الصفة السادسة: التواضع وعدم الاستكبار.
قوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] .
«والاستكبار: السين والتاء فيه؛ للمبالغة. وهو يطلق على التكبر والتعاظم، ويطلق على المكابرة وكراهية الحق، وهما متلازمان.
فالمراد من قوله: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ} أنهم متواضعون منصفون، وضمير وأنهم لا يستكبرون يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير بأن منهم، أي: وأن الذين قالوا إنا نصارى لا يستكبرون.
فيكون قد أثبت التواضع لجميع أهل ملة النصرانية في ذلك العصر، وقد كان نصارى العرب متحلين بمكارم من الأخلاق.
وظاهر قوله: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} أن هذا الخلق وصفٌ للنصارى كلهم من حيث إنهم نصارى، فيتعين أن يحمل الموصول على العموم العرفي، وهم نصارى العرب، فإن اتباعهم النصرانية على ضعفهم فيها ضم إلى مكارم أخلاقهم العربية مكارم أخلاقٍ دينيةٍ، كما كان عليه زهيرٌ ولبيدٌ وورقة بن نوفل وأضرابهم» 118.
الصفة السابعة: الانقياد للحق واتباعه.
«ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة: 83 - 84] . أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} أي: مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به» 119.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا: « {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} أي: وإذا سمع أولئك الذين قالوا إنا نصارى ما أنزل إلى الرسول الكامل محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي أكمل به الدين، وبعث رحمةً للعالمين، ترى أيها الناظر إليهم أعينهم تفيض من الدمع، أي: تمتلئ دمعًا حتى يتدفق الدمع من جوانبها لكثرته، أو حتى كأن الأعين ذابت وصارت دمعًا جاريًا، ذلك من أجل ما منع غيرهم من العتو والاستكبار، قوله: {مِنَ الْحَقِّ} بيانٌ لقوله: {مِمَّا عَرَفُوا} وقيل: إن (من) فيه للتبعيض، أي: إن أعينهم فاضت عبرةً ودموعًا، عبرةً منهم وخشوعًا؛ لمعرفتهم بعض الحق، إذ سمعوا بعض الآيات دون بعضٍ، فكيف لو عرفوا الحق كله بسماع جميع القرآن، ومعرفة ما جاءت به السنة من الأسوة الحسنة البيان، وهذا القول إنما يصح بتطبيقه على واقعةٍ معينةٍ كالذي يسمع في النجاشي وجماعته، وأما ظاهر الجملة الشرطية فهو بيان ما يكون من شأنهم عند سماع القرآن، وهو العبرة والاستعبار، والدموع الغزار» 120.
قال أبو حيان: «هذا وصفٌ برقة القلوب والتأثر بسماع القرآن، والظاهر أن الضمير يعود على {قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} فيكون عامًا، ويكون قد أخبر عنهم بما يقع من بعضهم كما جرى للنجاشي، حيث تلا عليه جعفرٌ سورة مريم إلى قوله: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [مريم: 34] ، وسورة طه إلى قوله: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [طه: 9] فبكى، وكذلك قومه الذين وفدوا على الرسول حين قرأ عليهم (يس) فبكوا» 121.
قال الرازي: «وأما قوله {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} ففيه وجهان:
الأول: المراد أن أعينهم تمتلئ من الدمع حتى تفيض؛ لأن الفيض أن يمتلئ الإناء وغيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه.
الثاني: أن يكون المراد المبالغة في وصفهم بالبكاء، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها» 122.
«ثم بين تعالى ما يكون من مقالهم، بعد بيان ما يكون من حالهم فقال: {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} أي: يقولون هذا القول يريدون به إنشاء الإيمان، والتضرع إلى الله تعالى بأن يقبله منهم ويكتبهم مع أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الذين جعلهم الله تعالى كالرسل شهداء على الناس، وإنما يقولون ذلك؛ لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم، أو مما يتناقلونه عن سلفهم، أن النبي الأخير الذي يكمل الله به الدين يكون متبعوه شهداء على الناس، أو المعنى أنهم بدخولهم في هذه الأمة يكتبون من الشاهدين، فذكر الله الأمة بأشرف أوصافها.
قال ابن عباسٍ رضي الله عنه: إن الشاهدين هنا هم الشهداء في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] » 123.
قال ابن الجوزي: «قوله تعالى: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} ، أي: مع من يشهد بالحق.
وللمفسرين في المراد بالشاهدين هاهنا أربعة أقوال:
أحدها: محمد وأمته، رواه علي بن أبي طلحة، وعكرمة عن ابن عباس.
والثاني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثالث: الذين يشهدون بالإيمان، قاله الحسن.
والرابع: الأنبياء والمؤمنون، قاله الزجاج» 124.
{وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} «هذا تتمة قولهم، والمعنى: أي مانعٍ يمنعنا من الإيمان بالله وحده وبما جاءنا من الحق على لسان هذا الرسول، بعد أن ظهر لنا أنه البارقليط روح الحق الذي بشر به المسيح، والحال أننا نطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين، والذين صلحت أنفسهم بالعقائد الصحيحة، والفضائل الكاملة، والعبادات الخاصة، والمعاملات المستقيمة، وهم أتباع هذا النبي الكريم، الذين رأينا أثر صلاحهم بأعيننا بعد ما كان فسادهم في جاهليتهم ما كان؟ أي: لا مانع من هذا الإيمان بعد تحقيق موجبه، وقيام سببه، فسروا القوم الصالحين بأصحاب الرسول، وهو متعينٌ بالنسبة إلى من آمن من نصارى الحبشة، وكل من سار على طريقهم يعد منهم ويحشر معهم» 125.
قال ابن كثير: «وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله عز وجل {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 199] .
وهم الذين قال الله فيهم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 52 - 55] » 126.
الصفة الثامنة: الرأفة والرحمة ورقة القلب.
وقد جاء في وصف أتباع عيسى عليه السلام أيضًا قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27] .
قال الشوكاني: «الذين اتبعوه هم الحواريون، جعل الله في قلوبهم مودةً لبعضهم البعض، ورحمةً يتراحمون بها، بخلاف اليهود فإنهم ليسوا كذلك، وأصل الرأفة: اللين، والرحمة: الشفقة، وقيل: الرأفة أشد الرحمة» 127.
«ومعنى جعل الرأفة والرحمة في قلوب الذين اتبعوه: أن تعاليم الإنجيل الذي آتاه الله عيسى أمرتهم بالتخلق بالرأفة والرحمة فعملوا بها، أو أن ارتياضهم بسيرة عيسى عليه السلام أرسخ ذلك في قلوبهم وذلك بجعل الله تعالى؛ لأنه أمرهم به ويسره عليهم، ذلك أن عيسى بعث؛ لتهذيب نفوس اليهود واقتلاع القسوة من قلوبهم التي تخلقوا بها في أجيالٍ طويلةٍ.
قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] .
والرأفة: الرحمة المتعلقة بدفع الأذى والضر فهي رحمةٌ خاصةٌ. . والرحمة: العطف والملاينة، فعطف الرحمة على الرأفة من عطف العام على الخاص لاستيعاب أنواعه بعد أن اهتم ببعضها» 128.
«قال مقاتلٌ: المراد من الرأفة والرحمة هو أنهم كانوا متوادين بعضهم مع بعضٍ، كما وصف الله أصحاب محمدٍ عليه الصلاة والسلام بذلك في قوله: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] » 129.
وقال الألوسي: «والرأفة في المشهور: الرحمة، لكن قال بعض الأفاضل: إنها إذا ذكرت معها يراد بالرأفة ما فيه درء الشر ورأب الصدع، وبالرحمة ما فيه جلب الخير ولذا ترى في الأغلب تقديم الرأفة على الرحمة وذلك؛ لأن درء المفاسد أهم من جلب المصالح» 130.
«وقيل: هذا إشارةٌ إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه» 131.
«وخصت الرهبانية بالابتداع؛ لأن الرأفة والرحمة في القلب لا تكسب للإنسان فيها، بخلاف الرهبانية، فإنها أفعال بدنٍ مع شيءٍ في القلب، ففيها موضعٌ للتكسب.
قال قتادة: الرأفة والرحمة من الله، والرهبانية هم ابتدعوها.
والرهبانية: رفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهن واتخاذ الصوامع.
وجعل أبو عليٍ الفارسي {وَرَهْبَانِيَّةً} مقتطعةً من العطف على ما قبلها من {رَأْفَةً وَرَحْمَةً} ، فانتصب عنده ورهبانيةً على إضمار فعلٍ يفسره ما بعده، فهو من باب الاشتغال، أي: وابتدعوا رهبانيةً ابتدعوها» 132.
سبق أن ذكرنا أن الإنجيل المنزل من عند الله على المسيح عليه السلام قد تعرض للتحريف والتغيير والتبديل، حتى لقد صار الآن مفقودا كله أو أكثره، وأن النصارى بعد زمن المسيح قد استبدلوه بصحائف وكتب كتبوها بأيديهم سموها أناجيل، وادعوا أنها وحي من الله إلى كاتبيها، وهم في زعمهم قديسون من تلاميذ المسيح أو تلاميذ تلاميذه.
والأناجيل المعتبرة عندهم أربعة: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، بالإضافة إلى سفر أعمال الرسل الذي كتبه لوقا كما يزعمون، ومن هذه الأناجيل الأربعة وهذا السفر يتكون ما يعرف بالأسفار التاريخية من العهد الجديد، تليها إحدى وعشرين رسالة من بولس إلى المدن النصرانية تعرف بالأسفار التعليمية، وفي النهاية تأتي رؤيا يوحنا اللاهوتي، وهي عبارة عن رؤيا يقظة أو نبوءات منسوبة إلى يوحنا، ومن كل ما سبق يتكون ما يعرف عندهم بالعهد الجديد 133.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما الأناجيل التي بأيدي النصارى: فهي أربعة أناجيل؛ إنجيل متى ويوحنا ولوقا ومرقس، وهم متفقون على أن لوقا ومرقس لم يريا المسيح، وإنما رآه متى ويوحنا، وأن هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل، وقد يسمون كل واحدٍ منهم إنجيلًا، إنما كتبها هؤلاء بعد أن رفع المسيح، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله، ولا أن المسيح، بلغها عن الله، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله ومعجزاته، وذكروا أنهم لم ينقلوا كل ما سمعوه منه ورأوه، فكانت من جنس ما يرويه أهل الحديث والسير والمغازي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله التي ليست قرآنًا، فالأناجيل التي بأيديهم شبه كتاب السيرة وكتب الحديث، أو مثل هذه الكتب، وإن كان غالبها صحيحًا» 134.
وهذه الأناجيل الأربعة التي يقدسها النصارى الآن تسوق قصة المسيح من ولادته إلى صلبه في زعمهم، ومن غير المعقول أن تكون تلك القصة وحيًا تلقاه المسيح من ربه، وعلمه حوارييه واستكتبهم إياه، إن كل عاقل يجزم أن المسيح لم يقرأ هذه الأناجيل في حياته، فكيف يقال بعد ذلك إنها مقدسة؟ وتلك الأناجيل المزعومة مقطوعة السند إلى مؤلفيها، بل إن نسبتها إليهم قائمة على الظن وهو لا يغني من الحق شيئا 135.
«ومكان الأناجيل في النصرانية مكان القطب والعماد، وإذا كانت شخصية المسيح وما حاطوها به من أفكار هي شعار المسيحية، فإن هذه الأناجيل هي المشتملة على أخبار تلك الشخصية، من وقت الحمل إلى وقت صلبه في اعتقادهم وقيامته من قبره بعد ثلاث ليال، ثم رفعه بعد أربعين ليلة، وهي بهذا تشتمل على عقيدة ألوهية المسيح في زعمهم، والصلب والفداء، أي: إنها تشتمل على لب المسيحية في نظرهم بعد المسيح ومعناها، وهذه الأناجيل الأربعة هي التي تعترف بها الكنائس، وتقرها الفرق المسيحية وتأخذ بها، ولكن التاريخ يروى لنا أنه كانت في العصور الغابرة أناجيل أخرى، قد أخذت بها فرق قديمة، وراجت عندها، ولم تعتنق كل فرقة إنجيلها، فعند كل من أصحاب مرقيون، وأصحاب ديسان إنجيل يخالف بعضه هذه الأناجيل، ولأصحاب ماني إنجيل يخالف هذه الأربعة، وهو الصحيح في زعمهم، وهناك إنجيل يقال له إنجيل السبعين ينسب إلى تلامس، والنصارى ينكرونه، وهناك إنجيل اشتهر باسم التذكرة، وإنجيل سرن تهس، ولقد كثرت الأناجيل كثرة عظيمة، وأجمع على ذلك مؤرخو النصرانية، ثم أرادت الكنيسة في آخر القرن الثاني الميلادي، أو أوائل القرن الرابع أن تحافظ على الأناجيل الصادقة -في اعتقادها- فاختارت هذه الأناجيل الأربعة من الأناجيل الرائجة إبان ذلك، ولكن يذكر بعض المؤرخين إنه لم توجد عبارة تشير إلى وجود أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا قبل آخر القرن الثالث. وأول من ذكر هذه الأناجيل الأربعة أرينيوس في سنة 209. ثم جاء من بعده كليمنس اسكندريانوس في سنة 216، وأظهر أن هذه الأناجيل الأربعة واجبة التسليم، ولم تكتف الكنيسة باختيار هذه الأناجيل الأربعة، بل أرادت الناس على قبولها؛ لاعتقادها صحتها، ورفض غيرها، وتم لها ما أرادت؛ فصارت هذه الأناجيل هي المعتبرة دون سواها» 136.
وقد أخبر الله عز وجل في القرآن الكريم أن أهل الكتاب قد غيروا في كتبهم وبدلوا وحرفوا.
قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 14 - 16] .
قال الفخر الرازي: «المراد أن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند الله، وإنما قال: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ولم يقل: ومن النصارى، وذلك؛ لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاءً لنصرة الله تعالى، وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار الله، فكان هذا الاسم في الحقيقة اسم مدحٍ، فبين الله تعالى أنهم يدعون هذه الصفة، ولكنهم ليسوا موصوفين بها عند الله تعالى، وقوله: {أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} أي: مكتوبٌ في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وتنكير الحظ في الآية يدل على أن المراد به حظٌ واحدٌ، وهو الذي ذكرناه من الإيمان بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم» 137.
قال الشيخ محمد رشيد رضا: «وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أن النصارى نسوا حظًا مما ذكروا به كاليهود، وهم أجدر بذلك، فإن التوراة كتبت في زمن نزولها، وكان الألوف من الناس يعملون بها، ثم فقدت، والكثير من أحكامها محفوظٌ معروفٌ، ولا ثقة بقول بعض علماء الإفرنج: إن الكتابة لم تكن معروفةً في زمن موسى عليه السلام.
وأما كتب النصارى فلم تعرف وتشهر إلا في القرن الرابع للمسيح؛ لأن أتباع المسيح كانوا مضطهدين بين اليهود والرومان، فلما أمنوا باعتناق الملك قسطنطين النصرانية سياسةً ظهرت كتبهم، ومنها تواريخ المسيح المشتملة على بعض كلامه الذي هو إنجيله، وكانت كثيرةً، فتحكم فيها الرؤساء حتى اتفقوا على هذه الأربعة. فمن فهم ما قلناه في الفرق بين عرف القرآن وعرف القوم في مفهوم التوراة والإنجيل يتبين له أن ما جاء في القرآن هو الممحص للحقيقة التي أضاعها القوم، وهي ما يفهم من لفظ التوراة والإنجيل، ويصح أن يعد هذا التمحيص من آيات كون القرآن موحًى به من الله.
ولولا ذلك لما أمكن ذلك الأمي الذي لم يقرأ هذه الأسفار والأناجيل المعروفة ولا تواريخ أهلها؛ أن يعرف أنهم نسوا حظًا مما أوحي إليهم وأوتوا نصيبًا منه فقط، بل كان يجاريهم على ما هم عليه ويقول: الأناجيل لا الإنجيل. ثم إن من فهم هذا لا تروج عنده شبهات القسيسين الذين يوهمون عوام المسلمين أن ما في أيديهم من التوراة والأناجيل هي التي شهد بصدقها القرآن» 138.
فالنصارى قد أخفوا ما عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] .
قال السعدي: «يخبر تعالى: أن أهل الكتاب قد تقرر عندهم، وعرفوا أن محمدًا رسول الله، وأن ما جاء به، حق وصدق، وتيقنوا ذلك، كما تيقنوا أبناءهم بحيث لا يشتبهون عليهم بغيرهم، فمعرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وصلت إلى حد لا يشكون فيه ولا يمترون، ولكن فريقًا منهم - وهم أكثرهم - الذين كفروا به، كتموا هذه الشهادة مع تيقنها، وهم يعلمون» 139.
كما حرفوا عقيدة التوحيد إلى التثليث، ولهذا بين القرآن الكريم عقب هذه الآيات فساد قولهم بألوهية المسيح وبنوته لله وحلول الله فيه، وبأن فيه جزءا إلهيًا أو طبيعة إلهية، إلى آخر ما لفقوه في إنجيلهم ونسبوه للمسيح، ورد على هذه الفرية بما يؤكد عبودية المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا لله.
قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 17] .
كما بين في موضع آخر من نفس السورة أن المسيح ما ادعى الألوهية أو البنوة لله، ولا قاله ولا نسبه إلى نفسه، ولا أمرهم بعبادته من دون الله أو مع الله، بل كل ما أمرهم به هو أن يعبدوا الله الذي هو ربه وربهم ورب العالمين، وتوعد من يشرك بالله بالحرمان من الجنة ودخول النار.
قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 72 - 73] .