد يكون للأصلح، وقد يكون للفساد أو للأفسد.

التغيير سنة من سنن الله في الكون، وسنة اجتماعية نلمسها في عالمنا، وكل تغيير يطرأ على هذا الكون إنما هو بإرادة الله تعالى وتدبيره.

أولا: التغيير سنة كونية:

التغيير سنة من سنن هذا الكون، كما أن الثبات من سننه، إذ تدل حركة الأجرام العلوية على ثبات ودقة وانتظام، فالشمس لا تتخلف عن موعدها طرفة عين، والقمر له دورته الثابتة لا يتخلف عنها، ومنازله فلا يبرح فلكه {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) } [يس: 40] ، والنجوم تتراءى في مواقعها وكأنها ثابتة، {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) } [الواقعة: 75]

سنة مطردة في هذا الكون كما أن الثبات سنة مطردة، تشرق الشمس في الصباح فتملأ الدنيا نورًا ودفئًا، ثم تغرب في المساء فيحل الظلام، والليل والنهار يتعاقبان، {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) } [الإسراء: 12] ، وفصول السنة متتابعة، لا ينتهي فصلٌ إلا ويسلم لفصلٍ، فهذا فصلٌ باردٌ ممطرٌ وذاك معتدلٌ تهب فيه الرياح، فتثير الغبار وتلقح الأزهار، وتذوب الثلوج، وتنحدر من المرتفعات وتكسو الخضرة البراري والقفار وتجري الجداول في الحقول والبساتين، وهذا فصل الصيف حارٌ رطبٌ أو جاف، تورف فيه الظلال وتنضج الثمار، وذاك فصل الخريف يابس معتدل، تتساقط فيه الأوراق وتجفف الفواكه والحبوب، في تنوعٍ رائعٍ، ولولا هذا التغيير لما استقامت الحياة ولما تحققت المنافع للإنسان.

قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) } [آل عمران: 26 - 27]

قال الشيخ رشيد رضا: «أيْ: إنك بحكْمتك في تدْبير الأرْض وتكْويرها وجعْل الشمْس بحسْبانٍ تزيد في أحد الْجديديْن ما يكون سببًا لنقْص الْآخر، فلا ينْكر على قدْرتك وحكْمتك أنْ تؤْتي النبوة والْملْك منْ تشاء كمحمدٍ وأمته، وتنْزعهما ممنْ تشاء كبني إسْرائيل، فإنك تتصرف في شئون الناس كما تتصرف في الليْل والنهار 18.

وفي عالم النبات نرى صورًا ومشاهد للتغيير التدريجي، تبدأ النبتة ضعيفة لينة، ثم تشتد وتمتد أغصانها، ثم تزهر وتثمر، ويصفر النبات ويذبل ويجف في دورة عجيبة، قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) } [الكهف:45] .

والتغير الكوني يقابله تغيرٌ في حياة البشر بتقلب الأحوال وتبدل الزمان وتداول الأمم، تأمل في قوله تعالى {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) } [الحج: 60 - 63] ، فنجد الترابط بين السنن الاجتماعية الإنسانية: سنة النصر والتمكين وبين السنن المادية الكونية سنة تعاقب الليل والنهار وتداخلهما يطول هذا ويقصر هذا في اختلاف عجيب.

قال صاحب التحرير والتنوير: «والمناسبة الرابطة بين نصر الله من بغي عليه فصبر، وإيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، هي الإيماء إلى تقلب أحوال الزمان؛ فقد يصير المغلوب غالبًا، ويصير ذلك الغالب مغلوبًا، فإن النصر يقتضي تغليب أحد الضدين على ضده، وإقحام الجيش في الجيش الآخر في الملحمة، فضرب له مثلًا بتغليب مدة النهار على مدة الليل في بعض السنة، وتغليب مدة الليل على مدة النهار في بعضها، والحاصل أنه لا عجب في النصر الموعود به المسلمون على الكافرين مع قلة المسلمين، فإن القادر على تغليب النهار على الليل حينًا بعد أن كان أمرها على العكس حينًا آخر قادر على تغليب الضعيف على القوي.

ويقول سيد قطب -رحمه الله- عن المناسبة بين الآيتين: والسياق يوجه النظر إلى تلك الظاهرة الكونية المكررة حتى لا يمر الناس عليها غافلين، ليفتح بصائرهم ومشاعرهم على يد القدرة، وهي تطوي النهار من جانب وتسدل الليل من جانب، وهي تطوي الليل من جانب وتنشر النهار من جانب في دقة عجيبة لا تختل، وفي اطراد عجيب لا يتخلف، وكذلك نصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يدفع عن نفسه العدوان، إنه سنة مطردة كسنة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، فكذلك يزوي الله سلطان المتجبرين وينشر سلطان العادلين، فهي سنة كونية، تلك السنة يمر عليها الناس غافلين، كما يمرون على دلائل القدرة في صفحة الكون وهم لا يشعرون 19.

إن كل شيء في حياتنا عرضةٌ للتغير المستمر وعلى الدوام، فكل يوم في حياتنا هو يوم جديد، وكل لحظة تمثل حدثًا مستجدًا في العمر، وعلى حد تعبير الفيلسوف اليوناني ـ قليطس ـ فإن المرء لا يستحم في النهر مرتين، لأن النهر يتغير بجريان الماء فيه، مثلما يتغير الشخص فور إحساسه أو ملامسته لماء النهر، ورغم دقة هذه الملاحظة وصدقها الواقعي فإننا نميل في العادة إلى إسباغ طابع الثبات والديمومة، ولو لفترات محددة على أنفسنا وعلى ما حولنا، ورغم ما يحدث من وجوه التغير سواء كانت طفيفة أو كبيرة، فإننا نظل نعتقد أن للنهر شكلا ثابتًا. وأن للإنسان ولشخصيته ملامح تبقى على حالها دون تغيير 20.

وتلك سمة الكون والإنسان: الجمع بين التغير والثبات.

ثانيًا: التغيير سنة اجتماعية:

1.الإنذار بالتغيير.

قال تعالى {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) }

لما ذكر تعالى استعجال كفار قريشٍ للعذاب وحلول النقم على ما هم عليه من إمهالٍ ونعمٍ وخفض عيشٍ، بين تعالى أن من سنته العادلة أن لا يغير ما بقوم من عيش رغيدٍ وأمنٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم بالكفر والعصيان والتمرد والجحود، وفي هذا وعيدٌ لكفار قريش، وقد حل بهم أمر الله، كما في غزوة بدرٍ حيث قتل صناديدهم وأسر أكابرهم.

قال الرازي: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} «كلام جميع المفسرين يدل أن المراد: لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال الانتقام» 21.

ولكن يسْتفاد بمفهوم المخالفة أن الله لا يغير ما بقوم من سوء أو بلاء إلا إذا غيروا ما بأنفسهم فاستحقوا رفع البلاء وتبدل الحال السيئة إلى حالة حسنة.

2.التغيير حقيقة ماثلة.

قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) } [الأنفال:53] ، فأسند التغيير لله تعالى بصيغة اسم الفاعل (مغير) . وقد نزلت هذه الآية بعد غزوة بدر، حيث هزمت قريشٌ، وقتل سبعون أغلبهم من رؤوس الكفر، فبدل الله حالهم من عزةٍ ومنعةٍ، إلى قتلٍ وأسرٍ وخزيٍ، فكان شأنهم كشأن آل فرعون الذين عاقبهم الله تعالى أشد العقاب بكفرهم وتكذيبهم، قال الطبري: «إن الله لا يغير ما بقوم من عافية، ونعمة، فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم، حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك، بظلم بعضهم بعضًا، واعتداء بعضهم على بعض، فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره» 22.

وقد استحقت قريش العقوبة بتبدل حالهم وهزيمتهم ومقتل صناديدهم في غزوة بدر لما بدلوا نعمة الله كفرا، حيث اضطهدوا النبي ومن آمن معه وأخرجوهم من ديارهم فغير الله حالهم.

وقال أبو حيان: «وظاهر النعمة أنه يراد بها ما يكونون فيه من سعة الحال والرفاهية والعزة والأمن والخصب وكثرة الأولاد، والتغيير قد يكون بإزالة الذات، وقد يكون بإزالة الصفات، فقد تكون النعمة أذهبت رأسًا، وقد تكون قللتْ وأضعفت ... والظاهر من قوله: {عَلَى قَوْمٍ} العموم في كل من أنعم الله عليه من مسلم وكافر، وبرٍ وفاجر، وأنه تعالى متى أنعم على أحدٍ فلم يشكر، بدله عنها بالنقمة» 23.

وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن تمام عدله، وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد:11] ، وقوله {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} أي: كصنعه بآل فرعون وأمثالهم حين كذبوا بآياته، أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم من جنات وعيون، وزروع وكنوز ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك، بل كانوا هم الظالمين 24.

مقارنة بين الآيتين:

-الآية الأولى من سورة الرعد مكية نزلت وقريشٌ في عنفوان غرورها وأوج قوتها، وهي تستعجل العذاب تهكما وسخريةً وعنادًا واستبعادًا، فكانت وعيدًا لهم، وإنذارًا مبكرًا لعلهم يرجعون عن مكابرتهم وجحودهم، بينما الآية الثانية من سورة الأنفال مدنية، نزلت إثر غزوة بدرٍ حيث تمرغت أنوف صناديد الكفر في رمال بدرٍ، وقصم الله رؤوس الشرك وجبابرة الطغيان، كأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة وغيرهم من الجبابرة المكابرين، وقرن الله حالهم بحال قوم فرعون الذين طغوا وبغوا واتبعوا أمر فرعون، فساقهم إلى الهلاك والبوار. وتلك سنة الله تعالى في التغيير، تدل على عدله تعالى وحكمته.

-التغيير سنة من سنن الله تعالى، وقد اقترن في آية الرعد بسنن الله الكونية والإنسانية وآياته الملموسة، وفي سورة الأنفال ارتبط بآيةٍ إلهية: هزيمة قريش أمام المسلمين وربطها بهلاك آل فرعون.

-الآية الأولى مؤكدة بإن، وقد ارتبطت بآية واقعية هي حفظ الله للعبد في يقظته ونومه في سائر أحواله وأوقاته، وحفظ الله لنا أمرٌ مسلمٌ، وكم لله من ألطافٍ! وهنا ربطٌ بين حفظ الله لنا تلك الحقيقة المستيقنة، وبين سنة الله في التغيير، فالذي حفظ الخلق وثبتهم على حالٍ قادر على تغيير الأحوال وتبديل الأمور. والآية الثانية أيضًا جاءت مؤكدة بإن، والإشارة لما وقع لقريش يوم بدرٍ من عقوبةٍ وتبدل حالٍ، وأنه بعدل الله تعالى.

-في آية الرعد (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ) ، وفي الأنفال (ذلك بأن الله لم يك مغيرًا) الأولى بالفعل المضارع المنفي، والثانية باسم الفاعل، ودلت الآيتان على أن التغيير سنة مطردة متكررة عبر العصور. الأولى: بيانٌ لكونها ثابتةً جارية، والثانية: بيان لكونها واقعة ماضية.

-في آية الرعد (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ) ، وفي الأنفال (ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمةً أنعمها على قوم) فمفعول التغيير في الأولى (مَا بِقَوْمٍ) أي: الذي بهم، حالهم، والثاني النعمة، يعني: تبديلها لنقمة ومحنة.

-التغيير في الآيتين من الله تعالى فالذي يغير هو الله تعالى.

-سبب التغيير في الآيتين هو تغيير ما بالأنفس، فالتغيير من جهة الله تعالى مقرون بالتغيير من جهة الأنفس، لا من جهة خارجة عنها، فلن يحاسب الإنسان على أخطاء غيره ما لم يرتضها أو يسكت عنها، والتغيير الإيجابي لا بد أن ينبع من النفس لا من الغير.

-التغيير منه ما هو إيجابي، ومنه ما هو سلبي، فقد يكون التغيير للأفضل، وقد يكون للأسوأ، ولكل عوامله ونتائجه، وفي هذا المبحث يدور الحديث حول أنواع التغيير المحمود والمذموم.

أولًا: التغيير المحمود:

تغيير الأنفس إلى الأحسن إنما يكون بتزكيتها، أي: تطهيرها والارتقاء بها وتنميتها، قال تعالى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ?7? فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ?8? قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) [الشمس:7 - 9] .

قال مالك بن دينار: «رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدًا» 25.

وقال الحسن البصري رحمه الله: «رحم الله امرءًا عرض نفسه وعمله على كتاب الله؛ فإن وافق كتاب الله حمد الله وسأله المزيد، وإن خالف أعتب نفسه ورجع من قريب» 26.

إن شأن من اختار لنفسه طريق التغيير للأحسن فسعى لتزكيتها، بتطهيرها من الآفات وتنميتها بالخيرات، كالفلاح يحرث الأرض وينقيها من الأعشاب الضارة بالنبات، ويسويها ويهيئها ثم يدفن البذور ويغرس الفسائل، ثم يروي الأرض ويتعهد النباتات فلا يغفل عن رعايتها وحفظها من الآفات، كذلك النفس البشرية تحتاج لتخلية ثم تحلية ثم تنقية ثم تنمية.

قال تعالى: (لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقومَ فيهِ فيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أَن يَتَطَهَّروا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرينَ) [التوبة:108] ، فإن حب التطهر نابعٌ من إرادة التغيير للأحسن والأصلح، وتزكية النفس طهرٌ ونماءٌ، وتخليةٌ وتحليةٌ وارتقاءٌ.

وتغيير الأنفس هو أساس كل تغيير، فالفرد لبنةٌ من لبنات المجتمع، بصلاحه واستقامته صلاح المجتمع ونهوضه، ولذا جاء التعبير القرآني (حتى يغيروا ما بأنفسهم) فلن يتحقق تغيير المجتمعات بدون تغيير الأنفس، وتغيير ما بالأنفس يعني: إصلاحها وتهذيبها وتقويمها، إنها رحلةٌ في أعماق النفس وغوص في مكنونها من أجل إصلاحها وتقويم سلوكها، وسبر أغوارها لتصحيح مسارها؛ كالطبيب الذي يوغل بمبضعه في جسم الإنسان، فيعالج ما استعصى من مرضٍ وما عضل من داء.

قال الأستاذ جودت سعيد: «وكذلك من المفارقات أن نتطلع بشوق إلى تغيير الواقع دون أن يخطر في بالنا أن ذلك لن يتم إلا إذا حدث التغيير قبل ذلك بما في الأنفس، ونحن مطمئنون إلى ما بأنفسنا، ولا نشعر أن كثيرًا مما فيها هو الذي يعطي حق البقاء لهذا الواقع الذي نريد أن يزول. ونحن نشعر بثقل وطاته علينا، ولكن لا نشعر بمقدار ما يساهم ما في أنفسنا لدوامه واستمراره» 27.

قال الشوكاني: «ما بأنفسهم من الأحوال والأخلاق، بكفران نعم الله وغمط إحسانه وإهمال أوامره ونواهيه» 28.

والدعوة لتغيير النفوس بتزكيتها هي محور دعوات الأنبياء قال تعالى لموسى عليه السلام (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ?17? فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى ?18? وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَىٹ) [النازعات:17 - 19] ، فدعاه بترفق ولينٍ إلى تزكية النفس؛ فهي أساس كل إصلاح وتغيير، دعاه إلى أن يتطهر من الشرك ويتخلى عن الرذائل ويتحلى بالفضائل.

قال ابن كثير: «هلْ لك أنْ تجيب إلى طريقة ومسْلك تزكى به وتسْلم وتطيع» 29.

وقال السعدي: «هل لك في خصلة حميدة، ومحمدة جميلة، يتنافس فيها أولو الألباب، وهي أن تزكي نفسك وتطهرها من دنس الكفر والطغيان، إلى الإيمان والعمل الصالح؟ 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت