ثم قال ثالثًا: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} فكان هذا كالتكرار لقوله: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} ؛ لأن العدل هو ما علمه الله.
ثم قال رابعًا: {فَلْيَكْتُبْ} وهذا إعادة الأمر الأول.
ثم قال خامسًا: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} . وفي قوله: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} كفاية عن قوله: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} ؛ لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه.
ثم قال سادسًا: {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} وهذا تأكيد.
ثم قال سابعًا: {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} فهذا كالمستفاد من قوله {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}
ثم قال ثامنًا: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} وهو أيضًا تأكيد لما مضى.
ثم قال تاسعًا: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة» 114.
ويضاف إلى ما ذكره الرازي ما بينته الآية وشددت عليه في مسألة الإشهاد على الدين.
قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} ، ثم بين تعالى الحكم في عدم وجود شهيدين من الرجال، فقال: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} ، ثم أكد على أن يكون الشهيد مرضيًا عنه موثوقًا فيه، فقال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، ثم بين تعالى العلة في تعدد النساء، فقال: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} أي: «لنقص عقلهن وضبطهن» 115، فاحتاط الشارع لذلك.
قال الفخر الرازي: «فائدة الكتابة والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل، تتأخر فيه المطالبة ويتخلله النسيان، ويدخل فيه الجحد، فصارت الكتابة كالسبب لحفظ المال من الجانبين؛ لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة والإشهاد يحذر من طلب الزيادة، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك يحذر عن الجحود، ويأخذ قبل حلول الأجل في تحصيل المال، ليتمكن من أدائه وقت حلول الدين» 116.
ومن الحقوق الخاصة التي بينها القرآن الكريم، وحث على حفظها وأدائها إلى أهلها: الميراث، وقد جاء تفصيل أحكامه في آيات كثيرة من القرآن الكريم، بين فيها تعالى تقسيم الفرائض، وحصة كل وارث؛ وذلك لأنه كسب بدون مقابل، والنفوس متطلعة إليه فتولى الله تعالى تقسيمه حتى لا تحصل النزاعات فيه 117.
وهكذا يقرر القرآن الكريم مبدأ حفظ الحقوق الخاصة أتم تقرير، ويدعو إلى حفظها والاحتياط فيها أبلغ درجات الاحتياط.
ومن المؤسف له في زماننا ما نشاهده من حرمان المرأة من حقها في الميراث أو انتقاص حقها، مع ما أمر الله به من الوفاء بهذا الحق قليلًا كان أو كثيرًا.
قال سبحانه: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء:11] .
من عظمة الاقتصاد الإسلامي تضمنه لمبدأ التكافل الاجتماعي، والذي يتحقق به التعاون والترابط في المجتمع، ويسود بين أفراده الحب والإخاء والاحترام، وينتشر بينهم جو السلم والأمن، وقد بين القرآن الكريم هذا المبدأ الاقتصادي وأرسى معالمه، فمن ذلك بيانه لشريعة الزكاة.