وأما السفر، فالفطر فيه مباح والصوم جائز عند عامة أهل العلم إلا ما روي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم قالوا: لا يجوز الصوم في السفر ومن صام فعليه القضاء، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصوم في السفر) 63، وذلك عند الآخرين في حق من يجهده الصوم فالأولى له أن يفطر، والدليل عليه حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحامًا، ورجلًا قد ظلل عليه، فقال ما هذا؟ قالوا هذا صائم، فقال:(ليس من البر الصوم في السفر) .
واختلفوا في السفر الذي يبيح الفطر، فقال قوم: مسيرة يوم، وذهب جماعة إلى مسيرة يومين، وهو قول الشافعي رحمه الله، وذهب جماعة إلى مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي» 64.
وقال القرطبي رحمه الله: «اختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر، بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج والجهاد، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم، وطلب المعاش الضروري. أما سفر التجارات والمباحات فمختلف فيه بالمنع والإجازة، والقول بالجواز أرجح» 65.
فمن رحمة الله تبارك وتعالى خفف على المسافر والمريض فأباح لهم الفطر في رمضان؛ لكونهما مظنة المشقة.
وخفف الله سبحانه وتعالى عن الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام يفطر، ويتصدق عن كل يوم مسكينًا، كما أخبر الله بذلك، فقال: (عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) ، قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية: «هو الشيخ الكبير كان يطيق صوم شهر رمضان وهو شاب فكبر، وهو لا يستطيع صومه فليتصدق على مسكين واحد لكل يوم أفطره، حين يفطر وحين يتسحر» 66.
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله في الآية: «هو الكبير الذي كان يصوم فكبر وعجز عنه، وهي الحامل التي ليس عليها الصيام. فعلى كل واحد منهما طعام مسكين مد من حنطة لكل يوم حتى يمضي رمضان» ، وقرأ ذلك آخرون: (عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) وقالوا: «إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان قد كبرا عن الصوم، فهما يكلفان الصوم ولا يطيقانه، فلهما أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم أفطراه مسكينًا، وقالوا: الآية ثابتة الحكم منذ أنزلت لم تنسخ، وأنكروا قول من قال: إنها منسوخة» 67، وكان ابن عباس رضي الله عنه: يقرؤها: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) ويقول: «هو الشيخ الكبير يفطر، ويطعم عنه» 68.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه؛ لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء، أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني -وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء-: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس -بعد أن كبر عامًا أو عامين- كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا، وأفطر» 69.
يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على أنفسهما أو على الولد، سواء أكان الولد ولد المرضعة أم لا، أي نسبًا أو رضاعًا، وسواء أكانت أمًا أم مستأجرة، وكان الخوف نقصان العقل أو الهلاك أو المرض، والخوف المعتبر: ما كان مستندًا لغلبة الظن بتجربة سابقة، أو إخبار طبيب مسلم حاذق عدل.
ودليل الجواز لهما: القياس على المريض والمسافر، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم) 70.
ويحرم الصوم إن خافت الحامل، أو المرضع على نفسها أو ولدها الهلاك.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «ومما يلتحق بهذا المعنى: الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان، وقيل: يفديان فقط، ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران، ولا فدية ولا قضاء» 71.
-من لحقه الجوع والعطش الذي يخشي الهلاك بسببه.
فالذي لحق به الجوع والعطش وهو صائم الذي يخشى الهلاك بسبب ذلك فله أن يفطر ويمكن أن يستدل على ذلك بقول الله تعالى: فاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] .
ويقول: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ? وَأَحْسِنُوا ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195] .
يحرم على الحائض والنفساء أن تصوم، فمن أصابها الحيض أو النفاس فإن عليها أن تفطر أيام إصابتها بذلك حتى تطهر ثم تصوم، وتقضي بعد ذلك، عن معاذة، قالت: (سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة.؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت:(كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) 72.
روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة) ، وقال: «والعمل على هذا عند أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا، أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة» 73، والنفساء تقاس على الحائض.
ثانيًا: التيسير في الصيام وحكمه:
إن الله تبارك وتعالى شرع هذا الدين ويسره للناس وهو العالم بأحوالهم، فراعى المسافر والمريض، ومن كان في بدنه ما يشق معه الصيام، فأباح لهم الفطر في نهار رمضان وقضاؤه في أيام أخر؛ لأنه يريد اليسر بعباده، فقد قال سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه، أو يؤذيه أو كان على سفر أي في حال سفر -فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه بعدة ما أفطره في السفر من الأيام؛ ولهذا قال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر، مع تحتمه في حق المقيم الصحيح، تيسيرًا عليكم ورحمة بكم» 74.
وقال البغوي رحمه الله: «قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} بإباحة الفطر في المرض والسفر {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} قرأ أبو جعفر: العسر واليسر ونحوهما بضم السين، وقرأ الآخرون بالسكون. وقال الشعبي: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلا كان ذلك أحبهما إلى الله عز وجل: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} قرأ أبو بكر بتشديد الميم، وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهو الاختيار لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] .
والواو في قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} واو النسق، واللام لام كي، تقديره: ويريد لكي تكملوا العدة، أي: لتكملوا عدة أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم، وقال عطاء: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} أي: عدد أيام الشهر» 75.
قضاء الصوم:
ثم إن الله تبارك وتعالى فرض على من أفطر في رمضان لعذر ما أن يقضيه فيما بعد، فقال: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ، وتقديره: من كان مريضًا، أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: «ويلزم المسافر، والحائض، والمريض القضاء، إذا أفطروا، بغير خلاف؛ لقول الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} » 76.
وقال ابن بطال رحمه الله: «اختلف الناس في الحوامل والمراضع، فقال بعض العلماء: إذا ضعفن عن الصيام، وخافت على نفسها وولدها أفطرت، وأطعمت عن كل يوم مسكينًا، فإذا فطمت ولدها قضته، وهو قول مجاهد، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال آخرون: عليهما الإطعام ولا قضاء، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير. وقال آخرون: عليهما القضاء ولا إطعام عليهما، وجعلوهما بمنزلة المريض، وهو قول عطاء، والنخعي، والحسن، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والثوري، وروى ابن عبد الحكم عن مالك مثله، ذكره ابن القصار، وهو قول أشهب. وفرقة رابعة فرقت بين الحبلى، والمرضع، فقال في الحبلى: هي بمنزلة المريض تفطر وتقضى ولا إطعام عليها، والمرضع تفطر وتطعم وتقضى، هذا قول مالك في المدونة، وهو قول الليث. قال أبو عبيد: وكل هؤلاء إنما تأولوا قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} فمن أوجب القضاء والإطعام معًا ذهب إلى أن الله حكم في تارك الصوم من عذر بحكمين، فجعل الفدية في آية والقضاء في أخرى، فلما لم يجد ذكر الحامل والمرضع مسمى في واحدة منهما جمعهما جميعًا عليهما احتياطًا لهما وأخذًا» 77.
إن المتأمل في العبادات يدرك حكمة الله تبارك وتعالى ووحدانيته، فهو الخالق وحده وهو المشرع، ولأنه واحد جعل العبادات مترابطة، والصيام من جملة العبادات، فقد جعله الله تبارك وتعالى مرتبطًا بعبادات عدة، نقف مع كل عبادة على حدة على النحو التالي:
1.الصيام والصلاة.
الصيام والصلاة عبادتان عظيمتان، وهما ركنان من أركان الإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جبريل عليه السلام وسأله عن الإسلام: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) 78.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) 79.
والصيام والصلاة كلاهما عبادات مكفرات لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر) 80، وشرع الاجتماع في صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، شهر الصيام.
2.الصيام وقراءة القرآن:
شهر الصيام، هو شهر القرآن، وكان نزول القرآن في رمضان، قال الله تبارك وتعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] .
وقد كان جبريل عليه السلام ينزل فيدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، يلقاه كل ليلة يدارسه القرآن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل، أجود من الريح المرسلة) 81.
فقد كان السلف الكرام رحمهم الله يكثرون من قراءة القرآن في شهر القرآن، فكان البعض منهم يختم القرآن كل يوم ختمة، والبعض يختم القرآن في رمضان ستين مرة، ولا زال الناس يقبلون على قراءة القرآن في شهر رمضان إلى يومنا هذا.
3.الصيام والاعتكاف:
الاعتكاف يطلق على الاحتباس على الشيء 82.
وقال ابن الأثير: «هو الإقامة على الشيء، وبالمكان ولزومهما، يقال: عكف يعكف ويعكف عكوفًا فهو عاكف، واعتكف يعتكف اعتكافًا فهو معتكف. ومنه قيل لمن لازم المسجد وأقام على العبادة فيه: عاكف ومعتكف» 83.
وقال الجرجاني رحمه الله: «الاعتكاف: هو في اللغة المقام والاحتباس، وفي الشرع: لبث صائم في مسجد جماعةٍ بنية» 84.
وقد ذكر الله تبارك وتعالى الاعتكاف في الآيات التي ذكر الصيام فيها في سورة البقرة، ونهى عن مباشرة النساء حال كونهم عاكفين في المساجد، وهذا دليل على كون الاعتكاف في المسجد، كما في قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف، اقتداءً بالقرآن العظيم، فإنه نبه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم، وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام، أو في آخر شهر الصيام» 85.
وقال ابن سعدي رحمه الله: «ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وانقطاعًا إليه، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد» 86.
وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده) 87، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا) 88.
4.الصيام والصدقة.
الصيام والصدقة بينهما ارتباط، فرمضان شهر الجود والكرم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) 89.
قال النووي رحمه الله: «وفي هذا الحديث فوائد منها بيان عظم جوده صلى الله عليه وسلم ومنها استحباب إكثار الجود في رمضان» 90.
وقال القسطلاني رحمه الله: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس «أسخاهم» بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان»؛ لأنه شهر يتضاعف فيه ثواب الصدقة و «ما» مصدرية، أي: أجود أكوانه يكون في رمضان» 91.
وشرعت صدقة الفطر في شهر الصيام عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة رمضان على الحر والعبد، والذكر والأنثى صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير) قال: (فعدل الناس به نصف صاعٍ من بر) 92.
وعنه رضي الله عنهما، قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) 93.
فظهر بهذا أن شهر الصيام شهر مسارعة للخيرات، ومن ذلك فعل الصدقات، وخير السباقين والمسارعين رسول الهدى صلى الله عليه وسلم فقد كان أجود الناس في رمضان.
5.الصيام وقيام الليل.
إن قيام الليل مستحب في كل وقت، ويتأكد استحبابه في شهر الصيام، شهر رمضان، وذلك بصلاة التراويح، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه) 94.
6.الصيام والدعاء.
إن الدعاء عبادة من أعظم العبادات، بل لا تجد عبادةً إلا والدعاء له النصيب الأوفر فيها، ولقد قال رب العزة والجلال في كتابه الكريم في وسط آيات الصيام في سورة البقرة: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] .
وهذا فيه إشارة عظيمة لأهمية الدعاء ومكانته وقت الصيام، ويمكن أن يستدل لذلك بما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام يوم القيامة، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب عز وجل: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) 95.
والشاهد في الحديث: (والصائم حتى يفطر) .
فيمكن أن يقال ملخصًا: إن الدعاء عبادة عظمى، داخل في كل عبادة، فلا تخلو عبادة من العبادات من دعاء، وفق الله الجميع لرضاه وتقواه، والحمد لله رب العالمين.
إن الله تبارك وتعالى بين لنا في كتابه الكريم أغلب الأحكام، وبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم ووضح ما أجمل في القرآن؛ ففي الكتاب والسنة بيان جميع الأحكام.
وقد قال الله سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .
وقال سبحانه آمرًا بأخذ ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7] .
ومما بينه في كتابه الكريم وبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم في سنته مبطلات الصيام، والمبطلات:
منها: ما يبطل الصوم عامة:
فيبطل الصوم عامة إذا انتفى شرط من شروطه سواء كان شرط وجوب كالإسلام، أو شرط صحة كالطهارة من الحيض أو النفاس، فلو ارتد إنسان وهو صائم بطل صومه إجماعًا، ويلزمه القضاء إن رجع إلى الإسلام، وكذلك لو طرأ الحيض أو النفاس على امرأة وهي صائمة بطل صومها وعليها القضاء وقت الطهارة، ويبطل الصوم كذلك بعمل ما ينافيه كالأكل والشرب والجماع، أو تناول ما كان مغذيًا من الإبر الطبية وغيرها، ولا بد أن يكون الصائم ذاكرًا مختارًا فيما يتناوله.
لكن لو أكل الصائم شيئًا، أو شرب ناسيًا فلا شيء عليه، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) 96.
ومنها: ما يبطل الصوم ويوجب القضاء فقط:
يبطل الصوم ويوجب القضاء فقط دون الكفارة، كالأكل أو الشرب، أكل ما لا يؤكل عادة، أو شرب ما لا يشرب عادة، أو تناول أي شيء عامدًا عن طريق الفم، أو كمن فرط فأكل أو شرب أو جامع ظنًا منه أن الفجر لم يطلع والفجر قد طلع، أو أفطر قبل غروب الشمس ظانًا غروبها، وكذلك من أخرج منيه من غير جماع كمن استمنى أو قبل أو كرر النظر فأنزل، أو مساحقة امرأتين إذا أنزلت، فمن وقع في شيء من ذلك فقد بطل صومه وعليه القضاء والتوبة إلى الله تبارك وتعالى.
ومنها: ما يبطل الصوم ويوجب القضاء والكفارة:
ويبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة الجماع في قبلٍ أو دبرٍ أنزل أو لم ينزل، والكفارة هي عتق رقبة، فمن لم يجد فصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، وقد ثبت أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجلٌ، فقال: يا رسول الله، هلكت. قال:(ما لك؟) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تجد رقبة تعتقها؟) ، قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين) ، قال: لا، فقال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا) . قال: لا، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر -والعرق المكتل- قال: (أين السائل؟) فقال: أنا، قال: (خذها، فتصدق به) ، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: (أطعمه أهلك) 97.
فظهر بهذا أن الصيام له مبطلات منها ما يوجب القضاء فقط، ومنها ما يوجب القضاء والكفارة، فعلى الإنسان المسلم أن يكون مراقبًا لله تبارك وتعالى حتى يأتي بصومه كما ينبغي، وعمومًا فمن الناس من لا يقع في شيء من مبطلات الصوم المتقدمة، لكنه يجرح صومه بالكلام في أعراض الناس، والغيبة، والنميمة، والسباب، والشتم، وقول الزور وقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) 98.
قال ابن بطال رحمه الله: «قال المهلب: فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه وتعرض لسخط ربه، وترك قبوله منه. وقال غيره: وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور» 99.