فهرس الكتاب

الصفحة 1717 من 2431

وامتثالًا لمبدأ الشورى الذي أمر الله تعالى به في كتابه، في قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج لملاقاة العدو أو البقاء في المدينة، وكان رأيه صلى الله عليه وسلم ألا يخرج من المدينة، ووافقه عبد الله بن أُبَيٍّ والأكابر من الصحابة مهاجرهم وأنصارهم. وقال صلى الله عليه وسلم: (امكثوا في المدينة، واجعلوا النساء والذراري في الآطام فإن دخلوا علينا قاتلناهم في الأزقة، فنحن أعلم بها منهم، ونرميهم من فوق الصياصي والآطام) وكان هذا هو الرأي وبخاصة أن الصحابة قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية حتى صارت كالحصن. وقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرًا وطلبوا الشهادة وأحبوا لقاء العدو: اخرج بنا إلى عدونا.

وقال حمزة، وسعد بن عبادة والنعمان ابن مالك بن ثعلبة، في طائفة من الأنصار: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جُبْنًا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به، فساقه الله إلينا في ساحتنا 30.

وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارجًا من المدينة.

وتكلم مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وإياس بن أوس بن عتيك ورأوا الخروج للقتال.

فلما رأى صلى الله عليه وسلم ذلك، وأشار الكثيرون بالخروج من المدينة، ولم ينزل وحي محدد في هذا الأمر صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة بالناس فوعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا، ففرح الناس بالخروج من المدينة لقتال عدوهم، وكره صلى الله عليه وسلم ذلك المخرج إلا أنه وافقهم ونزل على رأيهم ما دام لم ينزل فيه وحي من الله تعالى 31.

«وظلت المدينة في حالة استنفار عام لا يفارق رجالها السلاح حتى وَهُم في الصلاة، استعدادًا للطوارئ.

وقامت مفرزة من الأنصار فيهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة بحراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يبيتون على بابه وعليهم السلاح.

وقامت على مداخل المدينة وأنقابها مفرزات تحرسها؛ خوفًا من أن يُؤخذوا على غِرَّة.

وقامت دوريات من المسلمين؛ لاكتشاف تحركات العدو تتجول حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين» 32.

ثم لبس النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس، وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لنا ذلك. فلما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله: استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل) ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه 33.

ثم قسم النبي صلى الله عليه وسلم جيشه إلى ثلاث كتائب:

1.كتيبة المهاجرين، وأعطى لواءها مصعب بن عمير.

2.كتيبة الأوس من الأنصار، وأعطى لواءها أسيد بن حضير.

3.كتيبة الخزرج من الأنصار، وأعطى لواءها الحباب بن المنذر.

وكان الجيش متألفا من ألف مقاتل، فيهم مائة دارع وخمسون فارسا، وقيل: لم يكن من الفرسان أحد، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة، وأذن بالرحيل، فتحرك الجيش نحو الشمال، وخرج السعدان أمام النبي صلى الله عليه وسلم يعدوان دارعين 34.

وحرض أصحابه على القتال، وحضهم على المصابرة والجلاد عند اللقاء، وأخذ ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه، حتى جرد سيفًا، وقال: (من يأخذ هذا السيف؟) فأخذه قوم فجعلوا ينظرون إليه، فقال: (من يأخذه بحقه؟) فأحجم القوم، فقال أبو دجانة سِمَاك: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق هام المشركين 35.

أولًا: موقف المنافقين في الغزوة:

كانت غزوة أحد فرصة للمنافقين ليمكروا بأهل الإيمان، لا سيما والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأي رأسهم عبد الله بن أبي، فاتخذها عَدُوُّ الله ذريعة لفعلته، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين شاور أصحابه في الخروج من المدينة للقاء عدوهم أو البقاء فيها ومقاتلتهم داخلها، وكان رأي ابنِ أُبَيٍّ هو البقاء في المدينة موافقًا في ذلك رأي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عند رأي الأغلبية، ولو كان ابن أُبَيٍّ مؤمنًا لتابع النبي صلى الله عليه وسلم كما تابعه أصحابه وشعروا بالندم؛ أنهم أكرهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان له هو وأصحابه موقفان:

الأول: رجوعه إلى المدينة مع أصحابه بعد أن خرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد بلغ مكانا يقال له الشوط، رجع بثلث الجيش وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم، عند ما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه 36.

وبالرغم من خطورة الموقف وحاجة المسلمين لهذا العدد؛ لقلة جيش المسلمين، وكثرة جيش قريش إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم تركهم وشأنهم ولم يعرهم أي اهتمام، واكتفى بفضح أمرهم أمام الناس.

وقد بين الله تعالى حال المنافقين ودورهم في هذه الغزوة فقال: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 167 - 168] .

يقول الطبري: «يعني تعالى ذكره بذلك عبد الله بن أُبي بن سلول المنافق وأصحابه، الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، حين سار نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين بأحد لقتالهم، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا عنا العدو بتكثيركم سوادنا! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتالٌ! فأبدوا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به» 37.

ثم بين الله حال إيمانهم بقوله: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} «يعني أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا، تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر» 38.

فهم غير صادقين في احتجاجهم بأنهم يرجعون؛ لأنهم لا يعلمون أن هناك قتالًا سيكون بين المسلمين والمشركين. فلم يكن هذا هو السبب في حقيقة الأمر، وإنما هم: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} فقد كان في قلوبهم النفاق، الذي لا يجعلها خالصة للعقيدة، وإنما يجعل أشخاصهم واعتباراتها فوق العقيدة واعتباراتها 39.

ولما حصل من ما حصل من جراحات وشهداء في صفوف أهل الإيمان، أخذ المنافقون يبرئون أنفسهم من أن يكونوا سببا فيما أصاب المسلمين من آلام، وأن الذين تسببوا في ذلك هم غيرهم، قال تعالى مبينا حال هذه الطائفة: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] .

ومعنى {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي: حدثتهم أنفسهم بما يدخل عليهم الهم، وذلك بعدم رضاهم بقدر الله، وبشدة تلهفهم على ما أصابهم وتحسرهم على ما فاتهم مما يظنونه منجيا لهم لو عملوه أي: من الندم على ما فات، وإذ كانوا كذلك كانت نفوسهم في اضطراب وتحرق يمنعهم من الاطمئنان ومن المنام، وهذا كقوله الآتي: {لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 156] 40.

«وهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان، ومن هؤلاء كانت تلك الطائفة الأخرى التي يتحدث عنها القرآن في هذا الموضع، طائفة الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم، فهم في قلق وفي أرجحة، يحسون أنهم مضيعون في أمر غير واضح في تصورهم، ويرون أنهم دفعوا إلى المعركة دفعًا ولا إرادة لهم فيها، وهم مع ذلك يتعرضون للبلاء المرير، ويؤدون الثمن فادحًا من القتل والقرح والألم وهم لا يعرفون الله على حقيقته، فهم يظنون بالله غير الحق، كما تظن الجاهلية. ومن الظن غير الحق بالله: أن يتصوروا أنه سبحانه مضيعهم في هذه المعركة، التي ليس لهم من أمرها شيء، وإنما دفعوا إليها دفعًا؛ ليموتوا ويجرحوا، والله لا ينصرهم ولا ينقذهم إنما يدعهم فريسة لأعدائهم» 41.

{يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} الاستفهام؛ للإنكار بمعنى: النفي، وهم يريدون بهذا القول تبرئة أنفسهم من أن يكونوا سببا فيما أصاب المسلمين من آلام يوم أحد، وأن الذين تسببوا في ذلك هم غيرهم، فأساؤوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه، وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله، وأن هذه الهزيمة هي الفيصلة والقاضية على دين الله. وذلك أن عبد الله بن أبي لما استشاره النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الخروج لقتال المشركين في أحد أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لقتال المشركين بناء على إلحاح بعض الصحابة فلما أخبر ابن أُبَيٍّ بمن قتل من الخزرج قال: هل لنا من الأمر من شيء؟ يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل قوله حين أشار عليه بعدم الخروج من المدينة 42.

وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على هؤلاء المنافقين الظانين بالله ظن الجاهلية بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} ، أي: ليس لكم ولا لعدوكم منه شيء، فالنصر بيده والظفر منه 43.

وبين الله حال المنافقين أنهم: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} أي: يخفون في أنفسهم ما لا يستطيعون إظهاره أمامك.

وفي الذي أخفوه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} .

الثاني: أنه إسرارهم الكفر، والشك في أمر الله.

الثالث: الندم على حضورهم مع المسلمين بأحد 44.

فهم يريدون تبرئة أنفسهم مما نزل بالمسلمين من ابتلاء في غزوة أحد، وأنهم لو كان لهم رأي مطاع لبقوا في المدينة ولم يخرجوا منها لقتال المشركين.

وأن التبعة في كل ما جرى في هذه الغزوة يتحملها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين كانوا هم السبب وألحوا عليه في الخروج لقتال المشركين، خارج المدينة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لو كانوا على الحق لانتصروا.

فرد الله عليهم بقوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} أي: لو كنتم قاعدين في بيوتكم لم يكن بد من خروج من كتب عليه القتل إلى هذه المصارع التي صرعوا فيها، فإن قضاء الله لا يرد 45.

وقوله: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي: يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر 46.

وهكذا افتضح المنافقون في هذه الغزوة، فإنهم قبل أحد لم يفتضحوا، ولم ينكشف نفاقهم بهذه الصورة من قبل، ولو بقي هؤلاء في صف المسلمين، لكانت النكبة بهم أعظم، والمصاب أشد، ولكن أراد الله برحمته تخليص صفوف المؤمنين من هؤلاء قبل المعركة الذين قد يكون بقاؤهم داخل جيش المسلمين عامل من عوامل تحطيمه؛ إذ لا يبعد أن يميلوا على المسلمين ساعة احتدام المعركة، ويعلنوا انضمامهم لجيش المشركين، فمن فضل الله تعالى ورحمته بأوليائه أن كشف نوايا أهل النفاق وهم في منتصف الطريق، فكان رجعوهم بمثابة التصفية للجيش الإسلامي، وتطهيره من عناصر الخذلان والنفاق؛ ليلقى المسلمون عدوهم وهم وحدة متماسكة كالبنيان المرصوص.

ثانيًا: موقف الطائفتين اللتين همتا بالفشل:

في أثناء سير الجيش الإسلامي انسحب زعيم المنافقين عبد الله بن أُبي بن سلول بثلث الجيش، فأثر ذلك في نفسية بعض المسلمين، وراود قلوبهم الفشل والضعف، وبين الله تعالى ذلك بقوله: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122] .

قال الطبري رحمه الله: «ولا خلاف بين أهل التأويل أنه عنى بالطائفتين: بنو سلمة وبنو حارثة، ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد» 47.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: (فينا نزلت: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} بنو سلمة وبنو حارثة، وما نحب أنها لم تنزل؛ لقول الله عز وجل: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ) 48.

قال ابن حجر رحمه الله: «قوله: نزلت هذه الآية فينا، أي: في قومه بني سلمة، وهم من الخزرج، وفي أقاربهم بني حارثة، وهم من الأوس، قوله: وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ، أي: إن الآية وإن كان في ظاهرها غض منهم لكن في آخرها غاية الشرف لهم» 49.

وكان همهما الذي هما به من الفشل، الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حين انصرف عنهم عبد الله بن أُبي بن سلول بمن معه؛ جبنًا منهم، من غير شك منهم في الإسلام ولا نفاق، فعصمهم الله مما هموا به من ذلك، ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجهه الذي مضى له، وتركوا عبد الله بن أُبي بن سلول والمنافقين معه، فأثنى الله عز وجل عليهما بثبوتهما على الحق، وأخبر أنه وليهما وناصرهما على أعدائهما من الكفار، ومعنى قوله: {أَنْ تَفْشَلَا} ، أي: هما أن يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوهما 50.

فتولى الله أمرهما، وحفظهما مما كانا قد هما به، وهو الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين يوم أحد، وأن ذلك الهم لم يخرجهما من ولاية الله لهما.

قال الزمخشري: «والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية» 51.

قال: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} أي: بولايته الخاصة، التي هي لطفه بأوليائه، وتوفيقهم لما فيه صلاحهم وعصمتهم عما فيه مضرتهم، فمن توليه لهما أنهما لما هما بهذه المعصية العظيمة وهي: الفشل والفرار عن رسول الله عصمهما، لما معهما من الإيمان كما قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] 52.

وهذه الآية تربية لأهل الإيمان، فقد بينت لهم أن الله مطلع على أعمالهم أثناء خروجهم إلى غزوة أحد، كما أرشدهم سبحانه إلى التوكل عليه، فدخول أرض المعركة ليس بالأمر الهين، بل يحتاج إلى صبر ومصابرة، وقوة وعزيمة وتوكل على الله سبحانه.

ثالثًا: موقف المؤمنين في الغزوة:

بين الله سبحانه ما حدث للمؤمنين في غزوة أحد، وذكر انتصارهم على عدوهم في بداية المعركة، ثم ذكر إصابتهم بالجراحات بسبب فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم.

قال سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] .

أي: «ولقد وفى الله لكم، أيها المؤمنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما وعدكم من النصر على عدوكم بأحد، حين {تَحُسُّونَهُمْ} ، يعني: حين تقتلونهم» 53.

وقوله: {بِإِذْنِهِ} ، فإنه يعني: بحكمي وقضائي لكم بذلك، وتسليطي إياكم عليهم 54.

قال محمد بن كعب القرظي: «لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} الآية إلى قوله: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} يعني: الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أحد» 55.

ولما تحول الموقف في المعركة فر الكثير من المسلمين من ميدان القتال، وانتحى بعضهم جانبا فجلس دون قتال، في حين آثر آخرون الموت بعد أن شاع خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، منهم أنس بن النضر رضي الله عنه، قال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، -يعني المشركين- ثم تقدم) ، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: (يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد) ، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس: (كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] إلى آخر الآية) 56.

ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الالتفاف حوله، وقد سجل القرآن الكريم ذلك في قوله: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153] .

والإصعاد: السير في مستوٍ من الأرض وبطون الأودية والشعاب. والصعود: الارتفاع على الجبال والسطوح والسلاليم والدرج 57.

عن السدي قال: لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: (إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله!) فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء نبي الله صلى الله عليه وسلم إياهم، فقال: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت