قال: فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 67 - 69] . فأحل الله الغنيمة لهم) 121.
وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لما كان يوم بدر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟) فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم، واستأن بهم؛ لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك وكذبوك، قربهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديًا كثير الحطب، فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم نارًا، قال: فقال العباس: قطعت رحمك! قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئًا، قال: فقال ناسٌ: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناسٌ: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، قال: فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام، قال: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36] .
ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] .
وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] .
وإن مثلك يا عمر كمثل موسى، قال: {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88] .
أنتم عالةٌ فلا ينفلتن منهم أحدٌ إلا بفداء، أو ضربة عنق) . قال عبد الله: فقلت: يا رسول الله إلا سهيل ابن بيضاء، فإني قد سمعته يذكر الإسلام، قال: فسكت رسول الله، قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء في ذلك اليوم حتى قال: (إلا سهيل بن بيضاء) . قال: فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67] 122.
ب. في معركة أحدٍ: في السنة الثالثة من الهجرة النبوية في شهر شوال كانت غزوة أحد؛ وذلك أن قريشًا أرادت الثأر لقتلاها واستعادة هيبتها التي اهتزت وسقطت في معركة بدر، كما أرادت تأمين طريقها التجاري إلى بلاد الشام، فبدأت بالاستعداد لمحاربة المسلمين، وجمعت قواتها، وسارت حتى وصلت إلى مشارف المدينة النبوية، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
وهنا بدأ عليه الصلاة والسلام باستشارة أصحابه في الموقف، وما الذي ينبغي فعله أمام هذا الخطر القائم القادم؟ وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أمام هذه المشورة صنفين:
الأول: متحمس للخروج لملاقاة العدو خارج المدينة، وبخاصة من فاتهم شرف الحضور في معركة بدر.
والثاني: رأى أن يبقى في المدينة متحصنًا مدافعًا عنها إذا دهمها الأعداء، فإن ذلك يقلل خسائر المسلمين، ويوقع الخسارة بالأعداء 123.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ فبادر جماعة من فضلاء الصحابة -ممن فاته الخروج يوم بدر- إلى الإشارة بالخروج إليهم، وألحوا عليه صلى الله عليه وسلم في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بن سلول بالمقام بالمدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة» 124.
ج. وفي غزوة الخندق: وكانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين، وفيها تحالفت القوى اليهودية وأهل الشرك والوثنية من القبائل العربية، وتآمرت على الإسلام والمسلمين، وعلى نبيهم الكريم، وفي هذه الغزوة نذكر موقفين استشار فيهما النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه:
1.قبل المعركة: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسير الأحزاب إليه، استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندقٍ يحول بين العدو وبين المدينة، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادر إليه المسلمون، وعمل بنفسه فيه، وبادروا هجوم الكفار عليهم، وكان في حفره من آيات نبوته، وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به 125.
2.وفي أثناء المعركة: نقضت قريظة العهد الذي بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بني قريظة، ونقضهم للعهد، وأقام المشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا، ولم يكن بينهم قتالٌ لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين؛ ولما طالت هذه الحال على المسلمين، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصالح عيينة بن حصنٍ، والحارث بن عوف رئيسي غطفان، على ثلث ثمار المدينة، وينصرفا بقومهما، وجرت المفاوضة على ذلك، وفي رواية أنهم كتبوا كتاب الصلح على ذلك، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، فاستشار السعدين (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) في ذلك، فقالا: (يا رسول الله؛ إن كان الله أمرك بهذا، فسمعًا وطاعة، وإن كان شيئًا تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرًى أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف، فصوب رأيهما، وقال:(إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة) فشق الصحيفة، وقال: (اذهبوا لا نعطيكم إلا السيف) 126.
ونحن هنا أمام لون جديد من الشورى والمشاورة في العهد النبوي، فلئن كانت الأمثلة السابقة في النقطة الأولى تشير إلى الشورى في الأمور العامة وقت الحرب والتدبير العسكري، فإننا في هذه النقطة أمام مثال آخر يقع في مجال الأمور الشخصية والبيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، استشار فيه النبي عليه الصلاة والسلام أقاربه وخاصته من الرجال والنساء، في فراق عائشة رضي الله عنها لما قال فيها أهل الإفك ما قالوا 127.
ثم استشار أصحابه بعامة في التصرف مع الذين أشاعوا قالة السوء، وحديث الإفك والبهتان.
قال الإمام البخاري رحمه الله في حديث عائشة: (فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة ابن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله، قالت عائشة رضي الله عنها: فأما أسامة ابن زيدٍ فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدقك.
قالت عائشة: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: (أي بريرة! هل رأيت عليها من شيء يريبك؟) قالت بريرة: لا، والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا أغمصه -أعيبه- عليها أكثر من أنها جاريةٌ حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال -وهو على المنبر-: (يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي) .
فقام سعد بن معاذٍ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا، ففعلنا أمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعدٍ: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد، فقال لسعد ابن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت.
قالت عائشة: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي -وقد بكيت ليلتين ويومًا لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع- يظنان أن البكاء فالق كبدي.
قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني، فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: (أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله تاب الله عليه) .
قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقال أبو بكر: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن-: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر -والله يعلم أني منه بريئة- لتصدقني! والله ما أجد لكم مثلًا إلا قول أبي يوسف قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .
قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا حينئذٍ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها.
قالت: فو الله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي، فكانت أول كلمة تكلم بها: (يا عائشة أما الله عز وجل فقد برأك، وأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النور: 11 - 20] ) 128.
ثالثًا: الاتصال الفردي بأهل الاختصاص:
وإذا كانت تلك الوقائع في مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه تنصب على الوقائع العسكرية والاجتماعية أو الشخصية الخاصة، شاور فيها من حضر منهم، أو استطلع آراء الجماعة في أمر من الأمور، أو رأي أفراد يمثلون الجماعة ويعبرون عن رأيها وموقفها.
ومن جهة أخرى: فيها ما هو مشاورة ابتداءً طلب فيها النبي عليه الصلاة والسلام منهم إبداء الرأي، وفيها ما هو قبول للرأي الذي أبداه بعضهم في قضية من القضايا قبل أن يطلب منهم ذلك، أو دون أن يطلبه فإن هذا المطلب يلمح إلى طريقة في الشورى تقوم على الاتصال ببعض الأفراد من أهل الرأي والشورى أو من أهل الاختصاص أو الدراية، ويمكن أن نلمح ذلك في تلك الوقائع نفسها، وفي وقائع أخرى غيرها.
ففي الوقائع السابقة نجد مثلًا لذلك في استشارة النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما في مفارقة أهله لما قال فيها أهل الإفك ما قالوا واستلبث الوحي، فأشار كل واحد منهما بما يرى، كما تقدم آنفًا، حيث أشار عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يفارقها ويأخذ غيرها، تلويحًا لا تصريحًا. وأشار عليه أسامة بن زيدٍ رضي الله عنه بإمساكها وألا يلتفت إلى كلام الأعداء، وسأل الجارية بريرة: (هل رأيت عليها من شيء يريبك؟) فقالت: لا، والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرًا أعيبه عليها أكثر من أنها جاريةٌ حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله 129.
وفي معركة بدر: تقدم من رواية الواقدي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سار حتى نزل عشيًا أدنى ماءٍ من مياه بدر إلى المدينة، فقال:(أشيروا علي في المنزل) فأشار عليه الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله، أنا عالمٌ بها وبآبارها! إن رأيت أن نسير إلى آبارٍ قد عرفناها، فهي كثيرة الماء عذبة، فننزل عليها، ونسبق القوم إليها ونغور ما سواها من المياه، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيه هذا) 130، فإن الحباب صاحب علم ورأي في هذا الأمر، فهو من أهل الاختصاص فيه.
وفي غزوة الخندق: لما أراد عليه الصلاة والسلام أن يصالح قبيلة غطفان على الانصراف عن الأحزاب مقابل ثلث ثمار المدينة لذلك العام، استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما وهما سيدا الأوس والخزرج، فكانا يعبران عن رأي قومهما، ولم يأخذ عليه الصلاة والسلام رأي الأنصار جميعًا أو فردًا فردًا.
ففي كل هذه الأمثلة والوقائع استشار النبي صلى الله عليه وسلم أفرادًا من أهل الاختصاص، أو من خاصته صلى الله عليه وسلم، أو هم الذين يعنيهم الأمر مباشرة، في أنفسهم أو فيمن ينوبون عنه، فكان ذلك لونًا من ألوان الشورى وتطبيقاتها في عهد النبوة.
رابعًا: انتخاب نقباء ممثلين للمتشاور معهم:
قد تقتضي الشورى أن يؤخذ رأي ممثلين للأمة أو الجماعة، وتدعو لذلك مصلحة تحقيق الغاية من الشورى ومعرفة الرأي للقوم على الوجه الصحيح دون تأثيرات أو دون عوامل قد تجعل إبداء الرأي لا يعبر عن إرادة حرة، فيكون من الحكمة أن يؤخذ الرأي عن طريق ممثلين للجماعة، وهم العرفاء أو النقباء الذين تختارهم الجماعة ليمثلوها، فيستطلعون رأيها على الحقيقة، ثم ينقلونه لمن يطلب الشورى.
فقد أخرج الإمام البخاري عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال:(إن معي من ترون، وأحب الحديث إليً أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما المال وإما السبي، وقد كنت استأنيت بهم) وكان النبي صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم غير رادٍ إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد؛ فإن إخوانكم جاؤونا تائبين، وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل) فقال الناس: طيبنا ذلك، قال: (إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم) فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم طيبوا) 131.
والشورى في هذه الواقعة وبهذه الطريقة تدل على ما أومأنا إليه، كما تدل أيضًا على أن الشورى قد تتسع حتى تعم الأفراد لسعة الوقت ولكون الأمر يتعلق بحقٍ فردي، فلا بد من رضا كل فرد، وليس لولي الأمر أن يخرج شيئًا من يد أحد من أفراد الرعية إلا بحقه 132.
خامسًا: تعيين هيئة الشورى:
قد تتطور تلك التطبيقات التي ألمح البحث إليها، وقد تترقى الوسائل والأساليب أو الآليات تلبية لحاجة مستجدة أو تحقيقًا للمصلحة، فيكون هذا كله سببًا لتنظيم الشورى بإنشاء هيئة أو مجلس يمارس القيام بهذا المبدأ، ويسمى مثلًا «مجلس الشورى» 133.
ويمكن أن يدل على إنشاء هذا المجلس وتكوينه قوله تبارك وتعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] .
يفهم منه بطريق الإشارة إيجاد طائفة من الأمة تمثلها وتستشار في أمرها؛ لأن تنفيذ الأمر ومشاورة الأمة يستلزم ذلك 134؛ إذ إن إعراب الأمة عن رأيها في كل حادثة أمرٌ غير ممكن، فينتقل الأمر إلى ممثلين عنها تختارهم لهذه الغاية 135.
وهذه الطائفة التي تمثل الأمة وتستشار في أمرها يمكن أن يطلق عليها «مجلس الشورى» أو «هيئة الشورى» أو غيرهما من الأسماء، ولم يكن هذا المجلس بصفته وتكوينه المعروف في عصرنا الحاضر، لم يكن بهذا الوضوح وهذه الصفة.
موضوعات ذات صلة:
الجهاد، الحكم، السياسة، العزم
1 مقاييس اللغة 3/ 226.
وانظر: الصحاح، الجوهري 1/ 372، لسان العرب، ابن منظور 4/ 434، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 438.
2 المفردات ص 469 - 470.
3 أحكام القرآن 4/ 91.
4 الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي ص 14.
5 مبدأ الشورى في الشريعة الإسلامية ص 8.
6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 391، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الشين ص 676.
7 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/ 226 - 227، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1/ 499، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 2/ 303.
8 مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب ص 149.
9 منهاج الإسلام في الحكم، تعريب منصور محمد ماضي ص 47 - 48.
10 انظر: المصدر السابق ص 48.
11 انظر: الموسوعة العربية العالمية، مؤسسة أعمال الموسوعة 1/ 723.
12 الاستفتاء الشعبي بين الأنظمة الوضعية والشريعة الإسلامية، ماجد راغب الحلو ص 9.
13 انظر: المصدر السابق ص 9 - 10.
14 انظر: الاستفتاء الشعبي، ماجد راغب الحلو ص 171 - 175.
15 انظر: الموسوعة العربية العالمية 1/ 717.
16 انظر: المصدر السابق 1/ 718.
17 توخى الأمر: تحراه وقصده ويممه، ثم تقلب واوه ألفًا فيقال: تأخيت الأمر.