فهرس الكتاب

الصفحة 1191 من 2431

والمعنى: سيروا في الأرض لتعرفوا أحوال أولئك الأمم، وتفكروا في أنهم كيف أهلكوا لما كذبوا الرسل وعاندوا، فتعرفوا صحة ما توعظون به، وفي السير في الأرض، والسفر في البلاد، ومشاهدة تلك الآثار الخاوية على عروشها تكملة للاعتبار، وتقوية للاستبصار 158.

كما حض الله سبحانه على رؤية ما حل بالأمم السابقة وأخذ العبرة من ذلك، فقال سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) } [الأنعام:6] 159.

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتي، الجاحدون نبوتك، كثرة من أهلكت من قبلهم من القرون، وهم الأمم الذين وطأت لهم البلاد والأرض توطئة لم أوطئها لهم، وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم؟» 160.

والقرن الأمة من الناس، والجمع القرون 161، وقيل: القرن مدة أغلب أعمار الناس وهي سبعون سنة، وقيل: ثمانون، {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي: لم يغن ذلك عنهم شيئًا، وأحدثنا من بعدهم قرنًا آخرين بدلًا منهم، والمعنى: أنه سبحانه وتعالى كما قدر على أن يهلك من قبلكم كعاد وثمود، وينشئ مكانهم أقوامًا يعمر بهم بلاده، يقدر أن يفعل ذلك بكم 162.

وقد بين الله تعالى أن قوة وشدة الأمم السابقة لم تمنع عنهم الهلاك، ولم تكن قوتهم وعمارتهم للأرض وقاية لهم من ذلك.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) } [الروم:9] .

وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) } [غافر:21] .

وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) } [غافر:82] .

والمعنى: أولم يسر هؤلاء المكذبون بالله، الغافلون عن الآخرة في البلاد التي يسلكونها للتجارة ونحوها، فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة، كيف كان عاقبة أمرها في تكذيبها رسلها، فقد كانوا أشد منهم قوة.

{وَأَثَارُوا الْأَرْضَ} أي: استخرجوا الأرض، وحرثوها وعمروها أكثر مما عمرها هؤلاء، فأهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم رسلهم، فلم يقدروا على الامتناع، مع شدة قواهم مما نزل بهم من عقاب الله، ولا نفعتهم عمارتهم ما عمروا من الأرض، فأحل الله بهم بأسه، وعلل ذلك الهلاك بقوله: {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، وجحودهم آياته، {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بمعصيتهم ربهم 163.

وفي الآيات تقرير لسيرهم في البلاد، ونظرهم إلى آثار المدمرين من عاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية ثم وصف حالهم فقال: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ} وحرثوها {وَعَمَرُوهَا} أي: المدمرون {أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} أي: من عمارة أهل مكة وغيرهم 164.

ومع السير في الأرض للاعتبار بهلاك الأمم السابقة بين تعالى أن الآخرة خير للمتقين.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) } [يوسف:109] .

والمعنى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من المكذبين بالرسل والآيات فيحذروا تكذيبك، أو من المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها، فيقلعوا عن حبها، ولدار الآخرة أي: الحياة الآخرة، {خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} الشرك والمعاصي، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أي: يستعملون عقولهم ليعرفوا أنها خير 165.

وقد بين الله تعالى أن للكافرين مثل ذلك الهلاك الذي حل بالأمم السابقة: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) } [محمد:10] .

يقول: وللكافرين من قريش المكذبي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب العاجل، أمثال عاقبة تكذيب الأمم الذين كانوا من قبلهم رسلهم على تكذيبهم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم 166.

والمعنى: فينظروا كيف كان عاقبة الكافرين الذين من قبلهم {دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي: أهلكهم الله {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} أي: أمثال تلك العاقبة، فأهلك الله عز وجل بالسيف من أهلك ممن صد عن النبي صلى الله عليه وسلم 167.

ومن الاعتبار في هلاك الأمم السابقة أنهم لا يرجعون إلى الدنيا.

قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) } [يس:31 - 32] .

قال السعدي: «يقول تعالى: ألم ير هؤلاء ويعتبروا بمن قبلهم من القرون المكذبة، التي أهلكها الله تعالى وأوقع بها عقابها، وأن جميعهم قد باد وهلك، فلم يرجع إلى الدنيا، ولن يرجع إليها، وسيعيد الله الجميع خلقًا جديدًا، ويبعثهم بعد موتهم، ويحضرون بين يديه تعالى، ليحكم بينهم بحكمه العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة» 168.

وبعد أن ذكر أنه أهلكهم وبين طريق ذلك، أعقب هذا بأن لهم حسابًا وعقابًا فقال: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} أي: وإن جميع الأمم ماضيها وحاضرها وآتيها ستحضر يوم القيامة بين يدى الله، فيجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها، ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة له، والخلاصة: إن الناس يجمعون للحساب والجزاء، ويوفى كل عامل جزاء عمله من خير أو شر 169.

في الآخرة يعرف العباد مصيرهم، ويرون ثواب أعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

وسيكون حديثنا في هذا المبحث في النقاط الآتية:

أولًا: رؤية ثواب الأعمال الصالحة:

بين الله تعالى رؤية ثواب الأعمال الصالحة في قوله: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) } [الزلزلة:6] .

يقول: يومئذ يصدر الناس أشتاتًا متفرقين، عن اليمين وعن الشمال، ليروا أعمالهم، فيرى المحسن في الدنيا المطيع لله عمله، وما أعد الله له يومئذ من الكرامة على طاعته إياه كانت في الدنيا، ويرى المسيء العاصي لله عمله وجزاء عمله، وما أعد الله له من الهوان والخزي في جهنم على معصيته إياه كانت في الدنيا، وكفره به 170.

وقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) } [الزلزلة:7] .

يقول: فمن عمل في الدنيا وزن ذرة من خير، يرى ثوابه هنالك 171.

قال ابن عباس رضي الله عنه: «من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرًا يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة» 172.

وهذه الآية كقوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) } [آل عمران:30] .

والمعنى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ} في الدنيا من خير {مُحْضَرًا} يعني: تجد ثوابه حاضرًا، ولا ينقص من ثواب عمله شيء، {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} يعني: من شر في الدنيا {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} يعني: تتمنى النفس أن تكون بينها، وبين ذلك العمل أجلًا بعيدًا، كما بين المشرق والمغرب، ولم تعمل ذلك العمل قط، ثم قال: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} أي: عقوبته في عمل السوء، {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} قال ابن عباس: يعني: بالمؤمنين خاصة، وهو رحيم بهم» 173.

والخير: اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة صغيرها وكبيرها، كما أن السوء اسم جامع لكل ما يسخط الله من الأعمال السيئة صغيرها وكبيرها {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} أي: مسافة بعيدة، لعظم أسفها وشدة حزنها، فليحذر العبد من أعمال السوء التي لا بد أن يحزن عليها أشد الحزن 174.

وأسند الإحضار إلى النفوس لأنها الفاعلة للأعمال التي يظهر جزاؤها يومئذ، فهذا الإسناد من إسناد فعل الشيء إلى سبب فعله، فحصل هنا مجازان: مجاز لغوي ومجاز عقلي، وحقيقتهما في قوله تعالى: {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها حاصلة عند حصول مجموع الشروط التي ذكرت في الجمل الثنتي عشرة، لأن بعض الأحوال التي تضمنتها الشروط مقارن لحصول علم النفوس بأعمالها، وهي الأحوال الستة المذكورة أخيرًا، وبعض الأحوال حاصل من قبل بقليل، وهي الأحوال الستة المذكورة أولًا 175.

ثانيًا: رؤية جزاء الأعمال السيئة:

إن ثواب الأعمال السيئة هي الجحيم، وقد أخبر سبحانه أنها تبرز لمن يرى.

قال تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) } [النازعات:36] .

قال مقاتل: يكشف عنها الغطاء، فينظر إليها الخلق 176، والحكمة في إظهار الجحيم هو مشاهدة الكفار مكان عقوبتهم، وليعلم المؤمنون من أي عذاب نجوا 177.

ومثلها قوله تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) } [التكاثر:5 - 7] .

هذا تفسير الوعيد المتقدم في قوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) } [التكاثر:3 - 4] .

توعدهم بهذا الحال، وهي رؤية أهل النار إذا زفرت زفرة واحدة خر كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال 178.

أي: إن دار العذاب التي أعدت لمن يلهو عن الحق لا ريب فيها ولترونها بأعينكم، فاجعلوا صورة عذابها حاضرة في أذهانكم، لتنبهكم إلى ما هو خير لكم مما تلهون به.

والمراد برؤية الجحيم: ذوق عذابها، وهذا استعمال شائع في الكتاب الكريم، ثم كرر ذلك للتأكيد فقال: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) } [التكاثر:7] أي: لترونها رؤية هي اليقين نفسه، إلى أي دين أو إلى أي شخص كانت نسبتكم، فلتتقوا الله ربكم، ولتنتهوا عما يقذف بكم فيها، ولتنظروا إلى ما أنتم فيه من نعمة، ولترعوا حق الله فيها، فاستعملوها فيما أمر أن تستعمل فيه، ولا تجترحوا السيئات وتقترفوا المنكرات، إنكم لتمنون أنفسكم بأنكم ممن يعفو الله عنهم، ويزحزحهم من النار بمجرد نسبتكم إلى الدين الإسلامي وتلقيبكم بألقابه، مع مخالفتكم أحكام القرآن، وعملكم عمل أعداء الإسلام 179.

قال الرازي: «في تكرار الرؤية وجوه: أحدها: أنه لتأكيد الوعيد أيضًا، لعل القوم كانوا يكرهون سماع الوعيد، فكرر لذلك، ونون التأكيد تقتضي كون تلك الرؤية اضطرارية، يعني: لو خليتم ورأيكم ما رأيتموها، لكنكم تحملون على رؤيتها شئتم أم أبيتم، وثانيها: أن أولهما الرؤية من البعيد: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) } [الفرقان:12] .

وقوله: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) } [النازعات:36] .

والرؤية الثانية إذا صاروا إلى شفير النار، وثالثها: أن الرؤية الأولى عند الورود، والثانية عند الدخول فيها، قيل: هذا التفسير ليس بحسن؛ لأنه قال: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ} والسؤال يكون قبل الدخول، ورابعها: الرؤية الأولى للوعد، والثانية المشاهدة، وخامسها: أن يكون المراد {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} غير مرة، فيكون ذكر الرؤية مرتين عبارة عن تتابع الرؤية واتصالها؛ لأنهم مخلدون في الجحيم، فكأنه قيل لهم: على جهة الوعيد، لئن كنتم اليوم شاكين فيها غير مصدقين بها فسترونها رؤية دائمة متصلة، فتزول عنكم الشكوك، فإن قيل: ما فائدة تخصيص الرؤية الثانية باليقين؟ قلنا: لأنهم في المرة الأولى رأوا لهبًا لا غير، وفي المرة الثانية رأوا نفس الحفرة وكيفية السقوط فيها وما فيها من الحيوانات المؤذية، ولا شك أن هذه الرؤية أجلى، والحكمة في النقل من العلم الأخفى إلى الأجلى التفريع على ترك النظر؛ لأنهم كانوا يقتصرون على الظن، ولا يطلبون الزيادة» 180.

ورؤية ثواب الأعمال في الآخرة قد سبقه الإنذار بذلك.

قال تعالى: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40) } [النبأ:40] .

فقوله: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} يعني: العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب.

{يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} يعني: أن كل أحد يرى عمله في ذلك اليوم، ما قدم من خير وشر مثبتًا عليه في صحيفته، فيرجو ثواب الله على صالح عمله، ويخاف العقاب على سوء عمله، وأما الكافر فإنه يقول: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} .

قال الحسن: إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة، فقضى بين الثقلين الجن والإنس، وأنزلهم منازلهم، قال لسائر الخلق: كونوا ترابًا، فكانوا ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا 181.

ورؤية ثواب الأعمال الصالحة، وثواب الأعمال السيئة يكون بعد رؤية ما كسبه الإنسان في الدنيا.

قال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) } [النجم:39 - 41] .

كما قال تعالى في بدو سيئات ما كسب الكافرون: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48) } [الزمر:48] .

أي: أنه ظهر للكافرين ما كانوا يعملون من سيئات، وانكشف لهم وجهها القبيح الذي ينادى عليهم بالويل والثبور {وَحَاقَ بِهِمْ} أي: حل وأحاط بهم، هذا اليوم الذي كانوا يستهزئون به، وينكرون أن يكون واقعًا أبدًا 182.

ورؤية ثواب الأعمال يقوم على ميزان العدل الإلهي، وقد أوضح هذا المعنى في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) } [يونس:44] .

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) } [النساء:40] .

وقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) } [الأنبياء:47] .

والآيات بمثل ذلك كثيرة 183.

يترتب على السعي في الحياة الدنيا رؤية العمل وثوابه، كما يترتب على ذلك رؤية النعيم، ورؤية العذاب، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: رؤية النعيم:

ذكر الله تعالى رؤية النعيم في قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) } [الإنسان:19 - 21] .

والنعيم: سائر ما يتنعم به 184، والملك الكبير هو كما قال ابن كثير: «وإذا رأيت يا محمد الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة والسرور رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا، أي: مملكة لله هناك عظيمة وسلطانًا باهرًا، وثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا إليها: (إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها) 185.

فإذا كان هذا عطاءه تعالى لأدنى من يكون في الجنة، فما ظنك بما هو أعلى منزلة وأحظى عنده تعالى؟» 186.

وقال المراغي: « {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} أي: وإذا نظرت في الجنة رأيت نعيمًا عظيمًا وملكًا كبيرًا لا يحيط به الوصف.

وقد اختلفوا في المراد من هذا الملك الكبير، فقيل: إن أدناهم منزلة من ينظر ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه، كما يرى أدناه، وقيل: هو استئذان الملائكة عليهم، فلا يدخلون إلا بإذنهم، وقيل: هو الملك الدائم الذي لا زوال له، ولم يجئ في الأخبار الصحيحة ما يفسر هذا الملك الكبير، فأولى بنا أن نؤمن به ونترك تفصيله إلى علام الغيوب» 187.

ومن رؤية النعيم رؤية الولدان المخلدون في قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) } [الإنسان:19] .

والمعنى: «إذا رأيت يا محمد هؤلاء الولدان مجتمعين أو مفترقين، تحسبهم في حسنهم، ونقاء بياض وجوههم وكثرتهم، لؤلؤًا مبددًا، أو مجتمعًا مصبوبًا» 188.

ثانيًا: رؤية العذاب:

أخبر تعالى أن الظالمين يرون العذاب يوم القيامة في آيات من كتابه الكريم، منها قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) } [البقرة:165 - 166] .

تقدير الكلام في الآية: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعًا، أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه 189.

والمعنى: ولو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها بالشرك، وظلم الناس وغشهم، بحملهم على أن يحذو حذوهم، ويتخذوا الأنداد مثلهم، حين يرون العذاب في الآخرة، فتقطع بهم الأسباب، ولا تغني عنهم الأنداد والأرباب، أن القوة لله وحده، بها يتصرف في كل موجود، لعلموا أن هذه القوة التي تدبر عالم الآخرة هي عين القوة التي تدبر عالم الدنيا، وأنهم كانوا ضالين حين لجئوا إلى سواها، وأشركوا معها غيرها، وكان ذلك منشأ عقابهم وعذابهم 190.

كما أخبر تعالى أن الظالمين يسرون الندامة حين يرون العذاب، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54) } [يونس:54] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت