فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 2431

وقد جاء هذا الوصف في آيات أخرى كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) } [الرعد: 21] .

وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) } [الإسراء: 57] .

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] .

وقوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة: 16] .

ولما سمعت عائشة رضي الله عنها هذه الآية من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (يا رسول الله! {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} ، أهم الذين يسرقون ويزنون ويفعلون الفواحش فيخافون؟ قال: لا، بل هم قوم يصومون ويصلون ويتصدقون، ويخشون ألا يتقبل الله ذلك منهم) 29.

ومن صفات الرجولة التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز: المحافظة على ذكر الله والصلاة، قال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور: 37] .

فقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز رجال أعمال، وتجار بيع وشراء، وأهل غنى وسعة في هذه الحياة الدنيا، ليس لديهم وقت للفراغ، لكن ومع ذلك الترف كله كانت تجارتهم مع الله تعالى أغلى وأعز وأثمن وأربح تجارة إلى نفوسهم، فكان ذكر الله تعالى عندهم أربح تجارة، وكانت الصلاة بالنسبة لهم أغلى وأثمن بيع يتاجرون فيه، فلم يكن يشغلهم شيء عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه هي الرجولة الحقة التي يستحق أهلها أن يوصفوا بالرجولة، فالرجل الحقيقي هو الذي يحرص دائمًا على أن يحقق أعلى المكاسب، وهؤلاء هم الذين عناهم الله عز وجل بقوله تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور: 37] .

وهذه كلها تدل على تعظيم ورفع مستوى هؤلاء الرجال، أي: ليسوا ذكورًا فحسب ولكنهم رجال، ولذلك جاءت لفظة {رِجَالٌ} بلفظ التنكير، والتنكير دائمًا يدل إما على التحقير أو على التعظيم، والمراد به هنا: التعظيم، وخص التجارة بالذكر؛ لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات، وأراد بالتجارة الشراء، وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعًا؛ لأنه ذكر البيع بعد هذا، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً} [الجمعة: 11] 30.

ويأتي قوله تعالى: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} ، تعريضًا بالمنافقين أصحاب الحجج الواهية، المنشغلين عن الاتصال بالله بالتجارة وبغيرها من الأعمال.

والآية نزلت في أهل الأسواق، قاله ابن عمر، قال سالم: مر عبد الله بن عمر بالسوق وقد أغلقوا حوانيتهم وقاموا ليصلوا في جماعة، فقال: فيهم نزلت: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} .

وقال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) ، وقيل: إن رجلين كانا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما بياعًا فإذا سمع النداء بالصلاة، فإن كان الميزان بيده طرحه ولا يضعه وضعًا، وإن كان بالأرض لم يرفعه، وكان الآخر قينًا يعمل السيوف للتجارة، فكان إذا كانت مطرقته على السندان أبقاها موضوعة، وإن كان قد رفعها ألقاها من وراء ظهره إذا سمع الأذان، فأنزل الله تعالى هذا ثناء عليهما وعلى كل من اقتدى بهما 31.

كما تشير الآية إلى أن الرجال لا تلهيهم المناصب والأعمال والمشاغل بمختلف أنواعها عن الصلاة والذكر وغيرها من الواجبات.

ثانيًا: صفات عبادية:

ومن صفات الرجولة العبادية التي ذكرها القرآن ما يأتي:

ذكر الله تعالى أن من صفات الرجال: الطهارة، وأن الله يحب هؤلاء الرجال الذين هذه صفتهم.

قال تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] .

وهؤلاء الرجال الذين تميزوا بأعلى صفات الرجولة، وامتازوا عن غيرهم، هم رجال يحبون أن يتطهروا من الأحداث والجنابات والنجاسات المذمومة؛ طلبًا لمرضاة الله سبحانه وتعالى، وأطلقت المحبة في قوله: يحبون كناية عن عمل الشيء المحبوب؛ لأن الذي يحب شيئًا ممكنًا يعمله لا محالة، فقصد التنويه بهم بأنهم يتطهرون تقربًا إلى الله بالطهارة، وإرضاءً لمحبة نفوسهم إياها، بحيث صارت الطهارة خلقًا لهم، فلو لم تجب عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم، ومجيء: رجال، نكرة يشعر بعظمتهم عند الله، وبخفاء صفاتهم على غيرهم لأنهم لا يراءون بأعمالهم، وإنما يتوجهون بها إلى خالقهم سبحانه وتعالى، والمراد بالرجال الذين يحبّون أن يتطهروا، هم الذين يلقون الله في الصلاة في المسجد، فهي صلاة مقبولة، في مكان طاهر تؤدى فيه عبادة خالصة لله، من شأنها أن تطهّر أهلها، الذين يداومون عليها، ويقيمونها بقلوب مؤمنة، خالية من الرياء والنفاق 32.

وجملة: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} ثناء على مؤمني الأنصار الذين يصلون بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمسجد قباء، وتعريض بمن لم يتطهروا واتخذوا من النفاق طريقًا لهم حين لجأوا إلى مسجد الضرار قاصدين التفرقة بين المسلمين، أما هؤلاء الرجال المؤمنون فقد تطهروا وفازوا بحب الله تعالى، ومن أراد أن يحبه الله فليتطهر؛ لأن الله تعالى لا يحب إلا المطهرين، والمقصود بالمحبتين هنا: محبتهم التطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحب للشيء المشتهي له على إيثاره، ومحبة الله تعالى إياهم، أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه، وفيه إشارة إلى أن نفوسهم وافقت خلقًا يحبه الله تعالى، وكفى بذلك تنويهًا بزكاء أنفسهم 33.

ودل الاهتمام بالطهارة البدنية على الإخلاص والصفاء والاستعداد التام لملاقاة الله تعالى على أكمل وجه، وفي أحسن الأحوال، وأطيب الهيئات، فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة، ويعين على إتمامها وإكمالها، والقيام بمشروعاتها، والتطهر من الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى، واستحقاق ثوابه ومدحه 34.

إن من صفات الرجولة التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز: عمارة المساجد.

قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) } [النور: 36 - 37] .

كما يشير إلى عمارة المساجد قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] .

وتحصل عمارة المسجد بأحد أمرين:

الأول: بناؤها لقصد وجه الله عز وجل، وقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات رجالًا متصفين بصفات الرجولية، أهل الإيمان والتقوى الصادقين المخلصين الموحدين، هؤلاء الرجال من صفتهم عمارة المساجد وبناؤها ووضع أسسها، إخلاصًا وصدقًا لله عز وجل.

قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) } [التوبة: 18] .

وقوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} ، إنه مسجد قباء الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه رضي الله عنهم، وصلى فيه أيام مقامه بقباء من الاثنين إلى الجمعة، وقصد ببنائه منذ وضع أساسه في أول يوم تقوى الله بإخلاص العبادة له، وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البر والتقوى، وقوله تعالى: {أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} ، استعارة مكنية، حيث شبهت التقوى والرضوان بأرض صلبة يقوم عليها البناء، ثم حذف المشبه به وأشير إلى شيء من لوازمه وهو التأسيس، والتأسيس إحكام أسس البناء وهو أصله، وتأسيس البنيان بمعنى إحكام أمور دينه، أو تمثيل لحال من أخلص لله وعمل الأعمال الصالحة، وفيه إشعار بأن زكاء نفس الباني، وصدق نيته، مؤثر في البناء، وأن تبرّك المكان، وكونه مبنيّا على الخير، يقتضي أن يكون فيه أهل الخير والصلاح، ممن يناسب حاله حال بانيه 35.

وهذه المساجد المؤسسة على التقوى والإخلاص وابتغاء وجه الله تعالى، وجمع المؤمنين على محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعمل على وحدة الإسلام، أولى وأحق من غيرها بالصلاة فيها، وهي مؤسسة بإذن الله تعالى، قال تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} .

ثم ذكر القرآن الكريم صورة أخرى من عمارة المساجد، وهي: صورة الكفر والنفاق والضرار، ومسجد بني رياءً وسمعةً وصدًا عن منهج الله، على قاعدة أضعف القواعد وهو الباطل والنفاق، الذي مثله مثل شفا جرف هار، في قلة الثبات والاستمساك، ووضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازًا عما ينافي التقوى، يعني: أن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا كبناء على حرف جهنم يتهور بأهله فيها، وهو قوله: {فَانْهَارَ بِهِ} أي: بالباني {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة: 109] .

قال ابن عباس: «يريد: صيرهم النفاق إلى النار» ، وفي قوله تعالى: {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} ، تصوير للعاقبة التي ينتهي إليها هذا المسجد -مسجد الضرار- بأهله الذين بنوه، وأنه إذ بنوه على ضلال ونفاق وزيف، فهو بناء على خواء، على شفا جرف هار، وأنه إذ ينهار فسينهار بهم في نار جهنم، فهم بهذا قد ظلموا أنفسهم: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} 36.

قال تعالى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) } [التوبة: 108] .

للفرق بين مقاصد أهل مسجد التقوى وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنصاره، ومقاصد أهل مسجد الضرار الذي زادوا به رجسًا إلى رجسهم.

وقد وردت أحاديث عديدة في فضل بناء المساجد وآدابها منها:

ما رواه عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنّة وفي رواية بيتًا في الجنة) 37.

وما روته عائشة رضي الله عنها قالت: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظّف وتطيّب) 38.

الثاني: عمارتها بالتسبيح والتحميد والتهليل والصلاة.

ذكر الله تعالى النوع الثاني من عمارة المساجد، وهي عمارتها بالصلاة والتسبيح والذكر، ويتلى فيها كتابه آناء الليل وأطراف النهار، كما يشير إلى عمارة المساجد قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) } [النور: 36 - 37] .

فقوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} ، أي فيه رجال يعمرونه بإقامة الصلاة وذكر الله وتسبيحه فيه بالغدو والآصال، ويحبون أن يتطهروا بذلك مما يعلق بأنفسهم من أوضار الذنوب والآثام، رجال معلقة قلوبهم بالمساجد، متصلة قلوبهم بربهم، وأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن الاتصال بالله 39.

وهؤلاء الرجال مرتبطون بالمساجد بالغدو والآصال، فعلاقتهم علاقة متينة مع الله تعالى، لهذا لا يسبح له فيها بالغدو والآصال إلا: {رِجَالٌ} التي جاءت نكرة، ليكون في الوصف بعد ذلك اشتياق، فغموض النكرة يجعل المتلقي يسأل: ومن الرجال؟ وما صفاتهم؟ كما أن في تأخير النكرة اعتناءً بالمؤخرة، وفي وصفه نوع طول فيخل تقديمه بحسن الانتظام.

والتسبيح في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} ، المقصود به الصلاة، وأطلق التسبيح على الصلاة لأنه جزء منها، ويطلق الجزء على الكل أحيانًا، وهؤلاء الكرام يديمون هذا التسبيح {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} ، أوائل النهار وأواخره، وكذلك الليل.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) } [الفرقان: 62] .

وهؤلاء المديمون ذكره صباح مساء ابتغاء خيره هم (رجال) عظام، وأي رجال كبار فخام، ولذلك وصفهم بأنهم: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} ، ولا عن {وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} بوقتها، فإنهم لا يؤخرون شيئًا عن وقته، كما أمروا به، عدا ما هم عليه من الأعمال الصالحة المذكورة، لعلمهم بشدة هول يوم القيامة، وتوغل معرفتهم بالله، وخالص يقينهم بأنهم مهما عبدوه لم يؤدوه حقه ولا بعض حقه، وأن أعمالهم كلها لا تؤهلهم دخول الجنة، إذا لم يشملهم برحمته، ولعلمهم أنه تعالى لا يتقيد بشيء ولا يسأل عما يفعل، وقد وفقوا للخوف والخشية منه بفضله 40.

كما أن من صفات الرجولة التي ذكرها القرآن الكريم هي: إيتاء الزكاة التي جعلها الله حقًا في أموال الأغنياء للفقراء.

قال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) } [النور: 37] .

لأن الزكاة أخت الصلاة، وتأتي الزكاة في القرآن عادةً مقرونةً بالصلاة، من غير فصل، ولا شك أن تطهير النفس بأعمال البر، وإيتاء الزكاة تطهير للنفوس والأبدان من أدناس الآثام، ودفع زكاة المال من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الجنة؛ إذ كان المال والتصرفات الدائرة حوله، هو المحك الذي تظهر به أخلاق الناس، لما للمال من سلطان على النفوس، في جمعه، وفي إنفاقه، وإيتاء الزكاة يحقق استعلاء النفس على شحها الفطري، وإقامة نظام لحياة الجماعة يرتكن إلى التكافل والتعاون، ويجد الواجدون فيه والمحرومون الثقة والطمأنينة، ومودات القلوب التي لم يفسدها الترف ولا الحرمان 41.

ولأن هؤلاء الرجال صدقوا مع ربهم ومع أنفسهم في إعطاء الزكاة جاء قوله تعالى: {وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} لتفخيم ذلك وتعظيمه، إذ عبر عنه بما يفيد ذلك من خلال التعبير بلفظ الإيتاء، فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم، قال تعالى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 251] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} [سبأ: 10] .

فدل على أن هذه الزكاة من أفعال المؤمنين الصادقين المفلحين، والتعبير بالإيتاء فيه معنى القبول أيضًا 42.

ويلاحظ من خلال الآيات أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مرتبطة بعمارة المساجد؛ لأن الإنسان إذا عمر المسجد أقام الصلاة وآتى الزكاة؛ لأن عمارة المسجد إنما تلزم لإقامة الصلاة فيه، ولا يشتغل بعمارة المسجد إلا إذا كان مؤديًا للزكاة؛ لأن الزكاة واجبة وعمارة المسجد نافلة، ولا يشتغل الإنسان بالنافلة إلا بعد إكمال الفريضة الواجبة عليه 43.

ثالثًا: صفات أخلاقية:

من صفات الرجولة الأخلاقية التي ذكرها القرآن ما يأتي:

1.الوفاء بالعهد.

ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أن من صفات الرجولة الحقة: الوفاء بالوعد.

قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] .

وقد أثنى الله تعالى على الذين يوفون بالعهد، فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) } [الأحزاب: 15] .

وذمّ الذين ينقضون العهد من المنافقين وغيرهم، فقال تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) } [البقرة: 26 - 27] .

{رِجَالٌ صَدَقُوا} ، أي: عاهدوا الله ثم صدقوا في الوعد، وصدقوا ما عاهدوا الله على هذا المنهج، استمروا عليه، تشبثوا به، وساروا غير مضطربين ولا متحيرين، لا تعيقهم العوائق، ولا تقف أمامهم الصعوبات ولا الشهوات، ولا الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام، نموذج فريد عجيب في صدر الإسلام أوفوا بما عاهدوا عليه من الصبر على البأساء والضراء، وحين البأس، والثبات مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمقاتلة للأعداء، والطاعات، وتعظيم العهد الذي عظمه الله تعالى 44.

{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} ، من المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من السابقين الأولين، من الثبات للقاء العدو عكس المنافقين إذ زادهم اللقاء جبنًا وإنكارًا لما وعدهم الله ورسوله وتكذيبًا وجحودًا، أما هؤلاء الكرام {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} ، فمات شهيدًا في واقعة أحد وفاء بنذره وعهده وميثاقه على الاستمرار في القتال حتى النهاية، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} الشهادة، ويتوقعها باشتياق للفوز بما عند الله من الكرامة للشهداء، قال الله عز وجل: {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] ، ما بدلوا ولا غيروا ولا انحرفوا، بل هم مستقيمون على هذا المنهاج، ينتظرون أمر الله تعالى أن يتوفاهم وهم سائرون على هذا الدرب مستقيمون عليه، لا يلوون على شيء إلا مرضاة ربهم عز وجل 45.

والوفاء بالعهد خلق من أخلاق الإسلام، وسمة من سماته التي يحرص عليها، ويكررها القرآن كثيرًا، ويعدها آية الإيمان، وآية الآدمية وآية الإحسان.

قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة: 177] .

وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) } [الإسراء: 34] .

وهي ضرورية لإيجاد جو من الثقة والطمأنينة في علاقات الأفراد، وعلاقات الجماعات، وعلاقات الأمم والدول، تقوم ابتداءً على الوفاء بالعهد مع الله، وبغير هذه السمة يعيش كل فرد مفزعًا قلقًا لا يركن إلى وعد، ولا يطمئن إلى عهد، ولا يثق بإنسان، ولقد بلغ الإسلام من الوفاء بالعهد لأصدقائه وخصومه على السواء قمةً لم تصعد إليها البشرية في تاريخها كله، ولم تصل إليها إلا على حداء الإسلام وهدي الإسلام 46.

وقد جعل القرآن الكريم نقض العهد من صفات الكافرين والمنافقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت