أولًا: المعنى اللغوي:
اليتيم لغة هو: الذي مات أبوه حتى يبلغ، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتيم 1.
قال أبو السعادات ابن الأثير: «قد تكرر في الحديث ذكر (اليتم، واليتيم، واليتيمة، والأيتام، واليتامى) وما تصرف منه، واليتيم في الناس: فقد الصبي أباه قبل البلوغ، وفي الدواب: فقد الأم، وأصل اليتم بالضم والفتح: الانفراد، وقيل: الغفلة، وقد يتم الصبي، بالكسر، ييتم فهو يتيم، والأنثى يتيمة، وجمعها: أيتام، ويتامى، وقد يجمع اليتيم على يتامى، كأسير وأسارى، وإذا بلغا زال عنهما اسم اليتم حقيقة، وقد يطلق عليهما مجازًا بعد البلوغ، كما كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم وهو كبير: يتيم أبي طالب؛ لأنه رباه بعد موت أبيه» 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
اليتيم اصطلاحًا: الصغير الذي فقد أباه وهو دون سن البلوغ حقيقة 3.
وهذا الاسم يزول عن اليتيم بمجرد البلوغ، ولا يطلق عليه بعد البلوغ إلا باعتبار ما كان 4.
ولم يعتبر الشرع من فقد أمه يتيمًا إنما قصر صفة اليتم على من فقد أباه؛ لأن الأب هو الذي يعول الصغير ويرعى شؤونه ويقوم بتأديبه وتعليمه 5.
وردت (اليتيم) في القرآن الكريم (23) مرة 6.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الإفراد ... 8 ... {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) } [الإنسان:8]
التثنية ... 1 ... {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} [الكهف:82]
الجمع ... 14 ... {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة:220]
واليتم في أصله بمعنى الانفراد، وورد اليتيم في الاستعمال القرآني بمعناه الشرعي المعروف، وهو: من فقد أباه قبل بلوغ الحنث ذكرًا كان أو أنثى 7.
اللقيط:
اللقيط لغة وهو:
ما يلقط، أي: يرفع من الأرض، وقد غلب على الصبي المنبوذ وهو: الصبي الذي تلقيه أمه في الطريق 8.
اللقيط اصطلاحًا:
هو اسم لمولود طرحه أهله؛ خوفًا من الفقر أو احترازًا عن تهمة الزنا، وكذلك كل صبي، أو مجنون، ضائع، لا كافل له 9.
الصلة بين اللقيط واليتيم:
اللقيط قد يكون يتيمًا حقيقةً وقد لا يكون، أما حكمًا فهو كذلك؛ لأنه فقد معيله وراعيه، ويمكن أن يقاس عليه الأطفال الذين لهم آباء أحياء ولكنهم في حكم الأموات، فهؤلاء يحتاجون للرعاية والعطف والحنان، ويكون لهم حكم الأيتام من حيث الكفالة والرعاية والحنان 10.
إن من قدر الله تعالى على الصبي الصغير الذي يموت والده أن يعيش وحيدًا ضعيفًا، بغير أب يقوم بحفظه ورعايته والنفقة عليه، فيعيش الطفل اليتيم منكسر القلب، متألم الضمير، يخشى من الأيام، ومن عدم قدرته على مصارعة تقلبات الحياة.
كما أن من له أطفال صغار قد يخشى من القدر بأن يفاجئه الموت فيضيع أولاده الصغار، وربما يجد اليتيم من أقاربه من لا يقوم برعايته والإحسان إليه، بل ربما من يأكل ماله إن كان له مال.
وكذلك على المجتمع الذي فيه أيتام صغار أن يقدروا المصيبة والكارثة التي حلت بهذا الصغير، من فقده للكافل له، والقائم بشؤونه فيعملوا من أجل جبر مصاب هذا الصغير بكل الوسائل التي من شأنها التخفيف من مصابه والأخذ بيده؛ لأن يصبح فردًا فاعلًا في المجتمع، ويمكن الحديث في هذا المبحث عن اليتيم والقدر من ثلاث زوايا:
أولًا: اليتيم والقدر:
أن موت الأقارب أو أحد الوالدين وخاصة الأب له تأثيرات شديدة على الطفل، فيشعر الطفل المميز بالأسى والحزن العميق، ويصل به الأمر إلى الشعور باليأس والإحباط، أو قد يصل به الأمر إلى الرغبة في الانتقام ويكون حزنه بمستوى سنه واعتقاده، ومدى ارتباطه بوالديه، ويؤثر عليه الموت سلبًا، ويظهر ذلك جليًّا إما بشعور كبير بالنقص لضعف الموارد، وعدم تلبية الرغبات، وإما بالإفراط بالتدليل لتعويضه عمن فقد، وبالتالي تدمير حياة الطفل واضطراب وضعه بشكل عام.
ويعتبر موت الأب - خاصة- خسارة للطفل، ويختلف حجم هذه الخسارة باختلاف السن والإدراك والفهم والذكاء والجنس، مع العلم بأن المحيطين بالطفل قد يكون لهم أكبر الأثر في التخفيف من هذا الشعور 11، وهناك بعض الأعراض التي تظهر على الطفل بسبب موت أحد أحبته منها:
الأعراض الحياتية: ومنها: فقدان الشهية والنشاط، سوء التغذية، ذبول الجسم، التوتر، اصفرار البشرة الكآبة، القلق وعدم النوم، التعرض للإصابة بالأمراض.
والأعراض الذهنية والنفسية: والموت له تأثير على ذهن الطفل وذكائه وإمكانية حدوث انخفاض مستوى الذكاء، وهبوط المستوى الدراسي، وتغير في الرؤية والأهداف، ويصاب الطفل بالسلوك غير المتزن، والاختلال النفسي، وظهور أعراض أخرى: كقضم الأظافر ومص الإبهام والتبول اللاإرادي والحسد والخوف والخجل والشعور بعقدة الحقارة والكذب والإحساس بالقلق إلى غير ذلك 12.
والأعراض العاطفية وأهمها: الاضطراب، والشعور بانعدام الأمن، الهيجان الشديد، والحساسية المفرطة، وسرعة الغضب، والانطواء على النفس والشعور بالكآبة، والعنف والعدوان.
والأعراض السلوكية: ويظهر ذلك من خلال: عدم الانسجام مع المحيطين به وأفراد أسرته، والعصيان والتمرد، والاضطراب في التعامل والعلاقات، والتكبر والرياء لكي يلفت أنظار الآخرين ويكسب دعمهم، وربما إهمال النظافة وعدم الاهتمام بالشكل والمظهر 13.
يقول عبد الله ناصح علوان: «ومن العوامل الأساسية في انحراف الولد: مصيبة اليتم التي تعتري الصغار وهم في زهرة العمر، ومقتبل الحياة، وهذا اليتيم الذي مات أبوه وهو صغير، إذا لم يجد اليد الحانية التي تحنو إليه، والقلب الرحيم الذي يعطف عليه، وإذا لم يجد من الأوصياء المعاملة الحسنة التي ترفق به، والرعاية الكاملة التي ترفع من مستواه، والمعونة التامة التي تسد جوعته، فلا شك أن هذا اليتيم سيدرج نحو الانحراف، ويخطو شيئًا فشيئًا نحو الإجرام، بل سيصبح في المستقبل أداة هدم وتخريب لكيان الأمة، وتمزيقًا لوحدتها وإشاعة الفوضى والانحلال بين أبنائها» 14.
ثانيًا: القدر والأب الذي يخشى الموت:
يجب على من له صغار وذرية ضعاف يخشى من ضياعهم بعد موته، أن يعمل على تأمين حياة هؤلاء الصغار بوسائل إلهية، تؤدي إلى حفظ حياة الصغار والضعفاء من الذرية، وهذه الوسائل هي:
إن تقوى الله تعالى والقول السديد من وسائل التأمين على حياة الصغار والضعفاء من الذرية بعد موت الأب، مما يؤدي إلى عدم الخوف من القدر عليهم.
قال تعالى: (لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) [النساء:9] .
فالخطاب في الآية جاء مُذكِّرًا الأحياء بالذي هم صائرون إليه هم وأموالهم، عارضًا عليهم في هذا الموقف ما يهز مشاعرهم، ويثير أشجانهم أنهم سيموتون، كما مات هذا الميت الذي تقاسموا تركته، أو تقاسمها ورثته، وهم يشهدون، وأنهم سيتركون من بعدهم أطفالهم، الذين سينضمون إلى موكب الأيتام، كما ترك هذا الميت أطفاله، فانضموا إلى جماعة الأيتام، ممن مات آباؤهم قبله، فهؤلاء عليهم أن يرعوا حق الله وليخشوه في هؤلاء اليتامى الذين في أيديهم، وليصونوهم ويصونوا أموالهم، وليعاملوهم كما يرجون أن يعامل أبناؤهم من بعدهم 15.
وقد ذكر المفسرون في معنى الآية أربعة أقوال:
أحدها: أن معناه: وليحذر الذين يحضرون ميتًا يوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ماله وصية فيمن لا يرثه، ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو كان هو الموصي لآثر أن يبقي ماله لولده، وأن لا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم عن التصرف والاحتيال، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد، والسدي 16.
والثاني: أن معناه: وليخش الذين يحضرون الموصي وهو يوصي أن ينهوه عن الوصية لأقربائه، وأن يأمروه بإمساك ماله والتحفظ به لولده، وهم لو كانوا من أقرباء الموصي لسرهم أن يوصي لهم، وهو قول مقسم مولى ابن عباس، وسليمان بن المعتمر، وسعيد بن جبير.
والثالث: أن ذلك أمر من الله تعالى لولاة الأيتام، أن يلوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم، كما يحبون أن يكون ولاة أولادهم الصغار من بعدهم في الإحسان إليهم، لو ماتوا وتركوا أولادهم يتامى صغارًا، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه 17.
والرابع: أن من خشي على ذريته من بعده، وأحب أن يكف الله عنهم الأذى بعد موته، فليتق الله وليقل قولًا سديدًا، وهو قول أبي بشر بن الديلمي 18.
وقال الإمام الرازي: «يحتمل أن تكون الآية خطابًا لمن قرب أجله، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية؛ لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته، ثم إن كانت هذه الآية إنما نزلت قبل تقدير الوصية بالثلث كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث، كان المراد منها أن يوصي أيضًا بالثلث بل ينقص إذا خاف على ذريته، والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك، وكانوا يقولون: الخمس أفضل من الربع، والربع أفضل من الثلث، وخبر سعد يدل عليه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: (عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغني ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال:(لا) ، قال: قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: (لا، الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) » 1920.
والقول السديد الذي تدعو إليه الآية هو: القول العدل والصواب الذي يحمل النصح والتوجيه والتسديد لليتامى، وإعدادهم إعدادا صالحًا للحياة تمامًا، كما يفعل الأب مع أبنائه، وإلا فهو قول غير سديد، وخيانة للأمانة التي اؤتمن الأوصياء عليها في حق اليتامى 21.
ويحتمل أن الأمر بالتقوى والقول السديد يكون على عمومه في الوصية، وفي اليتامى، وفي جميع الأقوال، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ?70?يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ? وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ?71?) [الأحزاب:70 - 71] .
قال الإمام ابن عاشور: «والسديد: الذي يوافق السداد، والسداد: الصواب والحق، فشمل القول السديد: الأقوال الواجبة والأقوال الصالحة النافعة مثل: ابتداء السلام وقول المؤمن للمؤمن الذي يحبه: إني أحبك، ويشمل القول السديد: ما هو تعبير عن إرشاد من أقوال الأنبياء والعلماء والحكماء، وما هو تبليغ لإرشاد غيره من مأثور أقوال الأنبياء والعلماء، فقراءة القرآن على الناس من القول السديد، ورواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من القول السديد» 22.
إن العمل الصالح من وسائل التأمين الإلهي على حياة الصغار والضعفاء التي دل عليها قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ? وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ? ذَ?لِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ?82?) [الكهف:82] .
فقد بين القرآن الكريم أن الله تعالى يبعث من يقوم بحقوق اليتامى إن كان آباؤهم صالحين، كما بعث الرجل الصالح في استخراج كنز اليتيمين، فهذا قدر الله في ذلك، فينبغي على من يكون صالحًا أن لا يحزن بعد أن عرف قدر الله تعالى، وقد ذكر المفسرون في معنى الكنز المذكور في الآية أقوال هي:
أحدها: صحف علم وحكم، قال ابن عباس رضي الله عنه، وسعيد بن جبير، ومجاهد والحسن: «كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه: عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح! عجبًا لمن أيقن بالقدر كيف يغضب! عجبًا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب! عجبًا لمن أيقن بالحساب كيف يغفل! عجبًا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله» 23.
وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه: (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا) قال: «ما كان ذهبا ولا فضة، كان صحفًا علمًا» 24.
وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قول الله عز وجل: (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا) قال: «كان لوح من ذهب مكتوب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، عجبا لمن يذكر أن الموت حق كيف يفرح! وعجبا لمن يذكر أن النار حق كيف يضحك! وعجبا لمن يذكر أن القدر حق كيف يحزن! وعجبا لمن يرى الدنيا وتصرفها بأهلها حالًا بعد حال كيف يطمئن إليها!» 25.
وفي مجمع الزوائد عن أبي ذر رضي الله عنه رفعه قال: «الكنز الذي ذكر الله في كتابه لوح من ذهب مصمت، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب! وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك! وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل! لا إله إلا الله محمد رسول الله» 26.
وهذا قول أكثر المفسرين في تفسير الآية بدليل أنه قال: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) والرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال؛ إذ أن كنز المال لا يليق بالصلاح بدليل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34] 27.
الثاني: أن الكنز مال مذخور من ذهب وفضة، قاله عكرمة وقتادة. وقال الزجاج: المعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه المال المدفون 28.
ورجح هذا القول الإمام الرازي بقوله: «اختلفوا في هذا الكنز فقيل: إنه كان مالًا، وهذا هو الصحيح لوجهين، الأول: أن المفهوم من لفظ الكنز هو المال، والثاني: أن قوله: (وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا) يدل على أن ذلك الكنز هو المال» 29.
قال الإمام ابن كثير معلقًا على هذين القولين المذكورين في تفسير الكنز المذكور في الآية: «وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة، وورد به الحديث المتقدم وإن صح لا ينافي قول عكرمة أنه كان مالًا؛ لأنهم ذكروا أنه كان لوحًا من ذهب، وفيه مال جزيل أكثر ما زادوا أنه كان مودعًا فيه علم، وهو حكم ومواعظ، والله أعلم» 30.
وعلى كل حال فإن صلاح الآباء من وسائل تأمين حياة اليتامى، فلا يخش الرجل الصالح من قدر الله تعالى إذا ترك ذرية ضعافًا؛ لقوله تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء 31.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «حفظا بصلاح أبيهما، وقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء، قال محمد بن المنكدر: «إن الله سبحانه وتعالى يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعشيرته وأهل دويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم، وقال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي» 32.
وفي الآية دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بالأبناء، وأن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة، لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنة 33.
وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) } [إبراهيم:37] .
وهذا كقوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) } [آل عمران:38] .
وقد بين الله تعالى أن على الإنسان أن يدعو إذا بلغ أربعين سنة بأن يصلح الله له في ذريته.
قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) } [الأحقاف:15] .
والمعنى: أي اجعل الصلاح ساريًا في ذريتي راسخًا فيهم، وعبر بـ {فِي} في قوله: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} ليفيد سريان الصلاح فيهم وكونهم كالظرف له لتمكنه فيهم، وإلا فكان الظاهر وأصلح لي ذريتي 34.
وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: (اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتممها علينا) 35.
ويدل على أن الدعاء من وسائل تأمين حياة اليتامى ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم) وفي رواية: (ودعوة الوالد لولده) 36.
ثالثًا: اليتيم والقدر والمجتمع:
إن المصيبة التي حلت بالصبي الصغير هي من قدر الله تعالى الذي لا مفر منه؛ ولهذا اهتمت الشرائع السماوية باليتيم، وبحسن رعايته والمحافظة عليه وعلى حقوقه، ورغبت في إحاطته بالرعاية النفسية والاجتماعية، والتلطف به، وإشعاره بالمودة والرحمة، وجاء في القرآن الكريم أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني إسرائيل بالإحسان إلى اليتيم: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) } [البقرة:83] .
وتوضح الآية أنه من جملة بنود الميثاق الإحسان باليتيم.
ومنطلق الشرائع السماوية في الاهتمام باليتيم: هو أن هؤلاء الصغار الأبرياء الذين شاءت الحكمة الإلهية أن يختطف الموت اليد الكفيلة والراعية لهم، فتعوضهم بأيد أخرى محسنة تحوطهم بكل معنى الرعاية والمحبة، فجعلت الرحمة والعناية من جملة القواعد التي يتركز عليها دين الله القويم.
والشريعة الإسلامية هي الأكثر رعاية وعناية باليتيم، والأكثر حرصًا على حماية حقوقه، بل لا يوجد كتاب سماوي اهتم باليتيم وحذر من المساس بحقوقه وتوعد على إيذائه كالقرآن الكريم.
والسبب في ذلك أن المجتمع الجاهلي كان مجتمعًا ظالمًا يهضم فيه حقوق الضعفاء والنساء والعجزة القاصرين؛ بسبب طبيعة المجتمع القائمة على الغزو والغصب، فقد كان الضعيف عرضة للعدوان واغتصاب الحقوق، فكيف باليتيم الذي لا حامي له؟! وهو غرض لكل طامع وخبيث.
ولأن الإنسان عندما يكون شابا فذاتيته تكون هي الموجودة، لكن كلما تقدم الإنسان في السن تقدمت ذاتية أولاده عنده، ويحرم نفسه ليعطي أولاده، وعندما يرى أن عياله ما زالوا ضعافًا، وجاءت له مقدمات الموت، فهو يحزن على مفارقة هؤلاء الضعاف، فيوضح الحق لكل عبد طريق الأمان: إنك تستطيع وأنت موجود أن تعطي للضعاف قوة، قوة مستمدة من الالتحام بمنهج الله وخاصة رعاية ما تحت يدك من يتامى، بذلك تؤمن حياة أولادك من بعدك وتموت وأنت مطمئن عليهم 37.
ولأن الله يريد من خلقه أن يستقبلوا قدر الله فيمن يحبون وفي من يحتاجون إليهم برضا، فإذا كان الطفل صغيرًا يرى أباه يسعى في شأنه ويقدم له كل جميل في الحياة وبعد ذلك يموت، فإن كان هذا الصغير قد رأى واحدًا مات أبوه، وكفله المجتمع الإيماني الذي يعيش في كفالة عوضته عن أب واحد بآباء إيمانيين متعددين، فإذا مات والد هذا الطفل فإنه يستقبل قدر الله وخَطْبِهِ بدون فزع.
فالذي يجعل الناس تستقبل الخطوب بالفزع والجزع والهلع أنهم يرون أن الطفل إذا ما مات أبوه وصار يتيمًا فإنه يضيع، ويقول الطفل لنفسه: إنَّ أبي عندما يموت سأصير مضيعًا، لكن لو أن المجتمع حمى حق اليتيم، وصار كلُّ مؤمن أبًا لليتيم، وكلُّ مؤمنة أمًّا لليتيم، لاختلف الأمر، فإذا ما نزل قضاء الله في أبيه، فإنه يستقبل القضاء برضا وتسليم 38.