«وإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا؛ لأنهما أولى بالذكر في هذا المقام؛ لأن العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف يعطاه» 41.
«وهكذا يحرص السياق القرآني على رد الأمر كله إلى الله، كي لا يعلق بتصور المسلم ما يشوب هذه القاعدة الأصيلة: قاعدة رد الأمر جملة إلى مشيئة الله الطليقة، وإرادته الفاعلة، وقدره المباشر، وتنحية الأسباب والوسائل عن أن تكون هي الفاعلة، وإنما هي أداة تحركها المشيئة، وتحقق بها ما تريده.
وقد حرص القرآن الكريم على تقرير هذه القاعدة في التصور الإسلامي، وعلى تنقيتها من كل شائبة، وعلى تنحية الأسباب الظاهرة والوسائل والأدوات عن أن تكون هي الفاعلة ... ؛ لتبقى الصلة المباشرة بين العبد والرب، بين قلب المؤمن وقدر الله، بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائل ولا وسائط، كما هي في عالم الحقيقة» 42.
وفي موضع آخر أخبر سبحانه وتعالى أن النصر حق للمؤمنين أوجبه عز وجل على نفسه-ولم يوجبه عليه أحد- وجعله من جملة الحقوق المتعينة، ووعدهم به فلا بد من وقوعه.
قال تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47] .
وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) على الكافرين، ونحن ناصروك ومن آمن بك على من كفر بك، ومظفروك بهم 43.
«فسبحان الذي أوجب على نفسه نصر المؤمنين وجعله لهم حقًّا؛ فضلًا وكرمًا، وأكده لهم في هذه الصيغة الجازمة التي لا تحتمل شكًّا ولا ريبًا» 44.
وقد يتأخر هذا النصر أحيانًا-في تقدير البشر-؛ لأنهم يحسبون الأمور بغير حساب الله، ويقدرون الأحوال لا كما يقدرها الله. والله هو الحكيم الخبير، يصدق وعده في الوقت الذي يريده ويعلمه، وفق مشيئته وسنته، وقد تتكشف حكمة توقيته وتقديره للبشر وقد لا تتكشف، ولكن إرادته هي الخير وتوقيته هو الصحيح، ووعده القاطع واقع عن يقين، يرتقبه الصابرون واثقين مطمئنين.
وفي قوله تعالى: وَكَانَ حَقًّا وجهان:
أحدهما: فانتقمنا، وكان الانتقام حقًّا، واستأنف فقال: عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين)، وعلى هذا فيكون بشارة للمؤمنين الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، أي: علينا نصركم أيها المؤمنون.
والوجه الثاني: كان (حَقًّا عَلَيْنَا) أي: نصر المؤمنين كان حقًّا علينا.
وعلى الأول لطيفة وعلى الآخر أخرى، أما على الأول فهو أنه لما قال (فَانتَقَمْنَا) [الأعراف: 136] .
بَيّنَ أنه لم يكن ظلمًا وإنما كان عدلًا حقًّا، وذلك؛ لأن الانتقام لم يكن إلا بعد كون بقائهم غير مفيد إلا زيادة الإثم وولادة الكافر الفاجر، وكان عدمهم خيرا من وجودهم الخبيث، وعلى الثاني تأكيد البشارة؛ لأن كلمة (على) تفيد معنى اللزوم، يقال: على فلان كذا: ينبئ عن اللزوم، فإذا قال: حقًّا أكد ذلك المعنى، فالنصر هو الغلبة التي لا تكون عاقبتها وخيمة، فإن إحدى الطائفتين إذا انهزمت أولًا، ثم عادت آخرًا لا يكون النصر إلا للمنهزم، وكذلك موسى وقومه لما انهزموا من فرعون ثم أدركه الغرق لم يكن انهزامهم إلا نصرة، فالكافر إن هزم المسلم في بعض الأوقات لا يكون ذلك نصرة؛ إذ لا عاقبة له 45.
وأخبر سبحانه وتعالى أن النصر في الدنيا مما جبلت على محبته نفوس عباده.
قال تعالى: (وَأُخْرَى? تُحِبُّونَهَا ? نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف: 13] .
ففي الآية «إشارة إلى الامتنان عليهم بإعطائهم ما يحبون في الحياة الدنيا قبل إعطاء نعيم الآخرة» 46.
وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ?1?) [النصر: 1] .
قرن سبحانه وتعالى بين النصر والفتح، وقدم النصر على الفتح؛ لأن النصر سبب الفتح، ومفتاح له.
ذكر الله عز وجل في سورة الحج عن هذه القاعدة فقال تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ? إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ?) [الحج: 40] .
أي «وليعينن الله من يقاتل في سبيله؛ لتكون كلمته العليا على عدوه، فنصر الله عبده: معونته إياه، ونصر العبد ربه: جهاده في سبيله؛ لتكون كلمته العليا» 47.
وقوله: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) عطف على جملة (ٹ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ) ، أي: أمر الله المسلمين بالدفاع عن دينهم. وضمن لهم النصر في ذلك الدفاع؛ لأنهم بدفاعهم ينصرون دين الله، فكأنهم نصروا الله 48.
وأخبر عز وجل في سورة محمد أن المؤمنين إن نصروه نصرهم على أعدائهم، وعصمهم من الفرار والهزيمة
قال تعالى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7] .
ومناسبة هذه الآية لما سبقها: أنه لمَّا ذكر أنه لو شاء الله لانتصر منهم علم منه أن ما أمر به المسلمين من قتال الكفار إنما أراد منه نصر الدين بخضد شوكة أعدائه الذين يصدون الناس عنه، أتبعه بالترغيب في نصر الله والوعد بتكفل الله لهم بالنصر إن نصروه، وبأنه خاذل الذين كفروا بسبب كراهيتهم ما شرعه من الدين 49.
ونصر المؤمنين لله أن تتجرد نفوسهم له «وألا تشرك به شيئًا، شركًا ظاهرًا أو خفيًّا، وألا تستبقي فيها معه أحدًا ولا شيئًا، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكمه في رغباتها ونزواتها وحركاتها وسكناتها، وسرها وعلانيتها، ونشاطها كله وخلجاتها ... فهذا نصر الله في ذوات النفوس.
وإن لله شريعة ومنهاجًا للحياة، تقوم على قواعد وموازين وقيم وتصور خاصٌّ للوجود كله وللحياة. ونصر الله يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدون استثناء، فهذا نصر الله في واقع الحياة» 50.
أخبر عز وجل أن من أسباب النصر تأييد المؤمنين للرسول صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] .
وجعلت التقوية بالنصر؛ لأن النصر يقوي العزيمة، ويثبت رأي المنصور، وضده يشوش العقل، ويوهن العزم 51.
و أخبر سبحانه وتعالى أنه علق المسببات بأسبابها المعتادة وهي أن يبلو بعض خلقه ببعض، قال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ} [محمد: 4] .
يقول عز وجل: هذا الذي أمرتكم به أيها المؤمنون من قتل المشركين إذا لقيتموهم في حرب، وشدهم وثاقًا بعد قهرهم، وأسرهم، والمَنُّ والفداء {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد:4] هو الحق الذي ألزمكم ربكم، ولو يشاء ربكم ويريد لانتصر من هؤلاء المشركين الذين بين هذا الحكم فيهم بعقوبة منه لهم عاجلة، وكفاكم ذلك كله، ولكنه تعالى ذكره كره الانتصار منهم، وعقوبتهم عاجلا إلا بأيديكم أيها المؤمنون {لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4] .
يقول: ليختبركم بهم، فيعلم المجاهدين منكم والصابرين، ويبلوهم بكم، فيعاقب بأيديكم من شاء منهم، ويتعظ من شاء منهم بمن أهلك بأيديكم من شاء منهم حتى ينيب إلى الحق 52.
من هداية الآية: ضرورة بذل الجهد البشري؛ لتحقيق النصر.
أولًا: الإيمان:
قرن سبحانه وتعالى في مواضع من القرآن بين الإيمان والنصر، وأخبر سبحانه وتعالى أن من أسباب النصر التي مضت بها سنته: الإيمان.
قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 4] .
فالآية: «نص في تعليل النصر بالإيمان» 53.
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .
فالإيمان سبب حقيقي من أسباب النصر المعنوية 54.
وأخبر سبحانه وتعالى أنه لا وعد منه بالنصر إلا لمن توافرت فيه صفات الإيمان ولوازمه من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومن كان حظه من صفات الإيمان ولوازمه أكبر كان إلى نيل النصر أقرب.
قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] .
ثانيًا: طاعة الله ورسوله:
أخبر سبحانه وتعالى أن من عوامل النصر طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم التي بها انتظام جيش المسلمين وجماعتهم.
قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] .
وطاعة الله ورسوله تشمل اتباع سائر أحكام القتال المشروعة بالتعيين، مثل الغنائم. وكذلك ما يأمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من آراء الحرب 55.
ومن آراء الحرب ما قاله صلى الله عليه وسلم للرماة فيما روى البخاري في صحيحه: عن البراء رضي الله عنه قال: (لقينا المشركين يومئذٍ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا من الرماة وأمَّرَ عليهم عبد الله، وقال:(لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا) . فلما لقينا (لقيناهم) هربوا حتى رأيت النساء يشتددن (يسندن) في الجبل رفعن (يرفعن) عن سوقهن قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال عبد الله: عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا. فأبوا. فلما أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلًا) 56.
وحدثت الهزيمة للمسلمين؛ لمخالفة الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتشمل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة أمرائه في حياته، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني) 57.
وتشمل طاعة أمراء الجيوش بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لمساواتهم أمراءه الغائبين عنه في الغزوات والسرايا، في حكم الغيبة عن شخصه 58.
ثالثًا: التأييد الإلهي:
أخبر عز وجل أنصاره بأنه مؤيدهم على عدوهم.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14] .
عن مجاهد رحمه الله {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ} [الصف: 14] قال: قوينا 59.
وعلى قدر إيمان العبد يكون نصره وتأييده، «والنصر والتأييد الكامل إنما هو لأهل الإيمان الكامل، فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد» 60.
والعبرة المستفادة من نداء المؤمنين في الآية: هي استنهاض همتهم لنصرة الله ونصرة دينه، والاقتداء بمن قبلهم من الصالحين في نصرة الدين.
رابعًا: الصبر:
علق سبحانه وتعالى النصر بالصبر فقال تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران:125 - 126] .
وأخبر سبحانه وتعالى أن معيته مع الصابرين في جهادهم لعدوه وعدوهم فقال: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .
وقال تعالى: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] .
والمعنى: والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله وغير ذلك من طاعته، وظهورهم ونصرهم على أعدائه الصادين عن سبيله، المخالفين منهاج دينه 61.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النصر مع الصبر فقال: (وأن النصر مع الصبر) 62.
وهذا الحديث يشمل النصر في الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن، فمن صبر فيهما، نصر وظفر بعدوه، ومن لم يصبر فيهما وجزع، قُهِرَ وصار أسيرًا لعدوه أو قتيلًا له 63.
فالصبر هو زاد الطريق للنصر «إنه طريق طويل شاقٌّ، حافل بالعقبات والأشواك، مفروش بالدماء والأشلاء، وبالإيذاء والابتلاء، الصبر على أشياء كثيرة: الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب! والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة، وتصعير الغرور والخيلاء!
والصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق! والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة من الألم والغيظ، والحنق والضيق، وضعف الثقة -أحيانًا- في الخير، وقلة الرجاء -أحيانا- في الفطرة البشرية، والملل والسأم واليأس -أحيانًا- والقنوط! والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله، واستسلام لقدره، ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع» 64.
ومن هداية الآية: أن النصر محقق للمؤمن على قدر مشقته وصبره، بعد عون الله وتأييده له.
خامسًا: الدعاء:
أخبر سبحانه وتعالى في سياق الحديث عن قصة طالوت وجالوت، أنه لما واجه أهل الإيمان -وهم قليل من أصحاب طالوت- عدوهم أصحاب جالوت -وهم عدد كثير- دعوا الله أن يفرغ عليهم صبرًا، وأن يثبت أقدامهم في لقاء الأعداء، ويجنبهم الفرار، وأن ينصرهم على القوم الكافرين.
قال تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] .
فاستجاب لهم ربهم، فأفرغ عليهم صبره، وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين.
قال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 251]
وأخبر سبحانه وتعالى عن الربنيين أنهم دعوه بغفران الذنوب وتكفير السيئات والثبات عند ملاقاة العدو، وأن ينصرهم على القوم الكافرين.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 147 - 148] .
«فآتاهم الله ثواب الدنيا بالنصر والظفر بالعدو، والسيادة في الأرض، وما يتبع ذلك من الكرامة والعزة، وحسن السيرة وشرف الذكر وحسن ثواب الآخرة بنيل رضوان الله وقربه، والنعيم بدار كرامته» 65.
وفي الآية حثٌّ للمسلمين على الاقتداء بالمجاهدين من الأمم السابقة وفعل فعلهم.
وأثنى الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالتجائهم إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 9 - 10] .
روى مسلم بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لما كان يوم بدرٍ نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاث مائةٍ وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه:(اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكرٍ فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] . فأمده الله بالملائكة) 66.
وأخبر عز وجل عن نوح عليه السلام أنه لما كذبه قومه وآذوه دعا ربه أن ينتصر لدينه منهم فقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا (13) تَجْرِي فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 9 - 16]
إلا أنه يجب التنبيه على أن اللجوء إلى الله يكون مع بذل ما في الطاقة والوسع؛ لأن الله لا ينزل نصره إلا على من يستحقونه، فهو الحكيم الذي يضع الأمور حسب ما تقتضيه الحكمة، «فالذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملًا، بكل ما في طاقتهم من جهد ثم يَدَعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة. وعندما يغلبون عليهم أن يلجؤوا إلى الناصر المعين، وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} .. ثم ينتظروا فرج الله القريب، وانتظار الفرج من الله عبادة، فهم على هذا الانتظار مأجورون» 67.
سادسًا: ذكر الله:
أمر الله عز وجل عباده المؤمنين عند ملاقاة عدوه وعدوهم بكثرة ذكره؛ لأنهم إن فعلوا ذلك تحقق لهم النصر.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] .
عن قتادة رحمه الله قال: «افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون عند الضراب بالسيوف» 68.
«وذكر الله المأمور به هنا: هو ذكره باللسان؛ لأنه يتضمن ذكر القلب وزيادة، فإنه إذا ذكر بلسانه فقد ذكر بقلبه وبلسانه، وسمع الذكر بسمعه، وذكر من يليه بذلك الذكر، ففيه فوائد زائدة على ذكر القلب المجرد، وقرينة إرادة ذكر اللسان ظاهر وصفه بـ {كَثِيرًا} ؛ لأن الذكر بالقلب يوصف بالقوة، والمقصود تذكر أنه الناصر» 69.
وذكر الله عند لقاء العدو يؤدي وظائف شتى:
«إنه الاتصال بالقوة التي لا تغلب، والثقة بالله الذي ينصر أولياءه، وهو في الوقت ذاته استحضار حقيقة المعركة وبواعثها وأهدافها، فهي معركة لله؛ لتقرير ألوهيته في الأرض، وطرد الطواغيت المغتصبة لهذه الألوهية، وإذن فهي معركة؛ لتكون كلمة الله هي العليا لا للسيطرة، ولا للمغنم، ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي، كما أنه توكيد لهذا الواجب -واجب ذكر الله- في أحرج الساعات وأشد المواقف» 70.
وفي الآية دليل على أن المسلم ينبغي له الإكثار من ذكر الله على كل حال، ألا ترى أنه أمر به في أصعب الأوقات وأشدها وهو وقت التحام القتال.
سابعًا: الثبات:
قرن سبحانه وتعالى بين الثبات والنصر في مواضع من كتابه، وهذا يدل على أنه سبب من أسباب النصر، ففي سياق الحديث عن قصة طالوت وجالوت، أثنى سبحانه وتعالى على دعاء أهل الإيمان الذين سألوه أن يثبت أقدامهم؛ حتى لا يفروا من مواقع القتال ويتحقق لهم الانتصار، فقال تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] .
وأخبر سبحانه وتعالى عما استنصرت به الأنبياء وأممهم على قومهم من سؤالهم ربهم، أن يثبت أقدامهم، وأن ينصرهم على أعدائهم.
قالتعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] .