فهرس الكتاب

الصفحة 1519 من 2431

الطغيان

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «الطّاء والغين والحرف المعتلّ أصلٌ صحيحٌ منقاسٌ، وهو مجاوزة الحدّ في العصيان. يقال: هو طاغٍ. وطغى السّيل، إذا جاء بماءٍ كثيرٍ» 1. والطاغوت الكاهن، والشيطان، وكل رأس في الضلال، يكون واحدًا والجمع الطواغيت 2. «والطاغية: الجبار العنيد» 3. وقيل: الذي لا يبالي بما أتى، يأكل الناس ويقهرهم، لا يثنيه تحرّج ولا فرق 4. وقيل: «الأحمق المستكبر الظّالم» 5.

والخلاصة: أن كل شيء جاوز الحد فقد طغى، ذكر ذلك أبو منصور الثعالبي، ونسب ذلك إلى أئمة اللغة.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الجرجاني: «الطغيان: مجاوزة الحد في العصيان» 6.

وقال القرطبي: «الطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه؛ وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى» 7.

وقال ابن القيم رحمه الله: «والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله» 8.

والواقع أن الطغيان في الشرع يقوم على أساس معناه في اللغة، فيراد به تجاوز الإنسان حدّه وقدره، وحدّ الإنسان هو ما حدّ الله له من حدود لا يجوز أن يتجاوزها.

وردت مادة (طغى) في الاستعمال القرآني (39) مرة 9.

والصيغ التي وردت كالآتي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 8 ... {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) } [النازعات:37]

الفعل المضارع ... 5 ... {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) } [طه:45]

اسم فاعل ... 7 ... {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) } [الذاريات:53]

اسم تفضيل ... 1 ... {إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) } [النجم:52]

مصدر ... 10 ... {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة:64]

الاسم ... 8 ... {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء:76]

وجاء (الطغيان) في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه 10:

الأول: الضلالة والعصيان، قال تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) } [البقرة:15] يعني: في ضلالتهم.

وقال تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) } [طه:24] يعني: إنه عصى الله عز وجل.

الثاني: الارتفاع والكثرة، قال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) } [الحاقة:11] يعني: لمّا ارتفع وكثر.

الثالث: الظلم، قال تعالى: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) } [الرحمن:8] . يعني: لا تظلموا.

البغي:

البغي لغة:

مصدر بغى يبغي بغيًا إذا تعدى وظلم. 11.

البغي اصطلاحًا:

طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه 12.

الصلة بين الطغيان والبغي:

الطغيان: هو تجاوز الحد الذي كان عليه من قبل. والبغي: طلب تجاوز قدر الاستحقاق، تجاوزه أو لم يتجاوزه، وهو ضربان: أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع. والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشّبه 13.

العدوان:

العدوان لغة:

التعدّي في الأمر، وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه 14.

العدوان اصطلاحًا:

التّجاوز ومنافاة الالتئام، والإخلال بالعدالة في المعاملة 15.

الصلة بين الطغيان العدوان:

الطغيان: هو تجاوز الحد الذي كان عليه من قبل، والعدوان: تجاوز المقدار المأمور بالانتهاء إليه والوقوف عنده.

العتو:

العتو لغة:

التجبّر والتكبّر 16.

العتو اصطلاحًا:

عبارة عن الإباء والعصيان 17، ومجاوزة الحد فيه بحيث لا يتأثر معه القلب بالموعظة ولا يقبل النصيحة.

الصلة بين الطغيان والعتو:

قال العسكري: «أن الطغيان مجاوزة الحد في المكروه مع غلبة وقهر، يقال: طغى الماء إذا جاوز الحد في الظلم، والعتو: المبالغة في المكروه، فهو دون الطغيان» 18.

تنوعت أساليب القرآن في التحذير من الطغيان، وسنتناولها فيما يأتي:

أولًا: النهي الصريح:

ورد النهي الصريح في كتاب الله محذّرًا من ارتكاب الطغيان، فقال تعالى آمرًا نبيّه وأهل الإيمان بالاستقامة على الدين، ونهاهم عن الظلم والطغيان، فقال سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 112 - 113] .

«فأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة؛ وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء، ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان، وهو البغي، فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء» 19.

قال سيد رحمه الله: «وإنه لما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة لم يكن نهيًا عن القصور والتقصير، إنما كان نهيًا عن الطغيان والمجاوزة؛ وذلك أن الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرّج، قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحوّل هذا الدين من يسر إلى عسر، والله يريد دينه كما أنزله، ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو، فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير، وهي التفاتة ذات قيمة كبيرة لإمساك النفوس على الصراط، بلا انحراف إلى الغلو، أو الإهمال على السواء» 20.

وأمر الله سبحانه عباده بأكل الحلال الطيب، ونهاهم عن الطغيان بالسرف والبطر، فقال سبحانه: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه: 81] .

أي: ولا تطغوا في رزقي بالإخلال بشكره وتعدي حدودي فيه بالسرف والبطر، والاستعانة به على المعاصي، ومنع الحقوق الواجبة فيه، فينزل عليكم غضبي، وتجب عليكم عقوبتي 21.

وقال ابن كثير: «أي: كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به» 22.

ونهى عن الطغيان في الميزان، فقال: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7 - 9] .

وقد اختلف علماء التفسير في معنى الميزان، فقيل: هو العدل، وقيل: المراد آلة الوزن التي يتوصّل بها إلى الإنصاف والانتصاف، وقيل: الميزان هو القرآن؛ لأن فيه بيان ما يحتاج إليه، وقيل: إن الميزان هو الحكم 23.

وليس هناك تعارض بين هذه الأقوال، ولا مانع أنه يعم الجميع، فالمطلوب من الإنسان ألا يطغى سواء في آلة الوزن، أو في تجاوز حدود الله، أو في ظلم الناس.

ثانيًا: التعليل بسوء المصير:

من أساليب القرآن الكريم في التحذير من الطغيان: ذكر الوعيد الشديد بسوء مصير الطغاة في الدنيا والآخرة، قال سبحانه وتعالى مبينًا مصير الطغاة: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} [ص: 55] .

«وهم الذين تمرّدوا على ربهم، فعصوا أمره مع إحسانه إليهم، لشر مرجع ومصير يصيرون إليه في الآخرة بعد خروجهم من الدنيا؛ لأن مصيرهم إلى جهنم، وإليها منقلبهم بعد وفاتهم، فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم» 24.

والمراد بالطاغين هنا: «عظماء أهل الشرك؛ لأنهم تكبروا بعظمتهم على قبول الإسلام، وأعرضوا عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بكبر واستهزاء، وحكموا على عامة قومهم بالابتعاد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين وعن سماع القرآن، وهم: أبو جهل وأمية ابن خلف، وعتبة ابن ربيعة، والوليد بن عتبة، والعاصي بن وائل وأضرابهم» 25.

وقال تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا} [النبأ: 21 - 22] .

أي: أنّها كانت في حكم الله تعالى وقضائه موضع رصدٍ يرصد فيه خزنة النار الكفار ليعذّبوهم فيها 26. والمراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر، أو في دنياه بالظلم 27.

ولما كان من صور الطغيان الطغيان بالظلم بيّن الله مصيرهم في الدنيا والآخرة، فقال: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] .

وأخبر سبحانه أنه لا يغفل عما يفعله الطغاة الظلمة من الظلم والطغيان، فقال سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42] .

أي: «لا تحسبنه إذا أنظرهم وأجّلهم أنه غافل عنهم، مهمل لهم، لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك ويعده عليهم عدًّا» 28.

قال سيد رحمه الله: «ظاهر الأمر يبدو هكذا لبعض من يرون الظالمين يتمتّعون، ويسمع بوعيد الله، ثم لا يراه واقعًا بهم في هذه الحياة الدنيا، فهذه الصيغة تكشف عن الأجل المضروب لأخذهم الأخذة الأخيرة التي لا إمهال بعدها، ولا فكاك منها، أخذهم في اليوم العصيب الذي تشخص فيه الأبصار من الفزع والهلع، فتظل مفتوحة مبهوتة مذهولة، مأخوذة بالهول لا تطرف ولا تتحرك، ثم يرسم مشهدًا للقوم في زحمة الهول، مشهدهم مسرعين لا يلوون على شيء، ولا يلتفتون إلى شيء، رافعين رؤوسهم لا عن إرادة، ولكنها مشدودة لا يملكون لها حراكًا، يمتد بصرهم إلى ما يشاهدون من الرعب، فلا يطرف ولا يرتد إليهم، وقلوبهم من الفزع خاوية خالية، لا تضم شيئًا يعونه أو يحفظونه أو يتذكرونه، فهي هواء خواء» 29.

وقال عز وجل: {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} [مريم: 84] .

أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، إنما نؤخّرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله 30.

«فيا ويل من يعدّ الله عليه ذنوبه وأعماله وأنفاسه، ويتتبعها ليحاسبه الحساب العسير، إن الذي يحسّ أن رئيسه في الأرض يتتبع أعماله وأخطاءه يفزع ويخاف ويعيش في قلق وحسبان، فكيف بالله المنتقم الجبار؟!» 31.

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ، قال: ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] 32.

وحينما يتسلل الإحباط واليأس في نفس المؤمن وهو يرى ما عليه الطغاة وأهل الكفر من التمكين في الأرض، وما يملكونه من القوة والهيمنة، فليتذكر قول الله سبحانه: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196 - 197] .

«وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعّمهم فيها، وتقلّبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع العز والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلًا، ويعذّبون عليه طويلًا، هذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه» 33.

ويسلّي الله نبيه صلى الله عليه وسلم، ويبيّن له مصير الطغاة المجرمين، فيقول سبحانه: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147] .

فهذا الوعيد الشديد بذكر مصير أهل الفسق والطغيان يجعل من الإنسان المسلم شخصية خائفة من ربها تبارك وتعالى، مجتنبًا كل الأسباب الموصلة إلى الطغيان؛ لأن الله قد حذّر منه، وذكر مصير أهله.

ثالثًا: الحث على الاعتبار بالسابقين:

يقصّ الله تبارك وتعالى علينا قصص الطغاة، وما حلّ بهم النكال والعذاب لا لأجل التسلية، وإنما لأجل أخذ العبرة من هذه القصص، وحتى لا نقع في طغيانهم وضلالهم، وسأتناول شيئًا من قصص الأمم السابقة التي طغت وتكبّرت على الخالق والخلق:

فالطغاة قد تخدعهم قوتهم وسطوتهم المادية، فينسون قوة الله وجبروته، ولكن الله لهم بالمرصاد.

قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 6 - 14] .

«فربك راصد لهم، ومسجّل لأعمالهم، فلما أن كثر الفساد، وزاد صبّ عليهم سوط عذاب، وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر الصّبّ، حيث يجتمع الألم اللاذع، والغمرة الطاغية، على الطغاة الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد» 34.

وذكر الله سبحانه إهلاك الأمم السابقة بسبب طغيانهم وعتوهم، فقال: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} [النجم: 50 - 52] .

فأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، وكانوا هم أشد ظلمًا لأنفسهم، وأعظم كفرًا بربهم، وأشد طغيانًا وتمردًا على الله من الذين أهلكهم من بعد من الأمم، وكان طغيانهم أكثر طغيانًا من غيرهم من الأمم 35.

وكان عاقبتهم: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 11 - 12] .

وأخبر تبارك وتعالى عن مصير الطغاة المكذّبين بأنبيائهم، فقال سبحانه: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 38 - 40] .

«هؤلاء الذين ملكوا القوة والمال وأسباب البقاء والغلبة، قد أخذهم الله جميعًا بعد ما فتنوا الناس وآذوهم طويلًا.

فعاد أخذهم حاصب، وهو الريح الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض، فتضربهم وتقتلهم، وثمود أخذتهم الصيحة، وقارون خسف به وبداره الأرض، وفرعون وهامان غرقًا في اليم، ذهبوا جميعًا مأخوذين بظلمهم {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} » 36.

وذكر لنا تبارك وتعالى طغيان قوم صالح عليه السلام.

قال سبحانه وتعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} [الشمس:11 - 15] .

قال الطبري: «الطاغية طغيانهم الذي طغوا في معاصي الله، وخلاف كتاب الله» 37.

وقصّ الله علينا قصة أصحاب الجنة لما طغوا وتغطرسوا على عباد الله الضعفاء، ومنعوهم حقهم من الصدقات، ولم يشكروا الله تعالى على نعمه عليهم، جاء العذاب، ونزعت النعمة.

قال سبحانه: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [القلم: 17 - 33] .

فالله تبارك وتعالى يسوق إلى قريش هذه التجربة من واقع البيئة، ومما هو متداول بينهم من القصص، فيربط بين سنته في الغابرين، وسنته في الحاضرين، ويلمس قلوبهم بأقرب الأساليب إلى واقع حياتهم 38.

ولما طغى قوم عاد وتكبروا، وقالوا لنبيهم استهزاء واستهتارًا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت: 15] .

فردّ الله عليهم بقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} [فصلت: 15 - 16] .

وقال تبارك وتعالى مخبرًا عن فرعون: {يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص 38 - 40] .

ويصف لنا ربنا -جل جلاله- هذا الطاغية المتجبر، وإذلاله لموسى عليه السلام ولقومه، وعدم مبالاته بهم، فقال تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 53 - 56] .

فكانت النتيجة: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 57 - 62] .

فهذه القصص وغيرها في كتاب الله تبارك وتعالى لم يقصها الله علينا إلا لأخذ العظة والعبرة منها، فنبتعد عن الطغيان وصفات الطغاة.

لوقوع الطغيان من الإنسان أسباب نتناولها فيما يأتي:

أولًا: الحسد:

مما يوقع الإنسان في الطغيان فيتجاوز الحدود: إصابته بداء الحسد، فهو الداء العضال -إن أصاب الإنسان- وهو «مذموم وصاحبه مغموم، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ... ، ويقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فأما في السماء فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض فحسد قابيل لهابيل» 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت