تحدثت الآيات السابقة عن شُبه اليهود التي حاولوا من خلالها الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فرد عليها ثم أتبعه بهذه الآية؛ وذلك لأنه تعالى أوجب في التوراة والإنجيل على أمة موسى وعيسى عليهما السلام أن يشرحوا ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على صحة دين محمد صلى الله عليه وسلم وصدق نبوته ورسالته، والمراد منه التعجب من حالهم، كأنه قيل: كيف يليق بكم إيراد الطعن في نبوته ودينه مع أن كتبكم ناطقة ودالة على أنه يجب عليكم ذكر الدلائل الدالة على صدق نبوته ودينه.
وكان أهل الكتاب يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وكان من طرق إيذائهم له أنهم كانوا يكتمون ما في التوراة والإنجيل من الدلائل الدالة على نبوته فكانوا يحرفونها و يذكرون لها تأويلات فاسدة، أما عن كيفية أخذ الميثاق كان ذلك من خلال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث أوردوا الدلائل في جميع أبواب التكاليف وألزموهم قبولها، فالله سبحانه وتعالى إنما أخذ الميثاق منهم على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فذلك التوكيد والإلزام هو المراد بأخذ الميثاق.
والمراد من البيان ذكر تلك الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، والمراد من النهي عن الكتمان أن لا يلقوا فيها التأويلات الفاسدة والشبهات المعطلة، وظاهر هذه الآية وإن كان مختصًا باليهود والنصارى فإنه لا يبعد دخول المسلمين فيه أيضًا؛ لأنهم أهل القرآن وهو أشرف الكتب 36، فنبذ أهل الكتاب هذا الميثاق وراء ظهورهم، بدلوا به ثمنًا قليلًا من حطام الدنيا الفانية، فكانوا في هذه الصفقة مغبونين، حيث جعلوا العَرَضَ الفاني بدل النعيم الباقي في الآخرة، فبئس الشراء شراؤهم، وبئست هذه المبادلة، وقد قال النبي: صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار) 37.
وإذا أخبر العالم الديني بحكم شرعي فعليه أن يكون أمينًا في نقله حاذقًا في فهمه، فلا يحرفه ولا يبدله، ولا يبتر منه شيئًا، ولا يدلس ويعمي الأمور ويغطي الحقائق، ولا يطلب الثناء على ما فعل من بيان الخبر المشوه أو الحكم المبدل، وهو في هذا كاذب دجال 38.
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) } [البقرة: 83، 84] .
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: واذكر أيها النبي حين أخذنا ميثاق بني إسرائيل، بأن {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} ، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانًا، وأن تصلوا رحمه، وتعرفوا حقه، وأن تتعطفوا على اليتامى بالرحمة والرأفة، وبالمساكين: أن تؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} وفي ذلك بيان حقوق سائر الأمة، وهي النصيحة لهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم، وإقامة الصلاة تكون بأدائها بحقوقها الواجبة عليكم فيها، {وَآتُوا الزَّكَاةَ} وذلك لإصلاح شئون المجتمع، فقد كان يجب عليهم زكاة في أموالهم.
قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} .
هذا خبر من الله عن يهود بني إسرائيل، أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له، بأن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الآباء والأمهات، ويصلوا الأرحام، ويتعطفوا على الأيتام، ويؤدوا حقوق أهل المسكنة إليهم، ويأمروا عباد الله بما أمرهم الله به ويحثوهم على طاعته، ويقيموا الصلاة بحدودها وفرائضها، ويؤتوا زكاة أموالهم فخالفوا أمره في ذلك كله، وتولوا عنه معرضين، إلا من عصمه الله منهم، فوفى لله بعهده وميثاقه 39.
ثم أتبع ذلك بالنهي عن سفك بعضهم دم بعض، وإخراج بعضهم بعضًا من ديارهم وأوطانهم بعبارة تؤكد معنى وحدة الأمة، وتحدث في النفس أثرًا شريفًا يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر، فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه، حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده، فهذه الأحكام لا تزال محفوظة عند الإسرائيليين في الكتاب وإن لم يجروا عليها في العمل.
قوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} فيه وجهان:
أحدهما: أنه يخاطبهم بما كان من اعتراف سلفهم بالميثاق وقبوله، وشهودهم الوحي الذي نزل به على موسى عليه السلام.
ثانيهما: أن المراد الحاضرون أنفسهم، أي: أنكم أيها المخاطبون بالقرآن قد أقررتم بهذا الميثاق وتعتقدونه في قلوبكم، ولا تنكرونه بألسنتكم، بل تشهدون به وتعلنونه، فالحجة ناهضة عليكم به 40.
ولكن اليهود اعتادوا الغدر، واستماتوا في حب المادة، أعرضوا قصدًا وعمدًا عن تنفيذ الأوامر الإلهية، وعن العمل بالميثاق.
فهذا هو طبع بني إسرائيل القتل والغدر والخيانة وعدم الوفاء بالعهود وتحريف الكتب السماوية، وذلك منذ أن خلقوا مرورًا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم ووصولًا إلى زماننا هذا فطبعهم وأخلاقهم الفاسدة لا تتغير.
فلا بد أن يحرص المسلمون على معرفة طبائعهم ومكائدهم حتى يتحرزوا الوقوع فيها.
قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة:14] .
لما أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه، الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل، وذكرهم نعَمَه عليهم الظاهرة والباطنة، فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتاب: اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنًا منه لهم، وطردًا عن بابه وجنابه، وحجابًا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع والعمل الصالح.
قوله: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} ، أي: ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم عليه السلام، وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته، ومؤازرته واقتفاء آثاره، والإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، أي: ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق ونقضوا العهود 41، فألصقنا بهم العداوة وسلطنا بعضهم على بعض.
{وَالْبَغْضَاءَ} أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لتقدم ذكرهما، وقيل: أشار إلى افتراق النصارى خاصة، لأنهم أقرب مذكور؛ وذلك أنهم افترقوا إلى اليعاقبة والنسطورية والملكانية؛ أي: كفَر بعضهم بعضًا.
ومن أحسن ما قيل في معنى {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم، فكل فرقة مأمُورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها؛ لأنهم كفار.
وقوله: {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ} تهديدٌ لهم؛ أي: سيلقون جزاء نقض الميثاق 42.
«ولقد وقع بين الذين قالوا: إنا نصارى من الخلاف والشقاق والعداوة والبغضاء في التاريخ القديم والحديث مصداق ما قصه الله سبحانه في كتابه الصادق الكريم، وسال من دمائهم على أيدي بعضهم البعض ما لم يسل من حروبهم مع غيرهم في التاريخ كله، سواء كان ذلك بسبب الخلافات الدينية حول العقيدة، أو بسبب الخلافات على الرياسة الدينية، أو بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي خلال القرون الطويلة لم تسكن هذه العداوات والخلافات ولم تخمد هذه الحروب والجراحات، وهي ماضية إلى يوم القيامة» 43.
ثالثًا: أخذ نواصي الدواب:
قال تعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود:56] .
أي: أنه ليس من شيء يدب على الأرض، إلا والله مالكه، وهو في قبضته وسلطانه ذليلٌ له خاضعٌ.
والناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس، ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته.
والمعنى: هي في قبضته وتنالها بما شاء قدرته، فهو آخذ بناصيتها يحييها ويميتها، وهو مالكها والقادر عليها، ويقهرها؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته.
وإنما خص الناصية؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانًا بالذلة والخضوع فيقولون: ما ناصية فلان إلا بيد فلان.
أي: أنه مطيع له يصرفه كيف شاء، فخاطبهم بما يعرفون في كلامهم، وهي صورة محسوسة للقهر والقدرة تصور القدرة آخذة بناصية كل دابة على هذه الأرض، بما فيها الدواب من الناس، وهذه صورة حسية تناسب الموقف، وتناسب غلظة قوم هود وشدتهم، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم، وغلظ حسهم ومشاعرهم.
وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء وسر ذلك التحدي، الذي كان عليه نبي الله هود عليه السلام، فهو يجد هذه الحقيقة واضحة.
إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر، وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهرًا.
إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة في نفسه، لا تدع في قلبه مجالًا للشك في عاقبة أمره ولا مجالًا للتردد عن المضي في طريقه.
إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة أبدًا.
إن ربي على طريق الحق يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بمعصيته، ولا يظلم أحدًا، ولا يقبل إلا الإسلام.
فلا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم، ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل، فهو لا يخفى عليه مستتر، ولا يفوته هارب 44.
يتناول هذا المبحث بيان سُنة الله في الأخذ، فيظهر عدله ورحمته، فجل شأنه لا يؤاخذ بالنسيان والخطأ الغير متعمد، ولا يؤاخذ بأيمان اللغو، وإنما يؤاخذ الإنسان على ما كسب قلبه من عزم ونية، وعلى أيمانه المنعقدة، كما أنه تعالى لا يؤاخذ الإنسان إلا بعد إقامة الحجة عليه، وإزالة الأعذار، ولا يؤاخذ إلا بعد انتهاء الأجل المحدد، فيؤخرهم إلى أجل معلوم عنده ليحاسبهم، فيغفر لمن تاب وأناب، ويعذب من جحد وعاند.
أولًا: أسباب الأخذ:
1.يؤاخذ بالأيمان المنعقدة.
قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:89] .
بعد أن بينت الآية الكريمة أن الله عز وجل لا يؤاخذنا على اللغو في الأيمان؛ بينت أن الله يؤاخذنا على الأيمان المنعقدة، فقال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} فمعناه: يؤاخذكم ويحاسبكم على ما أكدتم من الأيمان، فمن قصد الأمر فحلف بالله وعقد على اليمين قلبه متعمدًا فعندها تلزم فيه الكفارة إذا حنث بإجماع، وكفارة حنث اليمين هي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.
والمُكفِر في اليمين مُخيَر بين هذه الثَلاث، فمن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام وهي الكفارة التي يعاد إليها في اليمين المعقودة عند عدم استطاعة الكفارات الأخرى، ثم أمر الله بحفظ الأيمان وذلك بمعنى لا تكثروا من الحلف، واحفظوها عن الحنث إذا لم يكن ما حلفتم عليه خيرًا، لئلا يذهب تعظيم اسم الله عن قلوبكم، يبين الله لكم آياته وشرائعه لعلكم تشكرون نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج 45.
«فعلى المؤمن أن يحترم عهد الله وميثاقه، ويعظم ذات الله وجلاله، فيبتعد عن كل مظاهر الإخلال بهيبة الله وقدسيته، وإذا حلف بالله تعالى وجب عليه صون يمينه إذا كان الأمر المحلوف عليه قربة أو طاعة، وجاز له مخالفة مقتضى اليمين بل يجب إذا كان المحلوف عليه معصية» 46.
2.يؤاخذ بما كسبت القلوب.
قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225] .
بعد أن بيَن الله عز وجل أنه تعالى لا يؤاخذ باللغو في اليمين، بَيَنَ تعالى أن المؤاخذة تكون على ما قصده القلب وعزمه، وكسب القلب هو العقد والنية، وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال، كما هي معتبرة في الأفعال.
والله غفور لمن حنث وكفر بيمينه، حليم حيث رخص لكم في ذلك ولم يعاقبكم، غفور لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر أنه لا يؤاخذكم عليها.
ولو شاء آخذهم وألزمهم للكفارة في العاجل والعقوبة عليها في الآجل.
حَلِيمٌ يعني في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة.
والحليم ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل ولا عصيان عاص ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحليم، إنما الحليم الصفوح مع القدرة على الانتقام المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة 47.
3.يؤاخذ بعد إقامة الحجة وإزالة العذر.
قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) } [النحل:106 - 109] .
أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به أن عليه غضبًا من الله، وذلك لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، ولهم عذاب عظيم في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة؛ لأجل الدنيا.
أولئك طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها، ولا أبصروا الآيات التي يستدل بها على الحق، فهم غافلون عما يراد بهم، فلا غفلة أعظم من غفلتهم هذه لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون.
وأما قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا لما أصابه من ضرب وأذى، ولكن قلبه يأبى ما يقول، بل مطمئن بالإيمان بالله ورسوله.
قال أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كَيْفَ تَجدُ قَلْبَكَ؟) قال: مطمئنًا بالإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإنْ عادُوا فَعُدْ) 48.
وقد أجمع العلماء على أنه من أكره على الكفر إكراهًا ملجيًا يجوز له أن يتلفظ بما أُكره عليه مطمئنًا قلبه بالإيمان بهذه الآية 49.
قال تعالى: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:209] .
يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه، من بعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنون، فاعلموا أن الله ذو عزة، غالب قادر على أنواع الانتقام، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكم أمره ومعصيتكم إياه دافع، وحكيم فيما يفعل بكم من عقوبته على معصيتكم إياه، بعد إقامته الحجة عليكم، وفي غيره من أموره، فهو لا ينتقم إلا بالحق 50.
قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:115] .
رتب الله عز وجل الثواب العظيم على الموافقة، كما رتب العقاب الشديد على المخالفة والمشاققة، ووكل المخالف إلى نفسه بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} أي: ومن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعانده فيما جاء به {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} بالدلائل القرآنية والبراهين النبوية، {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} وسبيلهم هو طريقهم في عقائدهم وأعمالهم {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} أي: نتركه وما اختاره لنفسه، ونخذله فلا نوفقه للخير، لكونه رأى الحق وعلمه وتركه، فجزاؤه من الله عدلًا أن يبقيه في ضلاله حائرًا ويزداد ضلالًا إلى ضلاله.
ويدل مفهومها على أن من لم يشاقق الرسول، ويتبع سبيل المؤمنين، بأن كان قصده وجه الله واتباع رسوله ولزوم جماعة المسلمين، ثم صدر منه من الذنوب أو الهم بها ما هو من مقتضيات النفوس، وغلبات الطباع، فإن الله لا يوليه نفسه وشيطانه بل يتداركه بلطفه، ويمن عليه بحفظه ويعصمه من السوء 51.
قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] .
هذه الآية فيها إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، سبحانه أعدل العادلين لا يعذب أحدًا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة، وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه، فسبحانه منزه عن الظلم، فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اختصمت الجنة والنار فذكر الحديث إلى أن قال: (وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأنه ينشئ للنار خلقًا فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ثلاثًا ... ) 52، فإن هذا إنما جاء في الجنة؛ لأنها دار فضل، وأما النار؛ فإنها دار عدل، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه 53.
4.يؤاخذ عند انتهاء الأجل المقدر.
قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) } [النحل: 61] .
لما حكى سبحانه عن القوم عظيم كفرهم بيَن أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة؛ إظهارًا للفضل والرحمة والكرم، فقال: ولو يؤاخذ الله الكفارَ بكفرهم ومعاصيهم ما ترك عليها، أي: على الأرض وإن لم يذكر فقد دل عليها ذكر الناس وذكر الدابة، فإن الجميع مستقرون على الأرض، لأهلك المباشرين للمعصية وغيرهم، من أنواع الدواب والحيوانات فإن شؤم المعاصي يهلك به الحرث والنسل، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى معلوم عنده وهو منتهى حياتهم وانقضاء أعمارهم أو أجل عذابهم، وفي هذا التأخير حكمة بالغة منها الإعذار إليهم وإرخاء العنان معهم، ومنها حصول من سبق في علمه من أولادهم فإذا جاء أجلهم الذي سماه لهم حقت عليهم كلمة الله سبحانه في ذلك الوقت من دون تقدم عليه ولا تأخر عنه، والساعة المدة القليلة، فليحذروا ما داموا في وقت الإمهال قبل أن يجيء الوقت الذي لا إمهال فيه 54.