والمعنى: أن قوم نوح كانوا في الوجود قبل إهلاك عاد وثمود، وكانوا أكثر ظلمًا وطغيانًا منهما، فإنهم كانوا يؤذون نبي الله نوحًا عليه السلام، وينفرون الناس عنه، وكانوا يحذرون صبيانهم من السماع له، كما كانوا يضربونه حتى لا يكون قادرًا على الحركة، ما أثر فيهم دعاؤه قريبًا من ألف سنة 88، وفي قول نوح عليه السلام: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) [نوح:24] تسجيلٌ عليهم بالظلم 89. فقد ظلموا أنفسهم عندما حرموها من الهداية، وظلموا غيرهم سواء بالتعذيب لنوح عليه السلام، أو لغيرهم من الذين لم يؤمنوا عندما صدوهم عن الإيمان، وحذروهم من اتباع نوح عليه السلام.
وصف الله تعالى قوم نوح بهذه الصفة، فقال عنهم: (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا) [نوح:22] .
أي: مكرًا بليغًا متناهيًا كبره في معاندة الحق 90. فكلمة (كبارا) صيغة مبالغة حملت هذا المعنى البليغ.
واختلف العلماء في معنى مكر قوم نوح فيم كان؟ فقالوا:
••في تحريضهم السفلة من القوم على قتل نوح عليه السلام.
••في تغريرهم على الناس بما أوتوا من المال والولد حتى قال الضعفاء منهم: لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم.
••فيما جعلوه لله تعالى من الصاحبة والولد.
••في كفرهم 91.
••في قولهم: إن آلهتكم خيرٌ من إله نوح؛ لأن آلهتكم تعطيكم المال والولد، وإله نوح لا يعطيكم شيئًا؛ لأنه فقير 92.
هذه الصفة خاصة بالملأ، فالملأ دائمًا يحبون الرياسة والجاه، والتسلط على رقاب الضعفاء والفقراء؛ ولذلك فهم يعارضون دعوة النبي المبعوث فيهم، وهي دعوة الحق، ويظنون متوهمين أن قبولهم دعوة الحق سوف يسلب منهم رياستهم وجاههم ومناصبهم ومكانتهم وهيبتهم الطاغية المتجبرة أمام الناس؛ لذلك كان حبهم للرياسة والجاه والسلطان من أهم أسباب رفضهم دعوة نوح عليه السلام.
قال تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الأعراف:60] .
وقال تعالى: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَ?ذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) [المؤمنون:24] .
وقال تعالى: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى? لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) [هود:27] .
ثالثًا: شكوى نوح لربه من قومه:
بعد إرسال الله عز وجل نوحًا عليه السلام إلى قومه داعيًا إياهم؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وتنفيذ نوح عليه السلام أمر ربه سبحانه وتعالى، فعرض معالم دعوته على قومه، واستخدم معهم جميع الأساليب الدعوية التي كانت باستطاعته؛ لتوصيل دعوة الحق إليهم، كفر قومه بالله عز وجل، وعاندوا الحق، ولم يستجيبوا لدعوته، وتجدر الإشارة هنا إلى أن دعوة نوح عليه السلام لقومه لم تكن مرة واحدة فقط، بل تكررت مرارًا بما يتناسب مع أطول مدة دعوية مكثها في قومه حيث شارفت على الألف سنة، فلنا أن نتخيل كم مرة دعا قومه، وصدوه عن ذلك، ويرجع نوح عليه السلام صفر اليدين منهم، لكن ذلك لم يفشل ولم يركن، بل كان دائمًا يعرض نفسه ودعوته على قومه؛ لعل الله سبحانه وتعالى يهديهم إلى الحق.
فلما وصل نوح عليه السلام إلى هذه المرحلة قال شاكيًا لربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ?5? فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ?6? وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ?7? ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ?8? ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ?9? فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ?10? يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ?11? وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ?12? مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ?13? وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ?14? أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ?15? وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ?16? وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ?17? ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ?18? وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ?19? لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) [نوح:5 - 20] .
والمعنى: يقول نوح عليه السلام: يا رب، إني دعوت قومي في الليل والنهار، فلم يزدهم دعائي إلا نفورًا وإعراضًا عن الحق، وإني كلما دعوتهم لأجل أن يستجيبوا فتغفر لهم، أبوا إلا تماديًا في الباطل، وجعلوا أصابعهم في آذانهم؛ لئلا يسمعوا ما أقول لهم، وتغطوا بثيابهم من شدة بغضهم للحق، وأصروا على كفرهم وشركهم، واستكبروا على الحق استكبارًا، وازداد شرهم وطغيانهم في الأرض، ثم إني دعوتهم جهارًا بحيث يسمعونني كلهم، وإني أسررت بالدعوة لكل واحد منهم على حدة، وقلت لهم: اتركوا ما أنتم عليه من الذنوب والمعاصي والشرك، واستغفروا منها، فإن الله تعالى كثير المغفرة لمن تاب واستغفر.
ثم قلت لهم موبخًا إياهم: ما بالكم لا تعظمون الله تعالى، ولا تجعلون له قدرًا في قلوبكم، والحال أنه قد خلقكم خلقًا من بعد خلق، على مراحل متعددة إلى أن أوصلكم إلى ما أنتم عليه؟! أليس من انفرد بهذا أحق أن يعبد ويوحد؟
كما دعوتهم يا رب إلى التفكر في آلائك ونعمائك، من سماوات وما فيها من قمر وشمس، وذكرتهم كيف خلقت أباهم آدم عليه السلام من تراب وكانوا في صلبه، ثم تعيدهم في الأرض بعد الموت، وتخرجهم للبعث والنشور، وكيف خلقت لهم الأرض مبسوطةً مهيأةً للانتفاع بها بالحراثة والغرس والزراعة والبناء والسكون والاستقرار عليها. فبعد كل هذا النصح والوعظ والتذكير والإرشاد لم يفد فيهم هذا الكلام شيئًا، ولم ينفع، ولم يثمر.
ثم استرسل نوح عليه السلام في مناجاته لله تعالى وشكواه إليه قائلًا: (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ?21? وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ?22? وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ?23? وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) [نوح:21 - 24] .
أي: إنهم عصوني فيما أمرتهم به، وأنا أنصحهم وأدلهم على الخير، واتبعوا الملأ والأشراف الذين لم تزدهم أموالهم وأولادهم إلا هلاكًا وتفويتًا للأرباح، ومكروا مكرًا كبيرًا بالغًا في معاندة الحق، فدعوهم إلى التعصب إلى دين آبائهم وأجدادهم القائم على الشرك قائلين لهم: لا تتركوا ودًا، ولا سواعًا، ولا يغوث ويعوق ونسرًا. مع أن هذه الأسماء كانت لرجالٍ صالحين فيهم، فلما ماتوا زينها الشيطان لهم، وقد أضل هؤلاء الكبار والرؤساء بدعوتهم هذه كثيرًا من الخلق، فلا يزيدون بدعوة هؤلاء الرؤساء إلا ضلالًا، فيا رب، لم يبق هناك مجالٌ ولا محلٌّ لنجاحهم وصلاحهم 93.
كما قال في موضع آخر شاكيًا أيضًا: (قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ) [الشعراء:117] .
فلم يبق بيني وبينهم أي ائتلاف وارتباط، حيث كذبوني بجميع ما جئت به من عندك تكذيبًا شديدًا، وسفهوني تسفيهًا بليغًا، فلم يكتفوا عند هذا الحد، بل عمدوا إلى قتلي بأشد العذاب وأقبح العقاب، فقد هددوني بالرجم 94.
ونحو هذا قال في موضع آخر: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) [القمر:10] .
أي: غلبني قومي تمردًا وعتوًّا، فلم يسمعوا مني، واستحكم اليأس منهم 95.
ويلحظ من شكوى نوح عليه السلام ومناجاته لله عز وجل أن هذه الشكوى لم تكن بمجرد ملاقاة أول عقبة في طريق الدعوة، أو أول صد له عن دعوته، بل كما تم ذكره من أن الدعوة تمت مرارًا وتكرارًا حتى قاربت ألف سنة، وبعدها حصلت الشكوى عندما لم يعد هناك أمل في استجابة فردٍ واحد منهم، واستحكم اليأس منهم. كما أن هذا يدل على مدى صبر نوح عليه السلام على قومه، وشدة تحمل أذاهم واستكبارهم. فيجب على الداعية التأسي والاقتداء بنبي الله نوح عليه السلام.
ويلحظ من هذه الشكوى أنها تمهيدٌ من نوح عليه السلام وتوطئة منه؛ ليدعو على قومه بالهلاك، وإلهابًا إليه وتهييجًا، معرضًا عن تهديدهم له صبرًا واحتسابًا؛ لأن هذا من لوازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 96.
رابعًا: دعاء نوح على قومه:
لما أيس نوح عليه السلام من إقلاع قومه عن الكفر وأيس من إيمانهم دعا عليهم بالهلاك، وهذا الدعاء منه لم يكن إلا بعد أن وصل إلى مرحلة إيحاء الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، واستجاب للدعوة، فأذن الله تعالى له بالدعاء عليهم؛ لأن الأنبياء لا يدعون على أقوامهم بالهلاك إلا بإذن من الله عز وجل في ذلك. والدليل على ذلك أنه عاتب يونس عليه السلام لما خرج من ديار قومه بلا إذن من الله تعالى له، فإذا عوتب يونس عليه السلام بالخروج بلا إذن، فلا يحتمل أن يدعو عليهم بالهلاك إلا بإذن أيضًا 97.
وكأن نوحًا عليه السلام يقول: يا رب لا أدعوك عليهم لأنهم آذوني وشتموني وحاولوا رجمي وقتلي، وإنما أدعوك لأجلك، ولأجل دينك، ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك 98. وذكر بعض العلماء أن نوحًا عليه السلام دعا عليهم حين أخرج الله تعالى كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم أصلاب الرجال وأرحام النساء قبل العذاب بسبعين سنة؛ لذلك دعاهم نوح عليه السلام إلى استغفار ربهم؛ حتى ينزل عليهم المطر وكانت الأرض قد جدبت ويرزقهم بالبنين؛ لأنه أعقمهم. ونعود إلى دعوته عليه السلام على قومه، فقال في دعائه: (افْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء:118] .
أي: احكم يارب بيننا بما يستحقه كل طرف منا، وافتح بابًا من أبواب عدلك على مستحقيه بأن تنزل العقوبة بهم، وافتح بابًا من أبواب فضلك ورحمتك يكون فيه الفرج والمخرج من الضيق لي وللمؤمنين معي، ونجنا مما تعذب به الكافرين 99.
كما قال أيضًا في دعائه: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) [القمر:10] ، أي: إني مغلوبٌ من جهة قومي بتسليطهم علي، -وليست الغلبة بالحجة؛ لأن الحجة كانت له وليس لقومه- فانتقم منهم بعذابٍ تبعثه عليهم، وانتصر لي وللذين آمنوا بك معي 100.
وفي موضع آخر قال: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ?26?إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ?27?) [نوح:26 - 27] .
أي: يا رب، لا تدع منهم أحدًا يسكن الديار إلا أهلكته وأوقعت به العذاب، فإنك يا رب إن تتركهم على الأرض فإنهم يضلوا عبادك عن طريق الحق، ولا يلدوا إلا فاجرًا يترك طاعتك، وكفارًا لنعمتك.
ثم دعا عليهم مرة أخرى فقال: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ?28) [نوح:28] ، أي: لا تزد المتصفين بالظلم إلا هلاكًا وخسرانًا ودمارًا. وقد شمل دعاؤه هذا كل ظالم إلى يوم القيامة 101.
خامسًا: عاقبة قوم نوح:
أوضح الله عز وجل أنه بعدما أوحى إلى نوح عليه السلام أنه لن يؤمن من قومه إلا القليل الذين استجابوا له، ولم تعد هناك فائدة من دعوة نوح عليه السلام قومه، فدعا عليهم، فاستجاب الله تعالى دعاءه، فنصره على قومه الذين كذبوا بحجج الله تعالى وأدلته، فأنجاه منهم، وأغرقهم أجمعين. وسجلت الآيات التي تتحدث عن هلاك قوم نوح أن تعذيبهم بالطوفان كان للأسباب الآتية:
السبب الأول: ما كان عليه قوم نوح من إساءة العمل، ومعصية الله جل جلاله، وفسقهم المتمثل في مخالفة أمره تعالى، والخروج عن طاعته 102، فقال الله تعالى فيهم: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنبياء:77] .
السبب الثاني: ما اتصف به قوم نوح من الظلم ومجاوزة الحد، فذكر الله تعالى عنهم أنه عاقبهم وأخذهم بالطوفان عقب المدة الدعوية التي كانت ألف سنة إلا خمسين عامًا. وهذا الطوفان قد أحاط بهم من كل جانب، وحالهم أنهم كانوا مستمرين على الظلم، فلم ينجع فيهم وعظ نبيهم نوح عليه السلام 103، فقال عز وجل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) [العنكبوت:14] .
السبب الثالث: ما كان عليه قوم نوح من خطايا عديدة وكثيرة، وأخطرها شركهم بالله جل جلاله، حيث اتخذوا آلهة يعبدونها من دون الله تعالى، فهل هي قادرة اليوم -يوم الطوفان- أن تنصرهم من عذاب الله عز وجل؟! 104، فقال فيهم: (مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا) [نوح:25] .
فعذاب الطوفان هذا كان في الدنيا، وقد رأوه بأم أعينهم، ولم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم هذا العذاب الواقع بهم. أما العذاب الأشد إيلامًا فهو الذي قد أعده الله عز وجل وجهزه لهم في الآخرة، فإنه ينتظرهم لا محالة 105، فقال تعالى: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ? وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفرقان:37] .
وبهذا الهلاك والاستئصال للكافرين يسدل الستار على قصة قوم نوح المكذبين، فلم يبق الله تعالى منهم أحدًا على وجه الأرض.
سادسًا: حكمة تذكير الرسل أقوامهم بعاقبة قوم نوح:
إن الله عز وجل قد جعل هلاك قوم نوح آيةً لجميع الناس، وقد ذكر ذلك في كتابه العزيز فقال: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ? وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفرقان:37] .
وكلمة (الناس) عامة تشمل المؤمن والكافر، فجعل الله تعالى إهلاك قوم نوح، واستئصالهم بالغرق آية وعبرة للمكذبين من الأقوام التي أتت بعدهم إلى يوم الدين، وكذلك جعل نجاة المؤمنين، وخلاصهم من الطوفان آية وعبرة للمؤمنين من الأقوام التي أتت بعدهم إلى يوم الدين. فجعل الآية والعبرة لما يؤول إليه عاقبة أمر كل مكذب ومصدق، فعاقبة المكذبين الهلاك، وعاقبة المؤمنين الصادقين النجاة 106.
فها هم الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله تعالى بعد نوح عليه السلام يذكرون أقوامهم الذين بعثوا فيهم وأرسلوا إليهم، بالاتعاظ والاعتبار من قوم نوح، فأولهم كان هودًا عليه السلام، فعندما عرض دعوته ونبوته على قومه رفضوا وكذبوا، فقال لهم: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى? رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ? وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ? فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأعراف:69] .
والمعنى: كيف تعجبون من أمرٍ ليس فيه داعٍ للتعجب، وهو أن الله تعالى أرسل إليكم رجلًا منكم تعرفون صدقه وأمانته، يذكركم بما فيه مصلحة لكم، ويحثكم على ما فيه نفعكم، فتعجبتم منه؟! ثم عدد عليهم نعم الله عز وجل حيث مكن لهم في الأرض، وجعلهم يخلفون قوم نوح الذين كذبوا رسولهم، ثم ذكرهم بالنعمة التي خصها الله تعالى فيهم من قوة الأجساد، وشدة البطش، فهو يذكرهم بنعم الله الواسعة عليهم؛ لعلهم يؤدون حق الله جل جلاله فيها بالشكر، فيفوزوا بما وعدهم الله تعالى به، وينجون من عذاب الله تعالى 107.
وها هو شعيب عليه السلام، عندما عرض دعوته على قومه كذبوه، فقال لهم مذكرًا إياهم بما حل بالأقوام السابقة التي كذبت أنبياء الله ورسله: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ? وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) [هود:89] .
والمعنى: يا قوم -وناداهم بهذا اللفظ المشعر بحرصه عليه السلام على هداية قومه ونجاتهم من عذاب الله تعالى- لا تحملنكم معاداتكم للحق ومعاندتكم لي على استمراركم في العصيان، فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح من الغرق، وما أصاب قوم هود من ريح صرصر عاتية، وما أصاب قوم صالح من صيحة تبعتها رجفة، وما أصاب قوم لوط من جعل عالي القرية سافلها وإمطارهم بحجارة من سجيل 108.
وها هو موسى عليه السلام، يذكر قومه بني إسرائيل بما أنعم الله تعالى عليهم من نعمة الإنجاء من آل فرعون، لما كانوا يولونهم سوء العذاب، ويكلفونهم مشاق الأعمال، ويذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وفي هذا امتحان وبلاء عظيم اختبرهم الله به؛ ليعظم شكرهم، ثم بين لهم موسى عليه السلام أنه إذا شكروا الله تعالى على نعمائه فإنه سوف يزيدهم من النعم والعطايا، أما إن قابلوا هذه النعم بالكفر والعصيان فإن عذاب الله تعالى شديد، ثم ذكرهم موسى عليه السلام بمن سلف قبلهم من الأقوام الذين عذبهم الله عز وجل بسبب كفرهم وعصيانهم، فقال الله تعالى على لسانه: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ? وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ? لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ? جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ?9?) [إبراهيم:9] .
أي: ألم يأتكم خبر الأقوام السابقة ماذا فعل الله عز وجل بهم حين عصوا أنبياءهم، قوم نوح، وعاد، وثمود، والذين من بعدهم أمم كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى؛ لكثرة أعدادهم واندراس آثارهم، فوضعوا أيديهم على أفواههم من باب التعجب والاستهزاء بأنبيائهم، أو لإسكات أنبيائهم، فيمنعون أنبياءهم من الكلام، أو ردوا نعم الأنبياء عليهم، وهي متمثلة في مواعظهم وشرائعهم التي أتوا بها من عند الله عز وجل، فكذبوها، ولم يمتثلوا لأمر أنبيائهم، ولم يكتفوا بهذا فحسب بل صرحوا بالكفر، وقالوا: إن الذي تدعوننا إليه من التوحيد والإيمان يجعل النفس لا تطمئن إليه أبدًا 109.
واستتباعًا لتذكير موسى عليه السلام لبني إسرائيل بعاقبة الأقوام السابقة يظهر موقف الرجل المؤمن الذي هو من آل فرعون، ولكنه كان يكتم إيمانه عن فرعون؛ خشية قتله.
فعندما عزم فرعون وملؤه على قتل موسى عليه السلام أنكر الرجل المؤمن عليهم ذلك قائلًا: كيف تقتلون رجلًا يقول: ربي الله، وقد جاءكم بالآيات الواضحات، والمعجزات الظاهرات، فإن فرضنا كذبه فيما يدعي فإن إثم كذبه يعود عليه وحده لا عليكم، أما إن كان صادقًا فسوف يصيبكم بعض الذي يتوعدكم من العذاب. ثم ذكر لهم أنهم لهم الملك اليوم، وهم ظاهرون وعالون في الأرض، فمن سوف ينصرهم من عذاب الله وبطشه؟ فرد عليه فرعون بأن ما يشيره على قومه -من قتل موسى- هو الرأي السديد. حينئذٍ رد الرجل المؤمن بقوله: (يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ?30?مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ? وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ?31?) [غافر:30 - 31] .
أي: أخاف عليكم مثل اليوم الذي أنزل الله تعالى فيه العذاب على الأقوام الذين تحزبوا على أنبيائهم، مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، والذين من بعدهم ممن كذبوا أنبياءهم، فعذبهم الله عز وجل بسبب كفرهم وعنادهم عن قبول الحق والاستجابة له 110.
وأخيرًا هذا نبينا خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم، يذكر الكفار من قريش وغيرها بقول الله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ? أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ? فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَ?كِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ?70?) [التوبة:70] .
والمعنى: لقد أتاهم خبر الأقوام الماضية كيف أهلكهم الله عز وجل حين خالفوا أمره وعصوا رسله، أمثال قوم نوح، فقد أهلكهم بالطوفان، وعاد أهلكهم بالريح العقيم، وثمود أهلكهم بالرجفة، وقوم إبراهيم أهلكهم بسلب النعمة، وأهلك النمرود ببعوضة، وقوم شعيب بعذاب يوم الظلة، والمؤتفكات التي هي قرى قوم لوط أهلكها الله تعالى بالخسف.
وخص الله تعالى ذكر إهلاك هؤلاء الأقوام؛ لأن آثارهم باقية، وبلادهم الشام والعراق واليمن قريبة من بلادهم الحجازية، وكانوا يمرون عليها، ويعرفون أمرها، فإن هؤلاء الأقوام أتتها رسل الله عز وجل بالمعجزات الباهرات على صدقهم في دعوتهم، ولكنهم كذبوهم وخالفوا أمرهم، فاحذروا أيها الكفار أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فتعجل عليكم العقوبة كما عجلت عليهم، وليست هذه العقوبة إلا بسبب ظلمهم لأنفسهم 111.
وفي موضع آخر يسلي الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم -وهو أشرف الخلق- بالأنبياء والرسل السابقين الذين كذبهم أقوامهم ورفضوا الاستجابة لدعوتهم، فيقول جل جلاله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ?42?وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ?43?وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ? وَكُذِّبَ مُوسَى? فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ? فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ?44?فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى? عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ?45?أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ? فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَ?كِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ?46?) [الحج:42 - 46] .
والمعنى: لا تحزن يا أكرم الرسل على تكذيب قومك لك، فلست وحدك الذي كذبه قومه، فإن الأمم السابقة جميعهم قد كذبوا أنبياءهم ورسلهم، فكذب نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى -عليهم السلام أجمعين- فأمهلت هؤلاء الأقوام حتى أخذتهم بعذاب الاستئصال، فانظر يا سيد الرسل، كيف غيرت حياتهم من العمار إلى الخراب! والآن أغفل أهل مكة فلم يسافروا في تجاراتهم فتكون لهم قلوب يعقلون بها ويعتبرون بها سنة الله تعالى في الكون فيوحدوه؟! أو تكون لهم آذان يسمعون بها أخبار النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟ ثم أكد الله تعالى على أن الأبصار لا تعمى، فليس الخلل في حواسهم، بل هو في عقولهم عندما اتبعوا أهواءهم، وانهمكوا في غفلتهم، واعتمدوا في ذلك على تقليدهم الأعمى لدين آبائهم وأجدادهم، وهي الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها من دون الله عز وجل 112.
أولًا: نوح عليه السلام وابنه:
عندما أمر الله تعالى نوحًا عليه السلام بصناعة السفينة؛ لينجيه والذين آمنوا معه من العقاب الذي سوف يحل على المشركين من قومه، نفذ نوح عليه السلام أمر ربه عز وجل، وعندما انتهى من صناع أمره الله تعالى أن يحمل فيها ذكرًا وأنثى من كل نوع من الحيوانات والطيور، وكذلك يحمل فيها أهله المؤمنين معه، حينئذٍ نادى نوح عليه السلام ابنه وكان كافرًا؛ ليركب معه في السفينة، فلن ينجو اليوم أحدٌ من عذاب الله عز وجل إلا من هو داخل السفينة، فحملته الشفقة على مناداة ابنه؛ للركوب معه.
قال جل جلاله: (وَنَادَى? نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ?42?قَالَ سَآوِي إِلَى? جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ? قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ? وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ?43?) [هود:42 - 43] .