يقول أبو الطيب القنوجي: «أي: يجعلون في أموالهم، ويوجبون على أنفسهم حقًّا للسائل والمحروم؛ تقرّبًا إلى الله عز وجل بمقتضى الكرم، يصلون بها الأرحام والفقراء والمساكين، وقال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا الزكاة المفروضة، والأول أولى، فتحمل على صدقة النفل، وصلة الرحم، وقري الضيف؛ لأن السورة مكية، والزكاة لم تفرض إلا بالمدينة» 59.
ومن أمثلة ذلك قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25] .
قال ابن كثير: «أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات» 60.
وقد حث القرآن الكريم على وجوب إعطاء أصحاب الحقوق من الصدقات حقوقهم، فقال سبحانه وتعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الإسراء: 26] .
توصي الآية بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما، وأن يؤتوا حقهم، وحقهم إذا كانوا محارم كالأبوين والولد، وفقراء عاجزين عن الكسب، وكان الرجل موسرًا أن ينفق عليهم عند أبي حنيفة، والشافعي لا يرى النفقة إلا على الولد والوالدين فحسب، وإن كانوا مياسير، أو لم يكونوا محارم، كأبناء العم، فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة، وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء، والمعاضدة ونحو ذلك، {وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} يعني: وآت هؤلاء حقهم من الزكاة، وهذا دليل على أن المراد بما يؤتي ذوي القرابة من الحق، هو تعهدهم بالمال 61.
كما قرن القرآن الكريم لفظ الحق بالوصية لمن لا يرث، وذلك عند قوله سبحانه وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] .
قال الطبري: « {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} فرض عليكم أيها المؤمنون {الْوَصِيَّةُ} إذا حضر أحدكم الموت {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} والخير: المال، {لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} الذين لا يرثونه {بِالْمَعْرُوفِ} وهو ما أذن الله فيه، وأجازه في الوصية مما لم يجاوز الثلث، ولم يتعمد الموصي ظلم ورثته {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} يعني بذلك: فرض عليكم هذا وأوجبه، وجعله حقًّا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به» 62.
كما بينت الآيات القرآنية أن زكاة الزروع حق يجب إخراجه، قال سبحانه وتعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .
أي: وآتوا الحق المعلوم فيما ذكر من الزرع وغيره، لمستحقيه من ذوي القربى واليتامى والمساكين، زمن حصاده جملة، ويدخل في الحصاد جني العنب، وصرم النخل 63.
يتضح مما سبق أن القرآن الكريم اهتم بوجوب إخراج الزكاة بكافة أنواعها للمستحقين لها واعتبرها حقًّا يجب إيفاؤه.
ثالثًا: الحق في الحكم والقضاء بين الناس:
لا بد وأن يكون الحكم والقضاء بين الناس مقرونًا بالحق، الذي يتمثل بتنفيذ حكم الله سبحانه وتعالى، ولا يكون القضاء بالحق إلا من منطلق كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال عز وجل: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} [غافر: 20] .
يقول الزمخشري: «يعني: والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضي إلا بالحق والعدل؛ لاستغنائه عن الظلم» 64.
وقد حث القرآن الكريم على وجوب أن يكون القضاء والحكم بين الناس بالحق، ومن الأمثلة على ذلك قوله عز وجل: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] .
جاء هذا القول من رب العالمين لرسوله الكريم، دستورًا في القضاء بين الناس، والفصل في المنازعات التي تحدث بينهم، وهذا أمر يلتزم به ولي الأمر، القائم على القضاء بين المتخاصمين، فعليه أن يخلي نفسه من كل ما يندس إليها من مشاعر البغضة والعداوة للمذنب، الذي ينتظر جزاء ذنبه، وأنه إذا كان لولي الأمر أن ينكر المنكر، وأن يأخذ أهله بالقصاص، فإنه ليس له أن يكون خصمًا للمجرم المذنب وهو قاضيه والحاكم عليه؛ إذ لا يتفق أن يكون الإنسان خصمًا وحكمًا في وقت معًا 65.
ومن الآيات التي أكدت على وجوب اقتران الحكم بين الناس بالحق قوله عز وجل: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص: 26] .
يعني: بالعدل والإنصاف 66. ومن الأدلة أيضًا قوله عز وجل: {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} [ص: 22] .
أي احكم بما يطابق أمر الله، ولا تبعد عن الحق أو تجاوزه، {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} ، أي: بحيث لا تميل عن الحق أصلًا 67.
ونخلص مما سبق إلى وجوب الحكم والقضاء بما شرع الله سبحانه وتعالى، وعدم الميل عن الحق والصواب لأي سبب من الأسباب؛ لأن في ذلك وقوعًا في الخطأ الذي يؤدي إلى عدم إعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم.
رابعًا: ما أوجبه الله للناس من حق:
حافظ القرآن الكريم على حقوق العباد، فأوجب الله سبحانه وتعالى لهم حقوقًا كثيرة، أهمها حق الحياة، فالحياة منحة ربانية للإنسان وهي الحق الأول له، وبه تبدأ سائر الحقوق، وعند انتهائه تنعدم الحقوق، ويعتبر حق الحياة مكفولًا في الشريعة الإسلامية لكل إنسان، ويجب على سائر الأفراد أولًا، والمجتمع ثانيًا، حماية هذا الحق من كل اعتداء، قال سبحانه وتعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] .
فالاعتداء على حياة فرد من أفراد الأمة الإسلامية اعتداء على الأمة كلها؛ لذا وجب القصاص على الجاني ليكون عبرة للآخرين، ولحماية المجتمع المسلم من العدوان والطغيان بغير حق.
وقد اقترن لفظ الحق في وجوب عدم الاعتداء على الآخرين بالقتل ظلمًا وعدوانًا، قال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] .
قال الطبري: «يعني بالنفس التي حرم الله قتلها، نفس مؤمن أو معاهد، وقوله: {إِلَّا بِالْحَقِّ} ، يعني بما أباح قتلها به: من أن تقتل نفسًا فتُقتَل قَودًا بها، أو تزني وهي محصنة فتُرجم، أو ترتدُّ عن دينها الحق فتُقتَل، فذلك الحق الذي أباح الله جل ثناؤه قتل النفس التي حرم على المؤمنين قتلها به» 68.
ومن الآيات الدالة على اقتران لفظ الحق بوجوب عدم الاعتداء على النفس بغير حق قوله عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] .
والمعنى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها، وهي نفس الإنسان إلا بسبب الحق، فحرم قتلها إلا بالحق، وحقها ألا تقتل إلا بكفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قودًا بنفس 69.
ومن الآيات الدالة على اقتران لفظ الحق بعدم الاعتداء على النفس المؤمنة، قوله عز وجل: {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68] .
يقول سيد قطب: «والتحرج من قتل النفس إلا بالحق، مفترق الطريق بين الحياة الاجتماعية الآمنة المطمئنة، التي تحترم فيها الحياة الإنسانية، ويقام لها وزن، وحياة الغابات والكهوف التي لا يأمن فيها على نفسه أحد، ولا يطمئن إلى عمل أو بناء» 70.
يتبين لنا أن لفظ الحق اقترن بالآيات الدالة على وجوب الحفاظ على حياة المسلمين وعدم الاعتداء عليها بغير وجه حق، وهذا يدلل على مدى اهتمام القرآن الكريم بحياة هذا الإنسان؛ ليحيا سعيدًا في ظل ما كفل له الله سبحانه وتعالى من حقوق.
أثبت القرآن الكريم أن الأمثال القرآنية حق من عند الله سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] .
بيَّن سبحانه وتعالى أن الأمثال من حجته البالغة على عباده، وأنه لم يعذب أمة بتكذيبها إلا بعد أن بيَّن لها الأمثال.
قال عز وجل: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [إبراهيم: 44 - 45] .
وبيَّن سبحانه وتعالى أن الأمثال المضروبة في القرآن من أسباب الهداية، وأنه سبحانه وتعالى يهدي بها كثيرًا ممن تدبرها وانتفع بها، ويضل كثيرًا ممن أعرض عنها، فهي حق من عند الله سبحانه وتعالى.
وقد أثبت القرآن الكريم أن الأمثال القرآنية تتسم بأنها حق من عند الله سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] .
وفي تفسير الآية قال الزمخشري: «إلا أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد عنه، وبما هو أحسن معنى ومؤدى من سؤالهم، ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام، وضع موضع معناه، فقالوا: تفسير هذا الكلام: كيت وكيت، كما قيل: معناه كذا وكذا، أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة، يقولون: هلا كانت هذه صفتك وحالك، نحو: أن يقرن بك ملكٌ ينذر معك، أو يلقى إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل عليك القرآن جملة، إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن يعطاه، وما هو أحسن تكشيفًا لما بعثت عليه ودلالة على صحته.
يعني: أن تنزيله مفرقًا، وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق، كلما نزل شيء منها أدخل في الإعجاز، وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة، ويقال لهم: جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحة مع بعد ما بين طرفيه، قيل لهم: إن حاملكم على هذه التساؤلات، أنكم تضلون سبيله، وتحتقرون مكانه، ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف، وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم، لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه، وسبيلكم أضل من سبيله» 71.
وورد في التفسير الوسيط عند تفسير الآية: «المراد بالمثل: أقوالهم التي يلتمسون بها معارضة القرآن، والقدح في نبوته صلى الله عليه وسلم، ومن جملة هذه الأقوال ما حكى عنهم من اقتراحات خارجة عن حد المعقول، جارية لغرابتها مجرى الأمثال كقولهم: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 90 - 93] .
والمعنى: لا يأتونك بكلام عجيب هو مثل هذا البطلان {إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ} ، أي: بالجواب الثابت الذي لا محيد عنه، في مقابلة ما يصدر عنهم؛ محوًا لأباطيلهم، وقضاءً على أكاذيبهم التي أرادوا بها الطعن في رسالتك، وحسمًا لمادة القيل والقال التي دارت على ألسنتهم» 72.
واقترن لفظ الحق بالأمثال القرآنية مصرحة كانت أو كامنة؛ ومن الأمثال المصرحة التي اقترن بها لفظ الحق قوله سبحانه وتعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17] .
قال القرطبي: «ضرب مثلًا للحق والباطل، فشبه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء فإنه يضمحل، ويعلق بجنبات الأودية، وتدفعه الرياح، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل» 73.
ومن الأمثال القرآنية التي اقترنت بلفظ الحق مَثَل لم يشتمل على تشبيه ولا استعارة، وهو قوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 73، 74] .
قال الشوكاني: «يعني أن الكفار جعلوا لله مثلًا بعبادتهم غيره، فكأنه قال: جعلوا لي شبهًا في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه، وقال القتبي: إن المعنى: يا أيها الناس مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابًا، وإن سلبها شيئًا لم تستطع أن تستنقذه منه. قال النحاس: المعنى: ضرب الله عز وجل لما يعبدونه من دونه مثلًا، قال: وهذا من أحسن ما قيل فيه، أي: بيّن الله لكم شبهًا ولمعبودكم، وأصل المثل جملة من الكلام متلقاة بالرضا والقبول، مسيرة في الناس، مستغربة عندهم، وجعلوا مضربها مثلًا لموردها، ثم قد يستعيرونها للقصة، أو الحالة أو الصفة المستغربة؛ لكونها مماثلة لها في الغرابة، كهذه القصة المذكورة في هذه الآية، والمراد بما يدعونه من دون الله: الأصنام التي كانت حول الكعبة وغيرها، وقيل: المراد بهم: السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله؛ لكونهم أهل الحل والعقد فيهم، وقيل: الشياطين الذين حملوهم على معصية الله، والأول أوفق بالمقام، وأظهر في التمثيل، ثم بيَّن سبحانه وتعالى كمال عجزهم، وضعف قدرتهم فقال: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} ، أي: إذا أخذ منهم الذباب شيئًا من الأشياء لا يقدرون على تخليصه منه؛ لكمال عجزهم وفرط ضعفهم. والاستنقاذ والإنقاذ: التخليص، وإذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف، وعن استنقاذ ما أخذه عليهم، فهم عن غيره مما هو أكبر منه جرمًا، وأشد منه قوة، أعجز وأضعف، ثم عجب سبحانه وتعالى من ضعف الأصنام والذباب، فقال: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} ، فالصنم كالطالب، من حيث أنه يطلب خلق الذباب، أو يطلب استنقاذ ما سلبه منه، والمطلوب: الذباب، وقيل: الطالب: عابد الصنم، والمطلوب: الصنم، وقيل: الطالب: الذباب، والمطلوب: الآلهة، ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة عاجزة إلى هذه الغاية في العجز، ما عرفوا الله حق قدره، فقال: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ، أي: ما عظموه حق تعظيمه، ولا عرفوه حق معرفته، حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له، مع كون حالها هذه الحال» 74.
أما الأمثال الكامنة التي اقترن لفظ الحق بها، قوله سبحانه وتعالى: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} [يوسف: 51] .
ومعناه: الآن تبيّن الحق ووضح، أي: انقطع عن الباطل بظهوره وبيانه 75.
يتبين مما سبق أن القرآن الكريم أورد العديد من الأمثال القرآنية التي اقترنت بلفظ الحق، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الأمثال القرآنية أدت الغرض الذي جاءت من أجله، بصورة رائعة موجزة، لها وقعها في النفس الإنسانية، بطريقة تؤكد على أن هذا القرآن العظيم هو كلام الله سبحانه وتعالى المعجز بآياته، الذي لا يستطيعه بشر.
انقسم الناس منذ بدء الخليقة إلى قسمين:
قسم اتبع الحق الذي أراده الله سبحانه وتعالى، وتمسك به، وجاهد في سبيله، وابتلي لأجل ذلك في ماله وبدنه وأهله، وما حاد عن هذا الطريق، وهؤلاء هم الأنبياء والرسل عليهم السلام ومن تبعهم ورضي بالمنهج الذي جاءوا به من عند الله سبحانه وتعالى.
وقسم آخر أبى إلا أن يكون مع الساقطين المتخاذلين المعادين لله ولرسله ولدينه وللمؤمنين، وهؤلاء هم أتباع الشيطان من الكفرة والمنافقين، وغيرهم، الذين يقفون في طريق الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، فيحاربونهم بشتى السبل والوسائل التي يستطيعونها؛ لأنهم يعلمون أن في ارتقاء دعوة الحق هلاكًا وخذلانًا لهم.
ولنا في سيرة الأنبياء والمرسلين وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أكبر دليل على ذلك، وكذلك ما يكيده أتباع الشيطان من المشركين واليهود والنصارى ومن والاهم من المنافقين لأصحاب الحق في هذا الزمان في شتى بقاع الأرض، دون رادع يردعهم؛ وما كان ذلك إلا لأن هذه الطائفة المؤمنة تمسكت بدعوة الحق ورفضت الخنوع والاستسلام للشر وأهله، وقد أثبت القرآن الكريم في ست آيات من ست سور مكية ومدنية أن الحق هو المنهج الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى لعباده، وفي ذلك دلالة على أن الحق واحد لا يتعدد ولا يتبدل، قال عز وجل: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [البقرة: 147] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: اعلم يا محمد أن الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده، لا ما تقول لك اليهود والنصارى، وهذا خبر من الله تعالى ذكره خبر لنبيه عليه السلام عن أن القبلة التي وجهه نحوها هي القبلة الحق التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن، ومن بعده من أنبياء الله عز وجل، يقول تعالى ذكره له: فاعمل بالحق الذي أتاك من ربك يا محمد، ولا تكونن من الممترين» 76.
وأكد القرآن الكريم في سورة العصر أن كل إنسان صرف نفسه في أعمال الدنيا دون الآخرة لفي نقص وضلال عن الحق حتى يموت، أما الذين جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح فإنهم في ربح وفوز؛ لأنهم عملوا للآخرة، ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها، ووصى بعضهم بعضًا بالحق الذي يحق القيام به، وهو الإيمان بالله، والتوحيد والقيام بما شرعه الله، واجتناب ما نهى عنه 77.
كما أكد القرآن الكريم أن الكفار لا يستجيبون للحق، بل يحاربونه بكل ما أوتوا من قوة، وهذا ما بينه القرآن في حق فرعون وقومه، الذين اعتبروا دعوة موسى عليه السلام سحرًا.
قال سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} [يونس: 76 - 77] .
والمعنى: لما جاءهم موسى بالحجج والبينات الدالة على الربوبية والألوهية، قالوا من فرط عتوهم وعنادهم: إنّ هذا لسحر واضح لمن رآه وعاينه، فقال لهم موسى عليه السلام على وجه الإنكار والتوبيخ: أتقولون للحق الواضح الظاهر -وهو أبعد الأشياء عن السحر الذي هو باطل- حين جاءكم دون أن تتروّوا وتتدبروا فيه: إنه سحر، وما ترونه بأعينكم من آيات الله، وترجف له قلوبكم من عظمته، لا يمكن أن يكون سحرًا من جنس ما تعرفونه وتصنعونه بأيديكم 78.
وأكد القرآن أيضًا أن كفار قريش هم كمن سبقهم من الكفار، مكذبون بالحق، قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 66] .
قال النسفي: « {وَكَذَّبَ بِهِ} : بالقرآن، أو بالعذاب، {قَوْمُكَ} : قريش، {وَهُوَ الْحَقُّ} أي: بالصدق» 79.
وبيَّن سبحانه وتعالى أن المنافقين يحاربون الله ورسوله في آيات كثيرة، منها قوله سبحانه وتعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} [التوبة: 67] .