فهرس الكتاب

الصفحة 873 من 2431

الحدود

أولًا: المعنى اللغوي:

الحدّ لغة: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر 1، أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر، وفصل ما بين كل شيئين: حد بينهما 2.

ويرد أيضًا بمعنى طرف الشيء، قال ابن فارس: «الحاء والدال أصلان: الأول المنع، والثاني طرف الشيء.

فالحد: الحاجز بين الشيئين. وفلان محدود، إذا كان ممنوعًا. و إنه لمحارف محدود، كأنه قد منع الرزق. ويقال للبواب حداد، لمنعه الناس من الدخول ... » 3.

ومنه سمي حد الزنا والخمر ونحوها حدًّا: لأنّه يمنع صاحبه من المعاودة 4، ويمنع غيره من أن يسلك مسلكه 5.

وأما الأصل الثاني: فهو طرف الشيء: يقال: حد السيف والسكين: حرفه 6. ومنتهى كل شيء: حده؛ ومنه: أحد حدود الأرضين وحدود الحرم 7.

فالحد إذن: طرف الشيء، والحاجز بين الشيئين.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

حدود الله: «الأشياء التي بين تحريمها وتحليلها، وأمر أن لا يتعدى شيء منها فيتجاوز إلى غير ما أمر فيها أو نهى عنه منها، ومنع من مخالفتها» 8.

فهي بهذا المعنى دالة على جميع الأحكام الشرعية التي تضمنتها الشريعة الإسلامية من واجبات ومندوبات ومباحات ومكروهات ومحرمات، وسواء أوقع النص عليها صراحة في الكتاب والسنة أم استنبطت من دليل آخر يرجع إليهما كالإجماع أو القياس أو غيرهما. وقد «شبهت بالحدود التي هي الفواصل المجعولة بين أملاك الناس، لأن الأحكام الشرعية، تفصل بين الحلال والحرام، والحق والباطل، وتفصل بين ما كان عليه الناس قبل الإسلام، وما هم عليه بعده» 9.

وتسمية العقوبات الشرعية المقدرة حدودًا اصطلاح الفقهاء، ولم ترد في القرآن الكريم بهذا اللفظ.

ورغم أن لفظ الحدود يفيد معنى ما ينتهى إليه ويمنع تجاوزه، فإنها قد صنفت إلى أنواع أربعة، منها ما يمنع تجاوزه ومنها ما لا يمنع.

قال الراغب: «وجميع حدود الله على أربعة أوجه:

-إمّا شيء لا يجوز أن يتعدّى بالزيادة عليه ولا القصور عنه، كأعداد ركعات صلاة الفرض.

-وإمّا شيء تجوز الزيادة عليه ولا يجوز النقصان عنه.

-وإمّا شيء يجوز النقصان عنه ولا تجوز الزيادة عليه.

-وإمّا شيء يجوز كلاهما» 10.

فقد جعل الحدود أربعة أنواع، ومثل للنوع الأول بعدد ركعات الصلاة، ولكنه لم يمثل للباقي. وهو بهذا المعنى قد جعل «حدود الله» مرادفة بصورة كاملة للأحكام الشرعية. أما ابن منظور فقد اقتصر على ما استفيد من الدلالة القرآنية فجعلها نوعين: ما لا يقرب، وما لا يتعدى، قال: «فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة، ومنه قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] .

ومنها ما لا يتعدى كالمواريث المعينة وتزوج الأربع، ومنه قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] » 11.

ومدار الخلاف في ذلك على إطلاق الحدود بمعنى الأحكام الشرعية، وهي دلالة اصطلاحية، وبين إطلاقها بدلالة خاصة استفيدت من القرآن الكريم.

والمعنى الاصطلاحي مشتق من المعنى اللغوي، الذي هو طرف الشيء والحاجز بين شيئين، فالشارع الحكيم أمر أن لا يُتعدَّى شيءٌ من هذه الحدود، ومنع من مخالفتها.

وردت مادة (حدد) في القرآن (25) مرة، يخصّ موضوع البحث منها (14) مرة 12.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الجمع ... 14 ... {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]

وجاءت الحدود في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر 13.

الحمى:

الحمى لغة:

المنع والدفع 14.

الحمى اصطلاحًا:

مكان مخصب يحظره الملك لرعي مواشيه ويتوعد من يرعى فيه بغير إذنه بالعقوبة الشديدة 15.

وأصله: «المحمي، أطلق المصدر على اسم المفعول، وفي اختصاص التمثيل في الحديث بـ (الراعي يرعى حول الحمى) نكتة، وهي: أن ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة يتوعدون من يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم النبي صلى الله عليه وسلم بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبعده أسلم له ولو اشتد حذره، وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد الفاذة فتقع فيه بغير اختياره، أو يمحل المكان الذي هو فيه ويقع الخصب في الحمى، فلا يملك نفسه أن يقع فيه، فالله سبحانه وتعالى هو الملك حقًّا وحماه: محارمه» 16.

الصلة بين الحمى والحدود:

ولا ريب أن لهذه «الحمى» حدودًا فاصلة بينها وبين غيرها، فمن هنا أشبه لفظ «الحمى» في الحديث لفظ الحدود في الآيات المتقدمة، وكما تضمن قوله سبحانه: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187] الإشارة إلى ما نهى الله عنه، تضمن قوله صلى الله عليه وسلم: (كالراعي يرعى حول الحمى) الإشارة إلى المنهيات، وقد وقع تفسيرها بذلك تفسيرًا صريحًا في الحديث، في قوله عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن حمى الله محارمه) .

تقدم أن حدود الله نوعان:

1.حدود حدها للناس في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وغيرها ...

2.وعقوبات جعلت لمن ركب ما نهى عنه كحد السارق والزاني والقاذف 17.

والحدود بالمعنى الثاني عقوبات مقدرة على جرائم محددة لم يجعل الله سبحانه وتعالى لأحد فيها اجتهادًا أو تقديرًا، لا حاكم ولا قاض ولا عالم ولا مفتِ، وهي قسيمة للتعازير التي يوكل تقديرها إلى القاضي 18.

فلئن كان من غير الممكن التصرف فيها بالتقدير، فالتصرف فيها بالإيجاب والإنشاء غير ممكن من باب أولى، فهو حق خالص لله وحده لا ينازعه فيه إلا معتد مدع ما ليس له، متجرئ على الله محاد له، مبارز له بالمعاصي.

وحدود الله بالمعنى الثاني جامعة لكل ما شرع، وادعاء أحد من الناس ملكه لحق تشريعها منازعة لله عز وجل في شرعه وأمره، وقد عد القرآن الكريم ذلك بابًا من أبواب الشرك، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) } [الشورى: 21] .

وقد أفادت «أم» في الآية الإضراب والاستفهام فـ «هي بتقدير بل وألف الاستفهام» 19.

«ومعنى الاستفهام الذي تقضيه «أم» التي للإضراب هو هنا للتقريع والتهكم، فالتقريع راجع إلى أنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، والتهكم راجع إلى من شرعوا لهم الشرك، فسئلوا عمن شرع لهم دين الشرك: أهم شركاء آخرون اعتقدوهم شركاء لله في الإلهية وفي شرع الأديان كما شرع الله للناس الأديان؟ وهذا تهكم بهم؛ لأن هذا النوع من الشركاء لم يدعه أهل الشرك من العرب. وهذا المعنى هو الذي يساعد تنكير شركاء ووصفه بجملة {شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ} . ويجوز أن يكون المسؤول عن الذي شرع لهم هو الأصنام التي يعبدونها، وهو الذي درج عليه المفسرون، فيكون لهم في موضع الحال من شركاء» 20.

ومبنى ذلك على تحديد معنى الشركاء في الآية: أهم شركاء للمشركين في ما هم عليه من الضلال والغواية؟ أم هم شركاء لله -على حد زعم المشركين لا على الحقيقة-؟ قال ابن عطية: «والشركاء في هذه الآية: يحتمل أن يكون المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم، ويكون الضمير في {لَهُمْ} للكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي شرع الشركاء لهم ما لم يأذن به الله، فالاشتراك هاهنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك بالله، ويحتمل أن يكون المراد بـ «الشركاء» : الأصنام والأوثان على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته، ويكون الضمير: في: {شَرَعُوا} لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم. والضمير في: {لَهُمْ} للأصنام الشركاء، أي شرع هؤلاء الكفار لأصنامهم وأوثانهم ما لم يأذن به الله» 21.

فيكون المعنى على القول الثاني: أن هؤلاء المشركين اتخذوا أوثانًا وشرعوا لها من العبادة والدعاء وتقريب القرابين ونحوها شيئًا لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانًا، وإنما ابتدعوه من عند أنفسهم.

وأما على القول الأول: فإن طائفة ممن يشارك هؤلاء المشركين في صفة الضلال والغواية من أسلافهم أو غيرهم قد ابتدع لهم شرعًا لم يأذن به الله، فنهجوه واتبعوه، فكان ذلك منهم اتخاذًا لهم آلهة من دون الله، فكان الاستفهام بمعنى «ألهم آلهةٌ {شَرَعُوا} أي ابتدعوا لهم دينًا لم يأذن به الله؟!» 22.

وفيه على كلا الرأيين «فضح فظاعة شركهم بعروه عن الانتساب إلى الله، أي إن لم يكن مشروعًا من الإله الحق فهو مشروع من الآلهة الباطلة وهي الشركاء. وظاهر أن تلك الآلهة لا تصلح لتشريع دين؛ لأنها لا تعقل ولا تتكلم، فتعين أن دين الشرك دين لا مستند له. وقريب من هذا قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: 137] .. » 23.

وأيًّا يكن المعنى، فإن الآية قد أنكرت على المشركين إما تشريعهم ما لم يأذن به الله، أو اتباعهم لشرع شرعه غير الله ولم يأذن به سبحانه.

ومعنى {شَرَعُوا} : «أثبتوا ونهجوا ورسموا. و {الدِّينِ} هنا العوائد والأحكام والسيرة، ويدخل في ذلك أيضًا المعتقدات، لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعًا، فأما في المعتقدات فقولهم إن الأصنام آلهة، وقولهم إنهم يعبدون الأصنام زلفى وغير ذلك، وأما في الأحكام فكالبحيرة والوصيلة والحامي، وغير ذلك من السوائب ونحوها، والإذن في هذه الآية الأمر. و {كَلِمَةُ الْفَصْلِ} : هي ما سبق من قضاء الله تعالى بأنه يؤخر عقابهم إلى الآخرة، والقضاء بينهم: هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم» 24.

وعليه فقد تضمنت الآية تشنيعا على من شرع من عنده شيئًا لم يأذن به الله، سواء أتعلق بالعقائد أم بالأحكام، وفي القرآن الكريم من ذلك مما شنع به على المشركين أمثلة كثيرة بلغ المشركون فيها من السفه مبلغًا يذر الحليم حيرانًا، حتى قتلوا أولادهم وحرموا على أنفسهم طيبات أحلت لهم:

فمن ذلك ما نص عليه قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) } [الأنعام: 140] .

فشنعت عليهم ما ابتدعوا من باطل أفضى بهم إلى قتل أولادهم كما دل على ذلك قوله سبحانه في الآية الأخرى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) } [الأنعام: 137] .

وإلى أن حرموا على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم، أي: «قد خسر الذين فعلوا هذه الأفعال في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم» 25.

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام» 26 مشيرًا إلى نحو قوله عزو وجل: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) } [الأنعام: 136]

قال ابن عباس: «وذلك أن أعداء الله كانوا إذا احترثوا حرثًا، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منها جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه. فإن سقط منه شيء فيما سمّي لله ردّوه إلى ما جعلوا للوثن. وإن سبقهم الماء إلى الذي جعلوه للوثن، فسقى شيئًا جعلوه لله، جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوا لله، فاختلط بالذي جعلوا للوثن، قالوا: «هذا فقير» ! ولم يردوه إلى ما جعلوا لله. وإن سبقهم الماء الذي جعلوا لله فسقى ما سمّي للوثن، تركوه للوثن. وكانوا يحرّمون من أنعامهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرّمونه لله. فقال الله في ذلك: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} الآية» 27.

وكما يفعلون ذلك في الحرث يفعلونه في الأنعام، قال قتادة: «عمد ناس من أهل الضلالة فجزّؤوا من حروثهم ومواشيهم جزءًا لله وجزءًا لشركائهم. وكانوا إذا خالط شيء مما جزّؤوا لله فيما جزءوا لشركائهم خلّوه. فإذا خالط شيء مما جزؤوا لشركائهم فيما جزؤوا لله ردّوه على شركائهم. وكانوا إذا أصابتهم السّنة استعانوا بما جزؤوا لله، وأقرّوا ما جزؤوا لشركائهم، قال الله: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} » 28.

وروي عنه أيضًا أنهم «كانوا يجزئون من أموالهم شيئًا، فيقولون: «هذا لله، وهذا للأصنام» ، التي يعبدون. فإذا ذهب بعيرٌ مما جعلوا لشركائهم، فخالط ما جعلوا لله ردّوه. وإن ذهب مما جعلوه لله فخالط شيئًا مما جعلوه لشركائهم تركوه. وإن أصابتهم سنة، أكلوا ما جعلوا لله، وتركوا ما جعلوا لشركائهم، فقال الله: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} » 29.

ومن ذلك أيضًا ما نص عليه قوله جل وعلا: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) } [الأنعام: 138] .

ومعنى « {حِجْرٌ} حرام، فعل بمعنى المفعول كالذبح والطعن، ويستوى في الوصف به المذكر والمؤنث، والواحد والجمع؛ لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات» 30.

ونصت الآية على أنهم «حرموا أنعامًا وحرثًا وجعلوها لأصنامهم وقالوا: {لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ} وهم خدام الأصنام. ثم بين أن هذا تحكم لم يرد به شرع، ولهذا قال: «بزعمهم» . {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} يريد ما يسيبونه لآلهتهم على ما تقدم من النصيب، وقال مجاهد: المراد البحيرة والوصيلة والحام. {وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} يعني ما ذبحوه لآلهتهم. قال أبو وائل: لا يحجون عليها. {افْتِرَاءً} أي للافتراء «على الله» ، لأنهم كانوا يقولون: الله أمرنا بهذا» 31.

وقال سبحانه أيضًا: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) } [الأنعام: 139] .

فأخبر سبحانه «عن هؤلاء الكفرة أنهم قالوا في أنعام بأعيانها: «ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا دون إناثنا» ، واللبن ما في بطونها، وكذلك أجنتها. ولم يخصص الله بالخبر عنهم أنهم قالوا: بعض ذلك حرام عليهن دون بعض.

وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يقال إنهم قالوا: ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حلٌّ لذكورهم خالصة دون إناثهم، وإنهم كانوا يؤثرون بذلك رجالهم، إلا أن يكون الذي في بطونها من الأجنة ميتًا، فيشترك حينئذ في أكله الرجال والنساء» 32.

وإجمالًا فقد جعل القرآن الكريم تشريع ما لم يأذن به الله في مرتبة مقارنة للشرك فأخبر سبحانه عن المشركين أنهم يأتون الفواحش ويزعمون أن الله أمرهم بها: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) } [الأعراف: 28] .

ثم قال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) } [الأعراف: 33] .

أي « {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ} أي المحسن إليّ بجعل ديني أحسن الأديان {الْفَوَاحِشَ} أي كل فرد منها، وهي ما زاد قبحه؛ ولما كانت الفاحشة ما يتزايد قبحه فكان ربما ظن أن الإسرار بها غير مراد بالنهي قال: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بين الناس {وَمَا بَطَنَ} ، ولما كان هذا خاصًّا بما عظمت شناعته قال: {وَالْإِثْمَ} أي مطلق الذنب الذي يوجب الجزاء، فإن الإثم الذنب والجزاء؛ ولما كان البغي زائد القبح مخصوصًا بأنه من أسرع الذنوب عقوبة، خصه بالذكر فقال: {وَالْبَغْيَ} وهو الاستعلاء على الغير ظلمًا، ولكنه لما كان قد يطلق على مطلق الطلب، حقق معناه العرفي الشرعي فقال: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} ... {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ} أي الذي اختص بصفات الكمال {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} فإنه لا يوجد ما يسميه أحد شريكًا إلا وهو مما لم ينزل به الله سلطانًا بل ولا حجة به في الواقع ولا برهان ... {وَأَنْ} أي وحرم أن {تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ} أي الذي لا أعظم منه ولا كفوء له {مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي ما ليس لكم به علم بخصوصه ولا هو مستند إلى علم أعم من أن يكون من الأصول أو لا» 33.

وعد القرآن الكريم الجرأة على التشريع بغير وحي من الله أو علم كذبًا وافتراء على الله، قال جل وعلا: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) } [النحل: 116 - 117] .

أي: «ولا تقولوا الكذب للذي تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة، من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي» 34.

وقال سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) } [يونس: 59 - 60] .

أي: «أي شيء ظنهم {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أيحسبون أن لا يجازوا عليه ... وفي إبهام الوعيد تهديد عظيم {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} حيث أنعم عليهم بالعقل وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} هذه النعمة» 35.

1.وردت (حدود الله) على معنيين:

أحدهما: المنهيات.

والثاني: حد ما ينهى عن تجاوزه من المباحات.

مثال الأول: ما روى الطبراني عن طاوس قال: سمعت أبا الدرداء، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن كثير عن غير نسيان فلا تكلفوها، رحمة من الله فاقبلوها) 36.

فالحدود في الحديث قسيمة للفرائض، ولذلك فلا يمكن أن تكون إلا المحرمات.

ومثال الثاني ما روى الدارقطني والبيهقي عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت