فهرس الكتاب

الصفحة 2407 من 2431

يونس عليه السلام

أولًا: اسمه ونسبه عليه السلام:

هو «يونس بن متى بن إيحان بن بانومر بن عوريا بن معققا بن أمصيا بن نواسر بن حزالي بن يهورم بن يوسقط بن أسا بن راخيعم بن سليمان بن داود بن أتسي بن عويد بن عمى ناذب بن رام بن حضرون بن قارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام» 1.

واسمه في العبرانية: (يونان بن أمتاي) ، وهو من سبط (زبولون) ، ويجوز في نونه في العربية الضم (يونس) ، والفتح (يونس) ، والكسر (يونس) .

ولد في بلدة (غاث إيفر) من فلسطين. وهو أحد عباد بني إسرائيل وزهادهم 2. أرسله الله تعالى إلى أهل (نينوى) من بلاد آشور، وهي على شاطئ دجلة من أرض الموصل 3. وكان أهلها يومئذٍ خليطًا من الآشوريين واليهود الذين كانوا في أسر الآشوريين، ولما دعاهم إلى الإيمان أبوا، وتوعدهم بالعذاب، ولكنَّ تحقق العذاب تأخر عنهم، فخرج مغاضبًا، وذهب إلى (يافا) ، فركب سفينة للفينيقيين؛ لتذهب به إلى (ترشيش) ، وهي مدينة غرب فلسطين إلى غربي صور، وهي على البحر، وأقرب ما قيل فيها: إنها من مراسي برقة في تونس؛ لأنه قيل في تاريخ تونس: إن اسمها كان قبل الفتح الإسلامي لها ترشيش. وعندما كان يونس عليه السلام في السفينة هال البحر عليها، فثقلت، وخاف الناس غرقها، فاقترعوا، وكان يونس عليه السلام ممن خاب في القرعة، فرمي في البحر، والتقمه الحوت، فنادى يونس عليه السلام: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .

فاستجاب الله تعالى له، وأرسله مرة أخرى إلى أهل نينوى، وآمنوا، وكان عددهم يزيد على مائة ألف 4.

وذكره الله عز وجل في القرآن الكريم باسمه (يونس) في أربعة مواضع 5، وهي كالآتي: قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163] .

وقوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 86] .

وقوله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98] .

وقوله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139] .

كما ذكره بلقبه (ذي النون) مرة واحدة، في قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .

وذكره أيضًا بـ (صاحب الحوت) مرة واحدة في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48] .

وفي سبب تسمية يونس عليه السلام بلقب ذي النون قولان:

الأول: بمعنى صاحب الحوت؛ لابتلاعه له، فالنون من أسماء الحوت.

الثاني: إن يونس عليه السلام رأى صبيًّا مليحًا، فقال: دسموا نونته 6؛ لئلا تصيبه العين، أي: سودوها 7.

ثانيًا: زمانه عليه السلام:

بعث الله تعالى يونس عليه السلام إلى أهل نينوى عاصمة الآشوريين بعد خراب بيت المقدس، وذلك في حدود القرن الحادي عشر قبل الهجرة 8، فكانت مدته في أول القرن الثامن قبل الميلاد 9.

وورد في تحديد وترتيب نبوته بين الأنبياء والرسل قول هشام بن محمد بن السائب عن أبيه: «أول نبيٍ بعثه الله -تبارك وتعالى- في الأرض إدريس واسمه أخنوخ، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وقد كان سام بن نوحٍ نبيًّا، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبيًّا واتخذه خليلًا، وهو إبراهيم بن تارخ واسم تارخ آزر، ثم بعث إسماعيل بن إبراهيم فمات بمكة، ثم إسحاق بن إبراهيم فمات بالشام، ثم لوطٌ وإبراهيم عمه، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق، ثم يوسف ابن يعقوب، ثم شعيب بن يوبب، ثم هود بن عبد الله، ثم صالح بن أسف، ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم أيوب ثم الخضر وهو خضرون، ثم داود بن إيشا، ثم سليمان بن داود، ثم يونس بن متى، ثم إلياس، ثم ذا الكفل واسمه عويدنا من سبط يهوذا ابن يعقوب، قال: وبين موسى بن عمران ومريم بنت عمران أم عيسى ألف سنةٍ وسبعمائة سنةٍ وليسا من سبطٍ، ثم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي صلى الله عليه وسلم» 10.

ثالثًا: مكانته عليه السلام:

إن ليونس عليه السلام مكانة رفيعة عند الله عز وجل، فقد ذكره الله تعالى في جملة الأنبياء الكرام، فقال الله عز وجل: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163] .

والمعنى: أن الله عز وجل أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الحجج والآيات الدالة على صدق نبوته ورسالته، كما أوحى إلى النبيين المذكورين في الآية، ومن جملتهم نبي الله يونس عليه السلام، وخصه الله تعالى بالذكر مع دخوله في عموم لفظ (النبيين) ؛ تشريفًا له، وإظهارًا لفضله، هو وسائر الأنبياء المسمون بأسمائهم 11. ويذكر السعدي رحمه الله في سبب تخصيص هؤلاء الأنبياء -الذين منهم يونس- عليه السلام بالذكر، فقال: «وفي ذكر هؤلاء الرسل وتعدادهم في التنويه بهم، والثناء الصادق عليهم، وشرح أحوالهم مما يزداد به المؤمن إيمانًا بهم، ومحبة لهم، واقتداءً بهديهم، واستنانًا بسنتهم، ومعرفة بحقوقهم فكلُّ محسن له من الثناء الحسن بين الأنام بحسب إحسانه، والرسل -وخصوصًا هؤلاء المسمون- في المرتبة العليا من الإحسان» 12.

كما أثنى الله عز وجل على يونس عليه السلام، ومدحه بتفضيله على عالم زمانه بالنبوة والرسالة 13، فقال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 86] .

كما أثنى جلَّ جلاله عليه في قوله: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139] .

فهو من جملة الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله تعالى لدعوة الناس إلى توحيده عز وجل، وإفراده وحده بالعبادة.

كما أثنى الله عز وجل عليه بقوله: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القلم: 50] .

أي: استخلصه واصطفاه لدعائه، واختاره لنبوته، فجعله من الكاملين في الصلاح، وعصمه من الذنب، وهذا الاجتباء كان بعد التقام الحوت له -كما سيأتي بيانه لاحقًا-، حيث رد إليه نبوته، وقبل توبته، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون 14.

هذا وقد مدح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يونس عليه السلام، فقال: (لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى) 15، وقال الإمام ابن حجر العسقلاني في شرحه للحديث: «خص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيصٌ له، فبالغ في ذكر فضله؛ لسد هذه الذريعة» 16.

وعليه فلا ينبغي لأحد من الناس أن يتصور نقصًا في شخصية يونس عليه السلام، فما تعرض له من عقوبة دنيوية متمثلة في التقام الحوت إياه، إنما كان لسببٍ وحكمةٍ ستظهر في ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالى.

ورد ذكر يونس عليه السلام في القرآن الكريم (4) مرات، في (4) سور.

وقد سميت سورة من سور القرآن الكريم باسمه: سورة يونس.

وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:

السورة ... الآيات

يونس ... 98

الصافات ... 139 - 148

ذكرنا أنَّ الله تعالى فضَّلَ يونس عليه السلام على عالم زمانه، وكلفه بالنبوة، وخصه بالذكر مع جملة من الأنبياء الكرام سموا بأسمائهم من باب التشريف لهم، وبيان فضلهم.

قال الله عز وجل: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 163 - 165] .

والمعنى: أنَّ الله تعالى قد أوحى إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بتكليفه بالنبوة، ودعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة المتمثلة في توحيد الله عز وجل، وإفراده وحده بالعبادة دون غيره من الأصنام والأوثان، فهذه العقيدة نفسها هي التي أوحى الله تعالى بها إلى جميع الأنبياء السابقين من: نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وعيسى، وأيوب، ويونس، وهارون، وسليمان، وداود، وموسى عليهم السلام أجمعين، كما أوحى بهذه العقيدة إلى غيرهم من الرسل الذين ذكر الله تعالى أخبارهم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك أوحى إلى رسلٍ آخرين لم يخبره بأحوالهم.

ثمَّ بيَّنَ الله عز وجل مهمة هؤلاء الأنبياء والرسل، فهم يبشرون الطائعين بالجنة، وينذرون العاصين بالنار. ثم ذكر الله تعالى الحكمة التي من أجلها أرسل هؤلاء الأنبياء والرسل وبعثهم، وهي متمثلة في قطع الحجة على من يقول: لو أرسل إلي رسول لآمنت وأطعت. فقطع الله تعالى حجة البشر هذه بإرسال الرسل، وإنزال الكتب السماوية معهم؛ لتدلهم على المنهج السديد، والطريق المستقيم الذي يجب أن يسير عليه البشر؛ ليصلوا إلى الله جل جلاله، فيفوزوا برضوانه وجنانه، وكان الله تعالى ولا يزال عزيزًا في ملكه، وحكيمًا في صنعه 17.

ويتبين من هذا أن رسالات الأنبياء في القواعد والأصول العامة للعقيدة والأخلاق هي واحدة لا تتغير، ولا تتبدل، فالأنبياء جميعًا متعاونون متناصرون فيما بينهم، كلٌّ منهم يكمل رسالة أخيه النبي السابق في الدعوة إلى التوحيد.

ومن الملاحظ أن القرآن الكريم لم يشر إلى حوار دعوي دار بين يونس عليه السلام وقومه، بل اكتفى ببيان أن يونس عليه السلام من جملة الأنبياء والمرسلين، فقال الله عز وجل: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139] .

ومعلومٌ أن مهمة المرسلين هي تبليغ دعوة الله تعالى إليهم، وأنهم يبشرون من أطاع الله تعالى، واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره، وكذب رسله بالعقاب والعذاب. فيونس عليه السلام عندما أرسله الله تعالى إلى قومه، دعاهم إلى توحيد الله جل جلاله، ونبذ ما كانوا عليه من شرك، وعبادة للأصنام. ففي دعوته حاول إخراجهم من ظلمات الشرك والمعصية إلى نور التوحيد والطاعة، وإنقاذهم من براثن الجهل والعمى إلى نور الهداية والإيمان.

بعث الله عز وجل يونس عليه السلام إلى الآشوريين الذين أسسوا حضارة عظيمة عرفت باسمهم، ونسبت إليهم، ويقع موطنهم حول نهر دجلة في العراق، ولهم مدن كثيرة ومشهورة، منها مدينة نينوى التي هي بلد نبي الله يونس عليه السلام، كما ورد في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين ذهب إلى الطائف يدعو أهلها قبيلة ثقيف إلى الإسلام، كما يلتمس النصرة منهم، لكن قبيلة ثقيف قابلوا النبي صلى الله عليه وسلم، وردوا عليه بكل غلظة وقسوة وجفاء.

حينئذٍ طلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتموا خبر مقدمه صلى الله عليه وسلم إليهم عن قريش، ولكنهم لم يجيبوه أيضًا إلى ذلك، فلم يكن منهم إلا أن طلبوا من سفهائهم، وعبيدهم، وصبيانهم أن يسبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ويضربوه بالحجارة، حتى أدموا قدميه الشريفتين، وكان زيد رضي الله عنه يقيه ويحميه بنفسه حتى شج هو في رأسه عدة شجاج.

ولما بلغ التعب والنصب من النبي صلى الله عليه وسلم مبلغه، ذهب ليستظل تحت شجرة عنب، وكان ابنا ربيعة ينظران إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشكو إلى الله تعالى ما ألم به، فتحركت الشفقة في قلبي ابني ربيعة، فبعثا غلامًا نصرانيًّا لهما يدعى عداس؛ ليرسل إليه قطفًا من عنب.

فلما وضع عداس العنب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله، ثم أكل، فتعجب عداس من النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ فأجاب عداس: أنا رجل نصراني من نينوى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فسأل عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك أخي، كان نبيًّا، وأنا نبيٌّ، فما كان من عداس إلا أن أكب على قدمي النبي صلى الله عليه وسلم الشريفتين اللتين تدميان مما فعله به صبيان بني ثقيف، وقبلهما، وقبل رأسه الشريفة، ويده الشريفة 18.

ونعود إلى نينوى التي هي مدينة آشورية، وتعتبر من قرى مدينة الموصل العراقية الحالية، وقامت حضارة الآشوريين على القسوة والظلم والحرب، فكانوا يأخذون الجزية من جيرانهم، ويبسطون نفوذهم على الشعوب المجاورة لهم. هذا عن الحالة السياسية والاجتماعية، أما عن حالتهم الدينية، فكانوا يعبدون الأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم، وأطلقوا عليها أسماء مدنهم، فجعلوا الصنم الأكبر، الذي يدعونه إلههم، هو آشور، وبه يسمى مليكهم، وكانوا يتوجهون بالعبادة وألوانها إلى الملك آشور، كما كانوا يتقربون إليه بالعطايا الجزيلة؛ ليمنحهم رضا الرب، فيسيرون على ما يأمرهم به، وما ينهاهم عنه 19.

هذه طبيعة القوم الذين أرسل إليهم يونس عليه السلام، والذي من الطبيعي أن يدعوهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، ونبذ ما هم عليه من الشرك والظلم والعدوان. ولكن ذكرنا سابقًا أن موطن يونس عليه السلام كان في فلسطين، فمتى كلفه الله عز وجل بالنبوة إلى هؤلاء القوم؟ وهل كان هذا التكليف قبل ابتلاع الحوت إياه؟ أم بعده؟

فاختلف أهل التفسير في هذه المسألة المتمثلة في قوله: عز وجل {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .

اختلفوا بناءً على معنى {مُغَاضِبًا} على قولين:

القول الأول: إن يونس عليه السلام لما كان يسكن هو وقومه في فلسطين، غزاهم ملك، وسبى منهم تسعة أسباط ونصف، وبقي سبطان ونصف، ومعلومٌ أن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطًا، وكان الله تعالى أوحى إليهم أنه إذا أسركم عدوكم، أو أصابتكم مصيبة، فادعوني أستجب لكم، ولكنهم نسوا هذا، فأسروا.

فأوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائهم أن يذهب إلى الملك حزقيل، ويطلب منه أن يوجه ويرسل نبيًّا قويًّا أمينًا إلى هؤلاء الغزاة الآشوريين -الذين تم الحديث عنهم قبل قليل-؛ ليخلص منهم بني إسرائيل، ويعود بهم.

فطلب الملك مشورة ذلك النبي في النبي الذي سوف يرسله، فأشار عليه بيونس عليه السلام، عندئذٍ أرسل الملك إلى يونس عليه السلام ليطلب منه الذهاب لتخليص بني إسرائيل من الأسر، فقال يونس عليه السلام: هل أمرك الله تعالى بإرسالي إليهم؟ قال الملك: لا، فقال يونس عليه السلام: فهل سماني لك؟ قال: لا، فرد يونس عليه السلام: فههنا أنبياء غيري، فألحوا عليه حتى خرج مغاضبًا للملك، فوصل بحر الروم، فوجد قومًا يهيئون أنفسهم للركوب في السفينة، فركب معهم.

وأثناء سير السفينة في البحر، فإذا بالرياح تهيج بالسفينة، فتتلجلج وتضطرب، وكادت السفينة تغرق، فقال رئيس القوم: إن في السفينة رجلًا عاصيًا، أو عبدًا آبقًا؛ لأننا لم نعهد على السفينة هذا الاضطراب إلا وفيها رجل عاصٍ، وإذا كان هذا فإننا نقترع، فمن تقع عليه القرعة، فإنه يلقى في البحر، فغرق رجل واحد خير من غرق السفينة بمن فيها.

فاقترعوا ثلاث مرات، وفي كل مرة كانت القرعة تخرج على يونس عليه السلام، فقال يونس عليه السلام: أنا الرجل العاصي، والعبد الآبق، وألقى بنفسه في البحر فابتلعه الحوت.

وبعد نبذ الحوت له، أمره الله تعالى أن يذهب إلى هؤلاء القوم، فأتاهم، وأخبر ملكهم أن الله تعالى أرسله إليهم؛ ليرسل معه بني إسرائيل الذين سباهم، ووقعوا في أسره، فقال له: ما نعرف ما تقول، ولو علمنا أنك صادق لفعلنا، ولقد أتيناكم في دياركم، وسبيناكم، فلو كان كما تقول، لمنعنا الله عنكم.

فظل يونس عليه السلام ثلاثة أيام يدعوهم إلى أن يخلوا أسر بني إسرائيل، فرفضوا وأبوا، فأوحى الله تعالى إليه أن يبلغهم أنهم إذا لم يؤمنوا فسيوقع عليهم العذاب، فبلغهم، وأبوا مرة أخرى، فخرج يونس عليه السلام من عندهم.

فلما فقدوه ندموا على فعلتهم هذه، فانطلقوا يبحثون عنه فلم يجدوه، ولم يعثروا عليه، ثم ذكروا أمره لعلمائهم، فقال العلماء لهم: انظروا في طلبه، فإن كان في المدينة، فخبر إنزال العذاب عليكم ليس بصحيح، وإن كان خارج المدينة، فخبره إنزال العذاب عليكم صحيح.

فلما بحثوا عنه مرة أخرى، قيل لهم: إنه خرج من المدينة بالعشي. عندئذٍ آيس القوم من العثور عليه، فأغلقوا أبواب المدينة، وجلسوا ينتظرون الصبح، فلما انشق الصبح ورأوا العذاب ينزل عليهم من السماء، شقوا جيوبهم، ووضعت الحوامل ما في بطونها، وصاح الصبيان، وثغت الأغنام والأبقار، فرفع الله تعالى عنهم العذاب، فبعثوا إلى يونس عليه السلام، فآمنوا به، وبعثوا معه بني إسرائيل 20.

ويلاحظ من هذا القول أن يونس عليه السلام خرج من المدينة مغاضبًا مرتين:

الأولى: عندما غاضب الملك حزقيل.

والثانية: بعدما رفض قومه دعوة الله عز وجل، وخوفهم بعذاب الله تعالى، فيكون غضبه من أجل الله تعالى.

وبناءً على هذا القول، كان تكليف يونس عليه السلام بالرسالة إلى قومه بعد نبذ الحوت له.

القول الثاني: إن يونس عليه السلام عندما كلف بالرسالة إلى أهل نينوى، وبلغهم دعوة الله عز وجل، كذبوه، ورفضوا قبول دعوته، وهددهم يونس عليه السلام بعذاب الله تعالى إن لم يستجيبوا، فلما كشف عنهم العذاب، ورفع بعدما توعدهم به، خرج مغاضبًا.

وعلى هذا القول يكون معنى غضب يونس عليه السلام من أجل الله عز وجل 21.

ويكون المعنى المناسب لقوله تعالى في حقِّ الأنبياء المعصومين من الخطأ {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} -على اختلاف القولين- كما قال الزحيلي في تفسيره: «أي: ظنَّ أننا لن نلزمه بالذهاب إلى القوم الذين أرسل إليهم، ولا نلجئه إلى تبليغ رسالة الله تعالى إليهم، والمراد أنه تأول الأمر، وهو أمر الذهاب إلى قومه على أنه أمر إرشاد لا أمر وجوب، ولا إثم في مخالفته» 22.

وذكر العلماء ثلاثة أسباب في غضب يونس عليه السلام من قومه وخروجه من المدينة، وهي كالآتي:

الأول: أن يونس عليه السلام توعد قومه بالعذاب، ولكن الله تعالى رفعه عنهم. فكأن يونس عليه السلام قد أخبرهم خبرًا كاذبًا، فاستحى أن يكون بين قوم جربوا عليه كذبًا، فخرج لهذا السبب.

الثاني: أنه كان من عادة القوم قتل الكاذب؛ ولذلك خرج 23.

الثالث: أن يونس عليه السلام عندما أخبرهم أن العذاب نازل عليهم بعد مدة، فلما أشرفت المدة على الانتهاء تابوا وآمنوا، فخرج غضبانًا من عدم تحقق ما أنذرهم به 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت