فهرس الكتاب

الصفحة 680 من 2431

أخرج النسائي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «لما نزلت هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] .

كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها، فنسختها» 20.

-للتدرج مجالات تحدث عنها القرآن نبيّنها فيما يأتي:

أولًا: التدرج في العبادات:

كان التدرج سنة مرعية ومطردة في الشعائر والعبادات -بما فيها الكثير من أركان الإسلام- وليس فقط في أحكام الواقع والمعاملات، وقد سلك القرآن في ذلك منهجًا فريدًا، ومسلكًا بديعًا، فبدأ الشارع في فرض العبادات عمومًا، يشرع للناس عبادة، ثم يوجب عليهم أخرى، وهكذا التدرج في كل عبادة حتى تمامها وكمالها.

والتدرج في تقرير الشارع للعبادات وفرضها لا يخفى على من قرأ القرآن بتدبر؛ وفي ذلك تنبيه للدعاة، وفتح لعيونهم، وطرق لآذانهم، وإيحاء للمصلحين أن يرتكزوا على التدرج في التغيير والإصلاح، وأن ينتهجوا التدريج في التكليف والتبليغ.

فالصلاة بصورتها التامة والحالية اكتملت فريضتها ليلة الإسراء والمعراج، في السنة الثانية قبل الهجرة، الحادية عشرة من البعثة، والصوم فرض بالمدينة، وكذلك الزكاة والحج إلى بيت الله الحرام، وفيما يلي تفصيل ذلك.

1.التدرج في تشريع الصلاة.

فلم يكتمل تشريعها إلا بمراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: وكانت الصلاة فيها ركعتين في الغداة، وركعتين في العشي. أخرج ذلك البيهقي، وذكره بعض المفسرين 21.

وبهما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه في قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55] .

قال البيضاوي في تفسير هذه الآية: «وقيل: صلّ لهذين الوقتين؛ إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة، وركعتين عشيًّا» 22.

وقال ابن أبي زمنين: «وهي صلاة مكة قبل أن تفترض الصلوات الخمس، حين كانت الصلاة ركعتين غدوة، وركعتين عشية» 23.

وذكر ابن رجب هذا القول بصيغة التمريض، حيث قال: «لكن قد قيل: إنه كان قد فرض عليه ركعتان في أول النهار، وركعتان في آخره فقط، ثم افترضت عليه الصلوات الخمس ليلة الإسراء، قاله مقاتل وغيره، وقال قتادة: كان بدء الصلاة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، وإنما أراد هؤلاء: أن ذلك كان فرضًا قبل افتراض الصلوات الخمس ليلة الإسراء» 24.

بينما يقول ابن عاشور: «إن الجمهور على أن الصلوات الخمس فرضت بمكة في أوقاتها، على أنه لا يتعين أن يكون المراد بالتسبيح في تلك الآية الصلوات، بل يحمل على ظاهر لفظه من كل قول ينزّه به الله تعالى» 25.

المرحلة الثانية: وهي مرحلة فرض الصلاة ثلاث مرات في اليوم، الفجر والعصر، وقيام الليل، بإضافة العصر إلى ما كان قد فرض في المرحلة الأولى؛ وذلك بأمر الله تعالى للأمة من خلال نبيهم صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] .

قال ابن كثير: «إنما كان يجب من الصلاة صلاتان، صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة» 26.

المرحلة الثالثة: وهي المرحلة التي اكتمل فيها التشريع، وتم إيجاب الصلوات الخمس؛ وذلك بقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] .

قال الرازي: «أراد بالدلوك زوالها، فدخل فيه صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم قال: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} أراد صلاة الصبح» 27.

وقالت عائشة رضي الله عنها: (فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين، ثم أتمها في الحضر، فأقرّت صلاة السفر على الفريضة الأولى) 28.

2.التدرج في تشريع الصيام.

وكذلك صيام شهر رمضان لما أراد الشارع أن يفرضه على المسلمين لم يفرضه عليهم دفعة واحدة، بل تدرج في إيجابه والإلزام به على مرحلتين، كما سبق.

وعن حكمة التدرج في فرض هذه العبادة، واستكمال تشريعها، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: «ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرضه -أي: الصوم- إلى وسط الإسلام بعد الهجرة؛ لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدريج» 29.

3.التدرج في فرض الزكاة.

أما فرض الزكاة فقد استمر تشريعه سنين عددًا، حتى اكتمل في السنة الثامنة بعد الهجرة، أخريات سنين الوحي.

فقد جاء ذكر الزكاة والأمر بها في السور المكية الأولى، مما يؤكد أن بدء تشريعها كان في مكة، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الليل، وهي مكية: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل: 17 - 18] .

وقوله تعالى في سورة لقمان، وهي مكية: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان: 4] .

وفي سورة الروم: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] .

ثم يأتي ذكرها في أوائل السور التي نزلت في المدينة بالتشريع والتوجيه، مثل البقرة، فجاء فيها: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] .

وهكذا يستمر تشريع الزكاة وفرضها هذه السنين؛ لتكتمل صورتها في السنة الثامنة من الهجرة بقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] .

فتشريع الزكاة لم يكتمل إلا بعد عشر سنين، أو يزيد، وهذا يدل على التأكيد على ضرورة الارتكاز على التدرج كمنهج دعوي حكيم.

ثانيًا: التدرج في الدعوة إلى الله:

مراعاة سنّة التدرج في الدعوة والبيان والتعليم والأمر والنهي من الأمور المهمة، وندرك هذه الحقيقة في القرآن الذي هو كتاب الدعوة، فنجد التدرج فيه من ثلاثة جوانب:

1.التدرج في نزوله.

عند الحديث عن نزول القرآن جاء التعبير بالفعل {نَزَّلَ} كما في قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3] .

وقوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ} [الأعراف: 196] .

وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

وقوله: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} [البقرة: 97] .

وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 176] .

وعند النظر في الفعل (نزّل) في هذه الآيات وغيرها نجده جاء على وزن (فعّل) الذي يفيد التكثير والمبالغة غالبًا، نحو: (قطّع وكسّر وفتّح وحرّق وسعّر) ومن مقتضيات التكثير والمبالغة في الحدث استغراق وقت أطول، وأنه يفيد تلبثًا ومكثًا، فـ (نزّل) يفيد استغراق وقت أطول من (أنزل) .

فـ (نزّل) : يفيد التدرج والتكرار، و (أنزل) عام؛ وذلك هو الأكثر؛ ولذلك يوصف نزول القرآن بالتنزل؛ لأنه لم ينزل جملة واحدة، بل سورة سورة، وآية آية، فلفظ (نزّل) : يفيد التفصيل والتنجيم والتفرق في النزول، أما لفظ (أنزل) فلا يقطع بذلك بل يحتمله.

ويؤيد هذا التفريق ما قاله العسكري في معجم الفروق اللغوية، حيث قال: «الفرق بين الإنزال والتنزيل، قال بعض المفسرين: الإنزال: دفعي، والتنزيل: للتدريج ... ، ويدلك عليه قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3] .

حيث خص القرآن بالتنزيل لنزوله منجمًا، والكتابين بالإنزال لنزولهما دفعة، وأما قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] .

فالمراد هناك مطلقًا من غير اعتبار التنجيم، وكذا قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] .

فإن المراد إنزاله إلى سماء الدنيا، تم تنزيله منجمًا على النبي صلى الله عليه وآله في ثلاث وعشرين، كما وردت به الروايات» 30.

وقد صرح القرآن بهذا التدرج في النزول في قوله: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] .

وقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32] .

يقول مناع القطان: «فهذه الآيات ناطقة بأن القرآن الكريم كلام الله بألفاظه العربية، وأن جبريل نزل به على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن هذا النزول غير النزول الأول إلى سماء الدنيا، فالمراد به نزوله منجّمًا، ويدل التعبير بلفظ (التنزيل) دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج والتنجيم، فإن علماء اللغة يفرّقون بين الإنزال والتنزيل، فالتنزيل لما نزل مفرقًا، والإنزال أعم.

ومن المعلوم أن القرآن قد نزل منجّمًا في ثلاث وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة بمكة على الرأي الراجح، وعشر بالمدينة، وجاء التصريح بنزوله مفرّقًا في قوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] .

أي: جعلنا نزوله مفرقًا؛ كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} بحسب الوقائع والأحداث.

أما الكتب السماوية الأخرى -كالتوراة والإنجيل والزبور- فكان نزولها جملة، ولم تنزل مفرّقة، يدل على هذا قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32] .

فهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية السابقة نزلت جملة، وهو ما عليه جمهور العلماء، ولو كان نزولها مفرقًا لما كان هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن منجّمًا، فمعنى قولهم: {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} هلّا أنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب؟ وما له أنزل على التّنجيم؟ ولم أنزل مفرقًا؟ ولم يرد الله عليهم بأن هذه سنته في إنزال الكتب السماوية كلها، كما رد عليهم في قولهم: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7] .

بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20] » 31.

الحكمة من نزوله منجمًا:

ذكر العلماء بعض الحكم من نزول القرآن منجمًا، فقال القرطبي: «ولو أنزل جملة بما فيه من الفرائض؛ لثقل عليهم ... ، وأيضًا: في تفريقه تنبيه لهم مرة بعد مرة، وهو أنفع لهم، وأيضًا فيه ناسخ ومنسوخ ولو نزل ذلك جملة؛ لنزل فيه الأمر بالشيء وبتركه وهو لا يصح» 32.

وقال النسفي في معنى {لِنُثَبِّتَ} : «لنقوي بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه؛ لأن المتلقي إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئًا بعد شيء، وجزءًا عقب جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة؛ لعجز عن حفظه، أو لنثبّت به فؤادك عن الضجر؛ وذلك بتواتر الوصول، وتتابع الرسول؛ لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب» 33.

قال صاحب الغرائب في بيان الحكمة من ذلك: «وتقريره من وجوه:

أحدها: أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن قارئًا كاتبًا، بخلاف موسى وداود وعيسى عليهم السلام فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ، فأنزله الله عليه منجّمًا -في عشرين سنة، وعن ابن جريج: في ثلاث وعشرين-؛ ليكون أقرب إلى الضبط، وأبعد عن النسيان والسهو.

وثاني هذه الحكم: أن الاعتماد على الحفظ أقرب إلى التحصيل من الاعتماد على الكتابة، والحفظ لابد فيه من التدرج.

وثالثها: إن نزول الشرائع متدرجة أسهل على المكلف منها دفعة.

ورابعها: أن نزول جبريل ساعة فساعة مما يقوي قلبه، ويعينه على تحمل أعباء النبوّة والرسالة.

وخامسها: أن نزوله مفرّقًا يوجب وقوع التحدي على أبعاض القرآن وأجزائه، ونزوله جملة يقتضي وقوع التحدي على مجموعه، ولا ريب في أن الأول أدخل في الإعجاز.

وسادسها: أن نزوله بحسب الوقائع والحوادث أوفق في باب التكاليف والاستبصار، وأدل على الأخبار عن الحوادث في أوقاتها.

وسابعها: أن في تجديد منصب السفارة في كل حين مزيد شرف لجبريل» 34.

والمقصود أن القرآن نزل منجّمًا مفرقًا على وفق المناسبات والحوادث والوقائع، أخذًا بمبدأ تربوي ناجح ألا وهو التدرج في التشريع لإصلاح المجتمع العربي الجاهلي تدريجيًّا، ومراعاة للمصالح، وتمكينًا من التخلص من العادات والتقاليد الموروثة شيئًا فشيئًا، وإعدادًا للحكم الشرعي المستقر بتقبل النفوس له، وتربيتها على وفق الغاية الشرعية بنحو بطيء، واقتناع عقلي ذاتي بأفق التشريع ومراميه البعيدة، فإذا توافرت المصلحة العامة للأمة بقي الحكم، وإن لم تتوافر عدّل أو بدل ونسخ.

والنسخ الذي هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر يكون إما بنسخ لفظ الآية ومعناها أو أحدهما، أو بانتهاء الحكم المستفاد منها مع بقاء نصها، كل ذلك بحسب المصلحة أو الحاجة، كالطبيب الذي ينوّع الأدوية والأغذية باختلاف الأزمنة والأمزجة والأحوال الصحية، والأنبياء صلوات الله عليهم هم أطباء الأمة، ومصلحو النفوس، يوحى إليهم بتبديل الحكم الشرعي لمراعاة الأحوال الحاضرة أو المستقبلية، فما قد يصلح علاجًا في الماضي قد لا يصلح في المستقبل؛ وذلك كله يدل على مرونة الإسلام 35.

2.التدرج في تشريعاته.

وقد سبق بيان ذلك في نقاط مستقلة.

3.التدرج في أسلوب في دعوته الناس.

لقد تدرج القرآن الكريم في أسلوبه في الدعوة، حيث اتخذ القرآن في علاج العادات السيئة التي تأصّلت في المجتمع أسلوبين:

الأسلوب الأول: هو تأجيل العلاج حتى يستقر الإيمان في قلوب المسلمين، بحيث يمكن الاستعانة بقوة الإيمان كدافع قوي يسهّل عملية التخلص من العادات السيئة المستحكمة، وتعلم عادات جديدة بدلًا منها.

أما الأسلوب الثاني: فهو عبارة عن التهيئة المتدرجة لنفوس المسلمين للتخلص من هذه العادات، ومثاله الخمر، وقد مر معنا مثاله.

ولنأخذ مثالًا آخر يبيّن لنا طريقة القرآن في التدرج في أسلوبه الدعوي في علاج العادات السيئة التي تأصّلت في المجتمع وهو تحريم الربا، فقد مر تحريم الربا بأربعة أدوار، كما حدث في تحريم الخمر؛ وذلك تمشيًا مع قاعدة التدرج:

الدور الأول: نزل قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] .

فالله تعالى يقول في هذه الآية: إن الربا لا ثواب فيه عند الله.

فهذه الآية الكريمة نزلت في مكة وهي-كما يظهر- ليس فيها ما يشير إلى تحريم الربا، وإنما إشارة إلى بغض الله للربا، وإنما الربا ليس له ثواب عند الله.

الدور الثاني: ألقى الله تعالى على المسلمين درسًا وعبرة من سيرة اليهود الذين حرّم الله عليهم أكل الربا فأكلوه، فعاقبهم الله بمعصيتهم، فقد جاء في سورة النساء قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء 160 - 161] .

وهذه الآية مدنية، وهي درس قصّه الله سبحانه علينا من سيرة اليهود الذين حرّم عليهم الربا، فأكلوه، واستحقوا عليه اللعنة والغضب، وهو تحريم (بالتلويح) لا (بالتصريح) ؛ لأنه حكاية عن جرائم اليهود، وليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرّم على المسلمين، وهذا نظير (الدور الثاني) في تحريم الخمر {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] .

حيث كان التحريم فيه بالتلويح لا بالتصريح.

الدور الثالث: جاء فيه النهي الصريح إلا أنه كان نهيًا جزئيًا عن الربا الفاحش الذي يتزايد حتى يصير أضعافًا مضاعفة، حيث نزل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] .

وهذه الآية مدنية، وفيها تحريم للربا صريح، ولكنه تحريم (جزئي) لا (كلي) ؛ لأنه تحريم لنوع من الربا الذي يسمى (الربا الفاحش) وهو الربا الذي بلغ في الشناعة والقبح الذروة العليا، وبلغ في الإجرام النهاية العظمى، حيث كان الدين فيه يتزايد حتى يصبح أضعافًا مضاعفة، يضعف عن سداده كاهل المستدين، الذي استدان لحاجته وضرورته، وهو يشبه تحريم الخمر في المرحلة الثالثة حيث كان التحريم جزئيًّا لا كليًّا في أوقات الصلاة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] .

الدور الرابع: وفي هذا الدور الأخير نزل التحريم الكلي القاطع الذي لا يفرّق بين قليل أو كثير، والذي تدل النصوص الكريمة على أنه قد ختم فيه التشريع السماوي بالنسبة إلى حكم الربا، فقد نزل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة 278 - 279] .

وهذه الآيات الكريمة التي كانت المرحلة النهائية في تحريم الربا، تشبه المرحلة النهائية في تحريم الخمر في المرحلة الرابعة منه، حيث حرّمت الخمر تحريمًا قاطعًا جازمًا في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] .

وبهذا البيان يتضح لنا سر التشريع الإسلامي في معالجة الأمراض الاجتماعية التي كان عليها العرب في الجاهلية بالسير بهم في طريق التدرج 36.

ومن الأمثلة أيضًا على التدرج، التدرج في عقوبة الزنا.

فقد كان شائعًا ومنتشرًا في الجاهلية، وسعى الإسلام إلى اقتلاع هذه الرذيلة بالتربية والتوجيه على طريق التدرج، شأن الطبيب الذي يعالج المريض، ويرعى أحواله شيئًا فشيئًا، ثم نزل تحريم الزنا في عدة آيات بعد أن استقر الإيمان في القلوب، وتهيأت النفوس للقبول، وفرضت العقوبة على سبيل التدرج، فجعل الله تعالى عقوبة الزنا أولًا: الحبس في البيوت في سورة النساء: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] .

ولما تأهلت النفوس لتقبّل العقوبة أنزل الله تعالى جلد الزاني غير المحصن (أي: غير المتزوج) في سورة النور {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت